مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: العقل والحرية

الكاتب: عبد الكريم سروش

المترجم: أحمد القبانجي

الناشر: دار الجمل للنشر والتوزيع – العراق - لبنان

ينطلق كتاب "العقل والحرية" للكاتب عبد الكريم سروش، من فرضية مركزية مفادها أن تصور الإنسان للعقل يحدد بصورة مباشرة تصوره للحرية. فالعقل، بحسب الرؤية التي يناقشها المؤلف، ليس كيانا مستقلا تماما، بل قد يكون عرضة للتأثر بالأيديولوجيا أو في حصانة منها، وهو ما يؤثر على طبيعة الفهم الإنساني للحرية وحدودها. وانطلاقا من هذه الفرضية، يناقش سروش فلسفيا ما إذا كان العقل قادرا على إنتاج معرفة مستقلة، أم أنه دائم التشكل داخل سياقات فكرية وثقافية مسبقة تحد من قدرته أو تؤثر فيه على نحو ما.

يتناول الكتاب الذي ترجمه أحمد القبانجي قضايا تتصل بالعقلانية والحرية والدين والنبوة، في محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين هذه المفاهيم ضمن سياق إسلامي حديث. لا يقدم المؤلف إجابات نهائية بقدر ما يطرح إشكالات نقدية تدفع القارئ إلى إعادة النظر في المسلمات التقليدية التي حكمت هذا الحقل المعرفي لمدة طويلة جدا.

ثمة اهتمام واضح بتعريف دور الدين في المجال العام، وكيف يمكن التوفيق بين الإيمان الديني ومبادئ الحرية الفردية، دون الوقوع في تناقض بين المرجعية الدينية ومتطلبات العقل النقدي. يتأسس الكتاب ضمن تصور أكثر مرونة للفكر الديني، يسمح بالتفاعل مع التحولات الفكرية الحديثة دون فقدان طابعه الروحي.

تجديد الفكر الديني لا يمكن أن يتم دون إعادة النظر في أدوات الفهم نفسها

يمكن قراءة "العقل والحرية" ضمن مشروع يحاول تقديم قراءة تجديدية للدين، تقوم على التمييز بين جوهر التجربة الدينية والتفسيرات التاريخية المتغيرة المصاحبة لها، وبين الثابت والمتغير في فهم النصوص والمفاهيم. هذا الطرح يضع الكتاب في قلب النقاشات الفكرية المعاصرة حول الإصلاح الديني وإمكانات التجديد داخل الفكر الإسلامي.

العقل والحرية

يحاول المؤلف أن يربط بين النظرية والواقع الفكري للمجتمعات الإسلامية، حيث تتداخل أسئلة الحرية مع قضايا السلطة والمعرفة والتأويل، ويناقش موقع الإنسان بين العقل والاعتقاد، وحدود الحرية في فضاء تتنازع فيه المرجعيات الدينية والفكرية.

يكتسي الكتاب أهميته أيضا من كونه يأتي ضمن سياق فكري إشكالي تتصاعد فيه الأسئلة حول إمكانية التوفيق بين الحداثة والتقاليد الدينية، ويطرح فيه الكاتب رؤية نقدية تعتبر أن تجديد الفكر الديني لا يمكن أن يتم دون إعادة النظر في أدوات الفهم نفسها، وفي مقدمتها مفهوم العقل كما تشكل تاريخيا. من هنا، فإن النقاش حول الحرية ليس نقاشا سياسيا أو حقوقيا، إنما هو نقاش معرفي وفلسفي يرتبط بإنتاج المعنى وحركة التأويل.

الكتاب: أريكاز

الكاتب: شاكر خزعل

الناشر: دار نوفل - هاشيت أنطوان - لبنان

تقدم رواية "أريكاز" للكاتب الفلسطيني الكندي شاكر خزعل، تصورا تخييليا لعالم مستقبلي تتداخل فيه التكنولوجيا بالذاكرة الإنسانية، وفي سياق علمي – نفسي شديد التعقيد نجد مفاهيم مثل الحب والحقيقة، وبصفة خاصة الهوية، تُصاغ وتُعرّف من جديد.

