الدور المحسوب لباكستان... رهان تحويل الهدنة إلى سلام دائم

مخاوف مجلس التعاون الخليجي مفتاح الحل الدائم

رويترز
رويترز
فرقة موسيقية تعزف بينما يحتفل عمال نقابة سائقي عربات الريكشو العامة حاملين صور رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير والسياسي بلاول بوتو زرداري، وذلك بعد إعلان دونالد ترامب موافقته على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، لاهور في 8 أبريل

الدور المحسوب لباكستان... رهان تحويل الهدنة إلى سلام دائم

في تحول دراماتيكي تردد صداه في عواصم العالم وأسواق الطاقة، فتح وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين نافذة دبلوماسية ضيقة، سارعت باكستان إلى اغتنامها. فما بدأ توقفا مؤقتا للأعمال العدائية في اللحظات الأخيرة تحول الآن إلى لحظة جيوسياسية أوسع، تضع فيها إسلام آباد نفسها في قلب مسعى عالي المخاطر لإعادة رسم مسار حرب كادت تغرق الشرق الأوسط في أتونها.

ويكمن جوهر هذا المسعى الدبلوماسي في تلاق غير متوقع بين أطراف ومصالح متباينة. ووفقا لمسؤولين مطلعين على مجريات الأحداث، لعب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش المشير عاصم منير دورا حاسما في إقناع كل من واشنطن وطهران بالتراجع عن حافة الهاوية. ومن خلال تدخل نُسق مع قوى إقليمية، من بينها السعودية وتركيا ومصر، وبدعم خفي من الصين، تحولت باكستان من مجرد مراقب هامشي إلى وسيط دبلوماسي رئيس.

ولم يكن وقف إطلاق النار في حد ذاته مضمونا على الإطلاق. فمع اشتداد التصعيد العسكري، برز خطر اندلاع حرب إقليمية أوسع، وتحول مضيق هرمز إلى أخطر بؤر التوتر. وكان تعطيل هذا الممر البحري الضيق، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات الطاقة العالمية، قد دفع أسعار النفط إلى ارتفاعات حادة، وأثار مجددا المخاوف من صدمة اقتصادية عالمية. وفي ظل هذه الظروف، شكل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقف الضربات المخطط لها على البنية التحتية الإيرانية، قبل 90 دقيقة فقط من الموعد النهائي الذي حدده بنفسه، لحظة مفصلية حالت دون تصعيد فوري.

وبعد أقل من 24 ساعة على إعلان وقف إطلاق النار، قال رئيس الوزراء شهباز شريف يوم الأربعاء إن وفودا من الولايات المتحدة وإيران ستزور باكستان يوم الجمعة (أرجئ الموعد إلى السبت) لإجراء محادثات تستهدف التوصل إلى تسوية سلمية للحرب في الشرق الأوسط. وكان الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان قد أكد، خلال محادثة مع شهباز في وقت سابق من اليوم نفسه، مشاركة طهران في محادثات السلام التي اقترحتها باكستان، بحسب مكتب رئيس الوزراء. وقال شهباز، في كلمة ألقاها أمام مجلس الوزراء الاتحادي، إن الحرب أُرجئت في الوقت الراهن. وأضاف: "وقف إطلاق النار هو الخطوة الأولى، لكن وجهتنا هي السلام الدائم... بعد غد، الجمعة، وبدعوة مني، سيصل وفد أميركي إلى باكستان. وبالمثل، سيصل وفد إيراني أيضا إلى باكستان".

يعكس الدور الذي تضطلع به باكستان موقعا استراتيجيا محسوبا. حيث تحافظ إسلام آباد على علاقات مهنية مع كل من طهران وواشنطن، وتتمتع في الوقت نفسه بعلاقات وثيقة مع عواصم الخليج

لكن وقف إطلاق النار ليس سوى البداية. أما التطور الأهم، فيكمن في ما أعقبه من مبادرة دبلوماسية منسقة، تتخذ من إسلام آباد مركزا لها، وتهدف إلى تحويل الهدنة المؤقتة إلى تسوية سياسية مستدامة. وسرعان ما اكتسب هذا الجهد زخما كبيرا، وجذب انتباه عواصم العالم التي كانت تستعد، قبل أيام قليلة فقط، لصراع طويل ومدمر.

واتضحت ملامح هذه الجهود عندما استضافت باكستان، في 29 و30 مارس/آذار، وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر لإجراء مناقشات معمقة حول مجموعة من القضايا، مع تركيز أساسي على خفض التوترات الناجمة عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية المتواصلة على إيران. وعكست هذه المحادثات، التي ترأسها نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار، تزايد الحاجة الملحة بين القوى الإقليمية إلى منع مزيد من التصعيد واحتواء تداعيات الصراع.

