مبدعون فلسطينيون خرجوا من غزة... بين النجاة الفردية و"تهمة" التخلي

ليس خيارا فرديا بل واقع فرضته الإبادة

BASHAR TALEB / AFP
BASHAR TALEB / AFP
فنانون فلسطينيون يرسمون لوحة جدارية تمثل "أسطول الصمود العالمي" في دير البلح بقطاع غزة، 3 أكتوبر 2025

مبدعون فلسطينيون خرجوا من غزة... بين النجاة الفردية و"تهمة" التخلي

جاء خروج كتاب وفنانين فلسطينيين من غزة خلال حرب الإبادة، بمثابة لحظة طرحت فيها الأسئلة الكبرى وكشفت هشاشتها في آن واحد: الانتماء، الأخلاق، النجاة، ودور الثقافة حين يدمر العالم الذي أنتجها. في مكان حيث البقاء احتمال مؤقت، يصبح الخروج فعلا مثقلا بالذنب، محاطا بسوء الفهم، ومفتوحا على تأويلات قاسية: أحيانا ينظر إليه كتخل، وأحيانا كخلاص فردي في لحظة جماعية.

مفارقات مؤلمة

خلال الحرب، لم يكن المشهد الثقافي والإبداعي في غزة يعمل أو يتحرك، فكان مثل كل شيء آخر يتعرض للتدمير والمحو في ظل هدم جميع المؤسسات الثقافية والمكتبات. يصف الفنان التشكيلي ميسرة بارود الوضع بأنه كان "مهشما، ضعيفا، مفككا بفعل قسوة الحرب والنزوح المتكرر والسعي المستمر للنجاة".

يوضح بارود: "انحصر الخطاب الثقافي خلال الحرب في فعاليات محدودة أو مشاركات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولم يعد الحديث عن تراجع ثقافي دقيقا بقدر الحديث عن محو كامل: أماكن دمرت، مثقفون ومبدعون قتلوا، وآخرون نزحوا مرارا، وبات الفعل الثقافي نفسه مهددا بالانقراض".

مع ذلك، وفي مفارقة مؤلمة، شهدت غزة خلال الإبادة انفجارا في الأصوات الإبداعية. كأن الصراخ نفسه أنجب لغة جديدة تصر على الحضور رغم الخراب. يقول الشاعر الشاب حيدر الغزالي: "ربما هذه المرة الأولى التي أشعر فيها أننا نمتلك قدرة إبداعية تتخطى المألوف، وتجرب أدوات جديدة، خصوصا على مستوى الشعر... هذا الانفجار لم يكن جماليا فحسب، بل رافقه وعي إنساني ووطني متسق مع السردية الحقيقية للناس والشارع".

لكنه يشدد على حدود اللغة نفسها: "بعد الحرب؟ بعد الإبادة؟ قد لا تبدو هذه المعادلة مناسبة، بينما لا تزال الإبادة مستمرة بأدوات مختلفة".

إنقاذ ما تبقى

الروائية رهام السبع تشكك في إمكان الحديث عن "وضع ثقافي" خلال الحرب، وتقول: "لا أعتقد أن هناك ما يمكن تسميته بالوضع الثقافي، بل محاولات لإنقاذ ما تبقى منه، فما كتب لم يكن إنتاجا أدبيا بالمعنى التقليدي، بل محاولة أخيرة للنجاة، ولتخليد ما يحدث والتفاعل معه كبشر مسلوبي الحق في الحياة".

ما كتب لم يكن إنتاجا أدبيا بالمعنى التقليدي، بل محاولة أخيرة للنجاة، ولتخليد ما يحدث والتفاعل معه كبشر مسلوبي الحق في الحياة

رهام السبع

النزوح، ومن ثم مغادرة غزة إلى بلاد أخرى، أحدث تصدعات في المشهد الثقافي. فقد اضطر المبدعون أولا إلى مواجهة واقع البقاء وتأمين حياتهم، قبل التفكير في الإبداع أو الحفاظ على مشاريعهم الثقافية. انتقالهم إلى الخارج قلب علاقتهم بالثقافة وأعاد تعريف إنتاجهم الفني في فضاء جديد غير مألوف. في الوقت نفسه، بقيت تجربة النزوح محفورة في أعمالهم، تعكس الألم والاغتراب وفقدان الأرض التي شكلت هويتهم الإبداعية. 

