جاء خروج كتاب وفنانين فلسطينيين من غزة خلال حرب الإبادة، بمثابة لحظة طرحت فيها الأسئلة الكبرى وكشفت هشاشتها في آن واحد: الانتماء، الأخلاق، النجاة، ودور الثقافة حين يدمر العالم الذي أنتجها. في مكان حيث البقاء احتمال مؤقت، يصبح الخروج فعلا مثقلا بالذنب، محاطا بسوء الفهم، ومفتوحا على تأويلات قاسية: أحيانا ينظر إليه كتخل، وأحيانا كخلاص فردي في لحظة جماعية.
مفارقات مؤلمة
خلال الحرب، لم يكن المشهد الثقافي والإبداعي في غزة يعمل أو يتحرك، فكان مثل كل شيء آخر يتعرض للتدمير والمحو في ظل هدم جميع المؤسسات الثقافية والمكتبات. يصف الفنان التشكيلي ميسرة بارود الوضع بأنه كان "مهشما، ضعيفا، مفككا بفعل قسوة الحرب والنزوح المتكرر والسعي المستمر للنجاة".
يوضح بارود: "انحصر الخطاب الثقافي خلال الحرب في فعاليات محدودة أو مشاركات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولم يعد الحديث عن تراجع ثقافي دقيقا بقدر الحديث عن محو كامل: أماكن دمرت، مثقفون ومبدعون قتلوا، وآخرون نزحوا مرارا، وبات الفعل الثقافي نفسه مهددا بالانقراض".
مع ذلك، وفي مفارقة مؤلمة، شهدت غزة خلال الإبادة انفجارا في الأصوات الإبداعية. كأن الصراخ نفسه أنجب لغة جديدة تصر على الحضور رغم الخراب. يقول الشاعر الشاب حيدر الغزالي: "ربما هذه المرة الأولى التي أشعر فيها أننا نمتلك قدرة إبداعية تتخطى المألوف، وتجرب أدوات جديدة، خصوصا على مستوى الشعر... هذا الانفجار لم يكن جماليا فحسب، بل رافقه وعي إنساني ووطني متسق مع السردية الحقيقية للناس والشارع".
لكنه يشدد على حدود اللغة نفسها: "بعد الحرب؟ بعد الإبادة؟ قد لا تبدو هذه المعادلة مناسبة، بينما لا تزال الإبادة مستمرة بأدوات مختلفة".
إنقاذ ما تبقى
الروائية رهام السبع تشكك في إمكان الحديث عن "وضع ثقافي" خلال الحرب، وتقول: "لا أعتقد أن هناك ما يمكن تسميته بالوضع الثقافي، بل محاولات لإنقاذ ما تبقى منه، فما كتب لم يكن إنتاجا أدبيا بالمعنى التقليدي، بل محاولة أخيرة للنجاة، ولتخليد ما يحدث والتفاعل معه كبشر مسلوبي الحق في الحياة".