تجري أحداث الرواية في أواخر أربعينات القرن الحادي والعشرين، إثر تحولات كبرى أحدثها وباء سيبراني دمر جزءا واسعا من البنية الرقمية للعالم، وأعاد تشكيل موازين القوى فيه. في هذا السياق، يجد شاب لبناني بسيط يُدعى شريف نفسه منخرطا في تجربة علمية تقودها شركة متقدمة تحمل اسم "أريكاز"، تهدف إلى استرجاع الذاكرة البشرية وإعادة بنائها كلها من جديد.

تحت إشراف عالمة الأعصاب الدكتورة جيني أتكينسون، يخوض شريف رحلة داخل ذاكرته تمتد إلى بدايات حياته الأولى، غير أن ما ينكشف له يتجاوز حدود التجربة الفردية، ليكشف عن شبكة من العلاقات الإنسانية والسياسية المعقدة، وعلى رأسها قصة حب تجمع بين والدته نور، اللبنانية المتهمة بالتجسس، ووالده ناداف، الأستاذ الإسرائيلي، في ظل صراعات هوياتية وسياسية بالغة التعقيد.

مزج البعد التكنولوجي بالسؤال الوجودي وفتح أفق تأملي حول مستقبل الإنسان

تستفيد الرواية من عناصر الخيال العلمي لتبحث في أسئلة معاصرة حول إمكانية التحكم بالوعي البشري، وحدود التدخل التكنولوجي في تشكيل الإنسان. وهنا، تبين "أريكاز" هشاشة الحقيقة في عالم يمكن فيه تعديل الذكريات أو محوها أو إعادة تركيبها، بما يجعل الهوية الإنسانية نفسها عرضة للتبدل المستمر، وفي أطوار تشكل لا تتوقف.

أريكاز

تندرج الرواية ضمن نوع الخيال العلمي، لكن في الحقيقة فإن ثمة تقاطعا بين الخيال العلمي والسرد السياسي - النفسي، حيث تتداخل موضوعات الحب والذاكرة والصراع في بناء سردي يدور حول العلاقة بين الفرد والتكنولوجيا، وبين الماضي وهو يُنتج رقميا من جديد. كما تقدم تصورا مستقبليا يتجاوز البعد التقني نحو طرح إنساني أعمق يتعلق بالمعنى والاختيار والحرية وحدود ذلك كله في عالم يُصاغ تكنولوجيا بلا انقطاع.

انطلاقا من هذا، فإنه يمكن اعتبار الرواية إضافة جديدة إلى مشهد الخيال العلمي العربي، من خلال مزج البعد التكنولوجي بالسؤال الوجودي وفتح أفق تأملي حول مستقبل الإنسان في عالم تتسارع فيه قدرات السيطرة على الذاكرة وتشكيل الواقع بصورة مستمرة.

الكتاب: نافذة على تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت لأبي حامد الغزالي وأبي الوليد بن رشد

إعداد: د. سعد الدين كليب

الناشر: دار المحيط للنشر – الإمارات العربية المتحدة

في هذا الكتاب "نافذة على تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت" للدكتور سعد الدين كليب قراءة معاصرة لإحدى أكثر المناظرات الفلسفية حضورا في التراث الفكري الإسلامي، تلك التي دارت بين أبي حامد الغزالي في "تهافت الفلاسفة" وابن رشد في "تهافت التهافت". يندرج هذا الكتاب ضمن سياق إعادة طرح الأسئلة الكبرى التي حكمت علاقة الفلسفة بالدين، والعقل بالنقل، وإمكانات المعرفة الإنسانية.

ينطلق الكتاب من محاولة تفكيك هذا الجدل الكلاسيكي باعتباره إشكالية فكرية ما تزال تأثيراتها مستمرة إلى يومنا هذا، سواء في طريقة تلقي الفلسفة في الثقافة العربية، أو في النقاشات المستمرة حول العقلانية ومشروعية التفكير الفلسفي. ومن هنا، يتخذ المؤلف من التهافتين مدخلا لقراءة أوسع تتجاوز النصوص الأصلية نحو البنية الفكرية التي حكمت هذا الصراع بين تيارين معرفيين كبيرين.

مساهمة في إحياء النقاش الفلسفي حول الكتابين التراثيين الكبيرين باعتبارهما يشكلان لحظة تأسيسية في تاريخ التفكير النقدي داخل الثقافة الإسلامية

لا يكتفي المؤلف بعرض المواقف أو تلخيصها، إنما يضعها في سياقها الجدلي، من خلال إبراز طبيعة الاعتراضات التي قدمها الغزالي على الفلاسفة، وردود ابن رشد التي حاولت الدفاع عن الفلسفة وإعادة الاعتبار للعقل البرهاني داخل النسق الإسلامي. وبهذا، فإن النص يُنشئ حوارا بين رؤيتين متقابلتين حول الحقيقة وطرق الوصول إليها، كلا من تصوراته واعتقاداته.