OMAR AL-QATTAA / AFP
امرأة تحمل كيسا على رأسها تسير على طريق مدمّر في وسط خان يونس جنوب قطاع غزة، 10 أكتوبر 2025، أثناء عودة نازحين إلى منازلهم عقب انسحاب القوات الإسرائيلية

تقول السبع: "تسبب النزوح في تعطل المؤسسات الثقافية، وتفكك الجماعات الإبداعية، وانشغال المبدعين بالنضال من أجل البقاء، مما أضعف الإنتاج الثقافي المنظم".

مع ذلك، تضيف مفارقة أخرى: "الثقافة لم تختف، بل أعادت تشكيل نفسها، أصبحت أقل اعتمادا على المؤسسات وأكثر التصاقا بالتجربة الإنسانية".

خيار أم إجبار؟

لكن العديد من المثقفين الفلسطينيين فضلوا الخروج من غزة خلال وطيس الحرب والدمار، فهل كان ذلك خيارا أم حدثا إجباريا؟

ميسرة بارود يرفض توصيف ما حدث بوصفه "خروجا"، ويصر على كلمة "نزوح": "نزحت 18 مرة داخل غزة، وكان نزوحي إلى فرنسا هو النزوح التاسع عشر".

وحين يسألون عن دوافع المغادرة، تتقاطع شهادات هؤلاء الثلاثة عند نقطة واحدة: الإنسان قبل المثقف. فيقول حيدر الغزالي: "الحاجة الإنسانية الملحة إلى الهروب من جحيم غزة، هي حاجة إنسانية تتعدى أي فئة".

أما رهام السبع فترى أن الدافع الأساس كان ضغط الحياة ذاته: "البحث عن الأمان وتأمين الاحتياجات الأساسية يطغيان على أي مسعى إبداعي". أما بارود، فيعيد المسألة إلى بساطتها القاسية: "خرجت من أجل النجاة من موت كان حقيقيا ومحيطا بي وبعائلتي".

تحت هذا الضغط، تباينت علاقة هؤلاء بالعمل الإبداعي. فيصف حيدر الغزالي غزة بأنها منحته "أصعب إقامة أدبية في العالم... اكتشفت خلال الإبادة أنني قادر على الكتابة في وقت الأزمة أكثر من أي وقت مضى".

في المقابل، تؤكد السبع أن الخوف المستمر يسحق القدرة على التركيز والخيال، وتتساءل: "كيف يمكن أن تطلب من إنسان في حالة ذعر مستمر أن يخلق مساحة للتأمل؟".

أما بارود، فوجد في الفن وسيلة للمقاومة النفسية والعنوية: "كنت أحاول تحويل كل ما رأته حواسي إلى إنتاج فني، هذا خلق توازنا نفسيا وقلل التوتر". لكن حتى بعد خروجه من غزة، يعترف بأنه لم يتعاف بعد، وهو الموقف ذاته عند السبع والغزالي.

جدل الخروج

تبلغ التعقيدات ذروتها عند طرح السؤال: البقاء أم المغادرة؟ فالمبدع يحمل مسؤولية مختلفة في الأزمات، وتصبح مغادرته لأرضه مشوبة بالجدل والتعقيدات الأخلاقية.

يقول الغزالي: "كل مغادرة لفلسطين خسارة فادحة، لكن الإنسان يحتاج إلى مكان تقدس فيه إنسانيته". وترفض رهام السبع السؤال، وتصفه بأنه "ظلم جديد": "تحويل البقاء في أرض تتعرض للإبادة إلى مسألة أخلاقية، وجعل المغادرة خيانة، هو شكل من أشكال الظلم".

أما بارود، فيعترف بعقدة "الناجي": "شعرت في البداية بالخيانة تجاه أهلي وأصدقائي، لكنني تخلصت من هذه العقدة حين واصلت دوري من الخارج، خرجت من غزة، لكن غزة لم تخرج مني".

الحاجة الإنسانية الملحة إلى الهروب من جحيم غزة، هي حاجة إنسانية تتعدى أي فئة


حيدر الغزالي

لحظة الخروج كانت الأكثر قسوة، لكنها تجلت بطرق مختلفة لكل منهم، بحسب تجربته الشخصية. يتحدث الغزالي عن المعاناة النفسية المتمثلة في العيش بعيدا عن العائلة، حيث امتزج الحنين بالذنب: "الابتعاد عن والدي وأصدقائي، كأن جزءا مني ترك خلفه جسدا وروحا، وكأن غزة بأكملها تمثل فجوة في داخلي لا تسد".

رهام السبع شعرت بصدمة أكبر حين أدركت طبيعة الحرب، فهي لم تكن نزاعا تقليديا، بل إبادة تهدد كل جوانب الحياة: "في اللحظة التي وجدت نفسي فيها خارج غزة، فهمت أن ما كنا نعيشه لم يكن مجرد حرب، بل محاولة لإبادة وجودنا، كل شيء تركته خلفي بدا أنه اختفى إلى الأبد".