ووصف مسؤولون مطلعون على المناقشات نهجا يقوم على مسارين. يهدف المسار الأول إلى تسهيل المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بينما يركز المسار الثاني على معالجة التداعيات الاقتصادية والأمنية للصراع، وفي مقدمتها تعطيل طرق التجارة البحرية وتدفقات الطاقة. وتمحورت هذه المداولات حول سبل استعادة المرور الآمن عبر مضيق هرمز، شريان التجارة العالمية.

وتشمل المقترحات قيد الدراسة، وفقا للتقارير، إرساء آلية متعددة الجنسيات للإشراف على أمن الملاحة البحرية، إلى جانب ترتيبات مالية صيغت على غرار أنظمة العبور المعمول بها، مثل تلك التي تنظم حركة الملاحة في قناة السويس. وما تزال هذه الأفكار في مرحلة الاستكشاف، إلا أن طرحها يسلط الضوء على مدى تأثير الضرورات الاقتصادية في دفع التحركات الدبلوماسية العاجلة وصوغ ملامح الاتفاقات المحتملة.

رويترز
رجل يقود دراجة نارية أمام مقر إقامة الرئيس الباكستاني بينما تستعد باكستان لاستضافة الولايات المتحدة وإيران لإجراء محادثات سلام، في إسلام آباد، باكستان، 9 أبريل 2026

ويعكس الدور الذي تضطلع به باكستان موقعا استراتيجيا محسوبا. فعلى خلاف كثير من الأطراف الإقليمية، تحافظ إسلام آباد على علاقات مهنية مع كل من طهران وواشنطن، وتتمتع في الوقت نفسه بعلاقات وثيقة مع عواصم الخليج. ومكنتها هذه الشبكة من العلاقات من أداء دور قناة للتواصل في وقت تبدو فيه القنوات الدبلوماسية المباشرة محدودة أو مقيدة سياسيا.

وتعزز هذا الموقع خلال لقاء دبلوماسي رفيع المستوى في بكين في 31 مارس/آذار 2026، عندما التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع إسحاق دار لتقييم تطورات الأزمة. وشدد الاجتماع على توافق بكين وإسلام آباد بشأن الحاجة إلى خفض التصعيد على وجه السرعة. كما وضع إطارا هيكليا من خمس نقاط لإدارة الصراع.

يحذر محللون من أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران قد يبوء بالفشل إذا لم يأخذ في الحسبان مخاوف دول مجلس التعاون الخليجي

ودعا الإطار المشترك إلى وقف فوري للأعمال العدائية، وشدد على ضرورة منع اتساع رقعة الصراع. وأكد البلدان أهمية السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المناطق المتضررة من دون عوائق. كما حث الجانبان على الإسراع في إطلاق محادثات السلام، مؤكدين أهمية حماية سيادة إيران ودول الخليج وسلامة أراضيها واستقلالها الوطني.

ودعا الجانبان أيضا إلى الالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني، وحثا جميع الأطراف على وقف الهجمات على المدنيين والبنى التحتية غير العسكرية، بما في ذلك مرافق الطاقة والمنشآت النووية. وبرز أمن الممرات البحرية بوصفه أولوية واضحة، إذ أكدت كل من الصين وباكستان ضرورة ضمان الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز واستئناف حركة الشحن بصورة طبيعية.

وأخيرا، جدد الإطار التأكيد على أولوية ميثاق الأمم المتحدة، ودعا إلى تعزيز التعاون متعدد الأطراف من أجل تحقيق سلام شامل ودائم. وتضفي مشاركة المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر مزيدا من الأهمية على مبادرة إسلام آباد، إذ تقدم كل دولة أولويات متميزة تتشكل وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.

وعلى الرغم من هذه الاختلافات، برز إدراك مشترك بأن كلفة التصعيد المستمر لم تعد محتملة. فقد بدأ الصراع بالفعل يعيد تشكيل الديناميكيات الإقليمية، ويستقطب أطرافا غير حكومية، ويرفع خطر اندلاع مواجهة أوسع ومتعددة الجبهات من شأنها زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله.