نافذة على تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت

ينطوي الكتاب على اهتمام أوسع بإعادة قراءة التراث الفلسفي العربي الإسلامي بعيدا عن القراءات التبسيطية أو الأيديولوجية، عبر التعامل مع هذا التراث بوصفه مطرحا حيا للنقاش، وليس بوصفه أرشيفا تاريخيا ملقى على الرفوف.  ومن هنا، يكتسي الكتاب بعدا معرفيا يحاول الربط بين الأسئلة التراثية وإشكالات الفكر المعاصر، خاصة منها ما يتعلق بمكانة العقل في إنتاج المعرفة وحدود التأويل الديني والفلسفي.

تتجلى أهمية هذا النوع من المؤلفات في قدرتها على طرح الأسئلة المؤسسة للفكر العربي الإسلامي، في لحظة معاصرة ما تزال تشهد جدلا محتدما حول العلاقة بين الحداثة والتراث، وبين التفكير النقدي واليقينيات الفكرية. لذلك فإن تلك النافذة التي فتحها الكاتب تطل على كيفية قراءة هذا الجدل اليوم، وما يمكن أن يقدمه من أدوات لفهم أعمق لمسارات الفكر العربي.

لهذا، يشكل الكتاب مساهمة في إحياء النقاش الفلسفي حول الكتابين التراثيين الكبيرين باعتبارهما يشكلان لحظة تأسيسية في تاريخ التفكير النقدي داخل الثقافة الإسلامية، وما تزال أسئلتهما قابلة للاستعادة وإعادة التأويل في واقعنا الراهن.

الكتاب: الهوية والذات - مقاربات نظرية

الكاتب: جاد الكريم الجباعي

الناشر: دار ميسلون للثقافة والترجمة والنشر – تركيا

يواصل المفكر السوري جاد الكريم الجباعي في كتابه الجديد "الهوية والذات - مقاربات نظرية" انشغاله بأسئلة المجتمع والدولة والحداثة، لكن من زاوية أكثر التصاقا بالإنسان الفرد وعلاقته بذاته وبالآخرين. فالكتاب لا يتعامل مع الهوية بوصفها معطى ثابتا أو مغلقا، بل باعتبارها سيرورة اجتماعية وثقافية وتاريخية تتشكل باستمرار داخل المجتمع وداخل صراعاته وتحولاته.

ينطلق الجباعي من مناقشة العلاقة الملتبسة بين "الذات" الفردية و"الهوية" الجماعية، في زمن تتصاعد فيه الانقسامات والهويات الفرعية في العالم العربي. ومن خلال مقاربات فلسفية واجتماعية متعددة، يطرح قضايا من قبيل تشكل الذات الإنسانية، والحدود الفاصلة بين الانتماء الحر والانغلاق الهوياتي، وإمكانية بناء مجتمع حديث يقوم على المواطنة لا على العصبيات المغلقة.

يندرج الكتاب، كما هو واضح، ضمن المشروع الفكري الأوسع للمؤلف، القائم على نقد البنى التقليدية والدفاع عن قيم الحرية والعقلانية والديمقراطية. لذلك لا يركن إلى مناقشة المفاهيم في بعدها النظري، إنما يذهب إلى ربطها بالواقع الاجتماعي والسياسي العربي، حيث تتحول الهوية أحيانا إلى أداة صراع وإقصاء بدلا من أن تكون مجالا مفتوحا للتنوع والتفاعل.

من الأفكار اللافتة التي يطرحها الكتاب هي الربط بين الحقيقة والبعد الإنساني للوجود، إذ يرى أن الحب يمثل الوجه الذاتي للحقيقة، بينما يمثل العمل الاجتماعي والإنتاج وجهها الموضوعي، في محاولة لإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا حرا، وليس تابعا لهويات مغلقة أو سرديات جاهزة. من حيث إن "الحقيقة لا تكون ولا تكتمل إلا بوجهيها هذين: الموضوعي والذاتي" كما يقول.