أما ميسرة بارود، فكان فقدانه مختلفا، إذ منعه الاحتلال من حمل أي من أعماله الفنية أو مقتنياته الشخصية. كل اللوحات والمخطوطات والأشياء التي سجلت حواسه وأفكاره عبر سنوات بقيت هناك، ولم يتمكن من أن يحمل معه سوى هاتفه وقطعتين من الملابس، حينما خرج من معبر كرم أبو سالم: "أجبرني الاحتلال على ترك كل شيء خلفي، أعمالي الفنية، المخطوطات، كل ما صنعته، لم أستطع حمل شيء. شعرت بأن جزءا مني بقي هناك، وكأن كياني الفني محجوز بين الركام".

بالنسبة إلى هؤلاء الثلاثة، لم يكن الخروج مجرد انتقال جغرافي أو محاولة إنقاذ شخصية، بل تجربة متشابكة من الفقد والذنب والحنين، حيث يختلط شعور النجاة مع شعور بالخسارة المؤلمة. الغزالي يشعر بالمسافة عن حياته اليومية، السبع تعيش رهبة مستمرة من أن الإبادة لم تنته، وبارود يعاني من فراغ فني وثقافي بما أجبره الاحتلال على التخلي عنه، وكأن جزءا من كيانه لم يغادر غزة أبدا.

OMAR AL-QATTAA / AFP
نازحون فلسطينيون يقفون على طريق غمرته مياه الأمطار في مدينة جباليا شمال قطاع غزة، 25 نوفمبر 2025

خطاب مختلف

اليوم، من الخارج، يواجه الخطاب الثقافي والإبداعي الفلسطيني اختبارا جديدا مختلفا عن كل ما سبق. بالنسبة إلى ميسرة بارود، الخروج يعني ضرورة إعادة التفكير في الشكل واللغة والأسلوب ليتقاطع مع المجتمع الغربي، خاصة من حيث البصرية والتواصل، لكنه يحذر من فقدان الجوهر: "علينا أن نتكيف مع لغة الجمهور الجديد، مع المجتمعات التي تستضيف أصواتنا، لكن من دون أن نفقد صدق تجربتنا أو عمقها، جوهر غزة يجب أن يبقى حيا في كل لوحة وكل نص".

وترى رهام السبع أن المغادرة قد تكون وسيلة لحماية الصوت الفلسطيني من الضياع أو التعتيم داخل الحصار، لكنها تضع المثقف أمام اختبار أخلاقي حقيقي: هل يمكن الحفاظ على أصالة الرواية والصوت الإنساني في مكان بعيد عن الميدان، أم أن الانفصال عن الواقع يجعلهما مهددين بالانحراف عن الحقيقة؟، تقول: "الخروج يتيح لنا فرصة إيصال صوتنا الى العالم، لكنه يضعنا أمام امتحان الأمانة: هل سأبقى صادقة مع تجربتي ومع من تركت خلفي؟".

 Omar AL-QATTAA / AFP
فلسطينيون ينقلون متعلقات أنقذوها أثناء مغادرتهم مخيم جباليا شمال قطاع غزة بعد عودتهم لفترة قصيرة لتفقد منازلهم في 31 مايو 2024 وسط استمرار القتال بين إسرائيل و"حماس"

في حين لا يزال حيدر الغزالي، محاطا بدهشة المكان الجديد، مع شعور مزدوج بالتحرر والخوف، غير قادر حتى الآن على تقييم مدى تأثير المغادرة على صوته الإبداعي: "الفضاء الجديد يمنحني حرية، لكنه يربكني أحيانا، أجد نفسي أتساءل هل الصوت الذي كنت أبدعه في غزة يمكن أن يعيش هنا كما هو؟".

شعرت في البداية بالخيانة تجاه أهلي وأصدقائي، لكنني تخلصت من هذه العقدة حين واصلت دوري من الخارج. خرجت من غزة، لكن غزة لم تخرج مني

ميسرة بارود

يبقى المبدع الفلسطيني، سواء بقي في غزة أو غادرها، خاضعا لصراع الوجود والوفاء والثقافة في آن واحد. النزوح والمغادرة ليسا مجرد ترك للمكان، بل هما اختبار أخلاقي وإنساني يعيد تعريف حدوده. هكذا تتحول الكتابة والثقافة من ترف إلى ضرورة وجودية، ومحاولة لتثبيت الهوية الثقافية وسط خراب مستمر.

font change