وفي مقابلة مع مجلة "المجلة"، قال افتخار حسين كاظمي، سفير باكستان السابق لدى البحرين: "تشكل استضافة باكستان للمحادثات بين إيران والولايات المتحدة يوم الجمعة في إسلام آباد شرفا ومسؤولية كبيرة. وهذا يعكس حجم الثقة التي أولاها البلدان المتحاربان لباكستان. وكانت إسلام آباد تخشى امتداد هذه الحرب الكارثية إليها. ولها مصلحة في أن يسود السلام والاستقرار في هذه المنطقة المضطربة، شأنها شأن بقية الدول المنخرطة في النزاع الدائر. ويعود قدر كبير من الفضل أيضا إلى الصين، إذ أدى قادتها دورا حاسما خلف الكواليس في جمع الأطراف المعنية إلى طاولة المفاوضات. ونأمل أن يسود المنطق، وأن تنجو المنطقة من مزيد من العنف والموت والدمار. وندرك أيضا أن مكانة باكستان الدبلوماسية مرشحة للارتفاع مع نجاح جهود الوساطة هذه".

ومع ذلك، حتى مع تصاعد الزخم الدبلوماسي، يحذر محللون من أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران قد يبوء بالفشل إذا لم يأخذ في الحسبان مخاوف دول مجلس التعاون الخليجي. وتكشف محادثات غير رسمية مع أشخاص مطلعين على المفاوضات عن قلق عميق في دول الخليج، التي ترى أن مناقشات وقف إطلاق النار الجارية تتجاهل قضايا رئيسة تتعلق بالأمن الإقليمي.

بالنسبة إلى باكستان، يتيح لها الانفتاح الدبلوماسي الحالي فرصة لترسيخ مكانتها بوصفها وسيطا موثوقا في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابا. وفي المقابل، قد يكشف الفشل حدود تأثيرها وهشاشة وقف إطلاق النار

وتتصدر قائمة المطالب ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، إذ تصر دول الخليج على أن يكون استمرار حركة الملاحة البحرية من دون انقطاع ركنا أساسيا في أي اتفاق، نظرا إلى الدور الحيوي الذي يؤديه المضيق في أمن الطاقة العالمي. وتؤكد هذه الدول أن أي وقف لإطلاق النار، في غياب مثل هذه الضمانات، سيفتقر إلى المصداقية، ولن ينجح في تحقيق استقرار الأسواق.

ويتمثل مطلب لا يقل أهمية في وقف الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة التي تستهدف دول الخليج، بما فيها البحرين والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت. ويؤكد مسؤولون إقليميون أن السلام لا يمكن أن يكون مستداما إذا استمرت مثل هذه الهجمات من دون رادع، لأنها تقوض الثقة وتهدد البنى التحتية الحيوية.

رويترز
دخان يتصاعد من منطقة قرب مطار دبي الدولي، يُرى من خلال الزجاج الأمامي لسيارة، بعد أن أصاب هجوم بطائرة مسيرة خزان وقود، وفقًا لسلطات دبي، وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي الإيراني، في دبي، 16 مارس 2026

وفي تصريح لـ"المجلة"، قال المحلل والمحاضر في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية بجامعة بحرية إسلام آباد، مستنصر كلاسرا: "يجب أن يعالج أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران المخاوف الأمنية ومطالب دول مجلس التعاون الخليجي بجدية وبنَفَس بنّاء. وإذا أرادت باكستان أن تساعد في التوسط في هذا الصراع، فعليها أن تضمن إدراج أولويات دول مجلس التعاون الخليجي إدراجا كاملا، بدءا من حرية الملاحة في مضيق هرمز وصولا إلى ضمانات تحول دون وقوع مزيد من الهجمات على البنية التحتية في الخليج. ومن دون التعامل بجدية مع هذه المخاوف، سيفتقر أي اتفاق إلى المصداقية، ولن يحقق سلاما دائما".

وتبرز مخاوف رئيسة أخرى في دعم إيران للميليشيات الإقليمية العاملة في اليمن والعراق ولبنان. وتنظر دول الخليج إلى هذا الدعم بوصفه محركا رئيسا لعدم الاستقرار، وترى أن مفاوضات وقف إطلاق النار يجب أن تتضمن آليات لمعالجة هذا الدعم ووضع حد له في نهاية المطاف، إذا كان ثمة أمل في تحقيق سلام دائم.

أما بالنسبة إلى باكستان، فالرهان كبير والمخاطر جسيمة. إذ يتيح لها الانفتاح الدبلوماسي الحالي فرصة لترسيخ مكانتها بوصفها وسيطا موثوقا في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابا. وفي المقابل، قد يكشف الفشل حدود تأثيرها وهشاشة وقف إطلاق النار.

وفي الوقت الراهن، صمتت المدافع وتحولت الأنظار من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات. ورغم أنه من غير المؤكد إمكان تحويل هذه الهدنة إلى سلام دائم، فإن باكستان وضعت نفسها بلا شك في قلب واحد من أهم المساعي الدبلوماسية في هذه المرحلة التاريخية.

font change

مقالات ذات صلة