يدعو الكاتب إلى إعادة النظر في المسلمات التي تحكم فهمنا للانتماء والذات والمجتمع

ثمة مادة فكرية كثيفة تجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع والنقد الثقافي ينطوي عليها الكتاب، ما يجعله إضافة جديدة إلى المكتبة الفكرية العربية، وإلى مشروع الجباعي المعروف باهتمامه بأسئلة التحديث والدولة والمجتمع المدني.

الهوية والذات

ففي وقت تتجدد فيه النقاشات حول الهوية والانتماء في المنطقة العربية، يأتي هذا الكتاب بوصفه محاولة للتفكير الهادئ والعميق في معنى الذات، وفي إمكان بناء هوية منفتحة تستند إلى الحرية والمشاركة الإنسانية.

كما يكتسي الكتاب أهميته أيضا من راهنيته، إذ يأتي في سياق عربي يتفاقم فيه الانقسام الاجتماعي والهويات المغلقة، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي. وانطلاقا من هذا يدعو الكاتب إلى إعادة النظر في المسلمات التي تحكم فهمنا للانتماء والذات والمجتمع. لذلك يمكن قراءة الكتاب كمحاولة لإعادة تأسيس مفهوم الهوية على أسس عقلانية وإنسانية تتجاوز الانغلاق الأيديولوجي نحو رؤية منفتحة للإنسان وعلاقاته داخل المجتمع الحديث.

الكتاب: إيتيقا الصحة وفلسفة المرض - مقاربات تأويلية

الكاتب: الناصر عمارة

الناشر: المؤسسة الجامعية لدراسات والنشر - لبنان

يقدم كتاب "إيتيقا الصحة وفلسفة المرض - مقاربات تأويلية" للباحث الجزائري الناصر عمارة محاولة فلسفية لإعادة التفكير في المرض والصحة بعيدا عن النظرة الطبية التقليدية، وذلك عبر مقاربة تنظر إلى المرض بوصفه تجربة وجودية وأخلاقية تكشف علاقة الإنسان بذاته وبالعالم وبمعنى الحياة نفسها. ومنذ الصفحات الأولى، يبدو واضحا أن الكتاب لا يتعامل مع المرض باعتباره خللا بيولوجيا فحسب، إنما هو حدث يضع الإنسان أمام هشاشته وأسئلته الكبرى المتعلقة بالألم والزمن والموت والمعنى.

ينطلق المؤلف من ثنائية المرض والصحة بوصفها مدخلا لتحليل فلسفي تأويلي في محاولة لفهم التجربة الإنسانية وجوديا، حيث يتحول المرض إلى لحظة تدفع الإنسان إلى إعادة النظر في علاقته بجسده وزمنه ومصيره. ومن هنا فإن الكتاب يثير أسئلة تتعلق بكيفية إدراك الإنسان لمعنى العافية، وحدود السيطرة التي يتوهمها على جسده، وما إذا كانت الصحة تمثل حالة اكتمال فعلية أم مجرد توازن هش قابل للانهيار في كل لحظة.

يكشف الكتاب عن اهتمام بما يُعرف بفلسفة الطب وأخلاقيات الرعاية، من خلال مناقشة البعد الإنساني للمعالجة الطبية، ونقد النظرة التقليدية التي تختزل الإنسان في كونه مجرد حالة سريرية أو موضوعا للتدخل الطبي. لذلك فإن الحديث عن المرض هنا مرتبط بالتفكير في الكرامة الإنسانية، وفي معنى الألم والمعاناة، وفي قدرة التجربة المرضية على التأثير في وعي الإنسان بذاته.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الإنسان بوصفه ذاتا تعاني وتفكر وتخاف وتأمل، وليس باعتباره مجرد موضوع للمعالجة أو الإحصاء الطبي

يربط المؤلف المرض بمفهوم الزمن، إذ يشير إلى أن التجربة المرضية تغير إدراك الإنسان للوقت وللحياة اليومية، وتجعله أكثر وعيا بحدود الجسد ورخاوة الوجود، ومن هذا المنطلق، يتحول المرض من كونه عارضا صحيا إلى تجربة تأملية تضع الإنسان أمام أسئلة كبرى مرتبطة بالمعنى والفناء والقدرة على التحمل.

إيتيقا الصحة وفلسفة المرض

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الإنسان بوصفه ذاتا تعاني وتفكر وتخاف وتأمل، وليس باعتباره مجرد موضوع للمعالجة أو الإحصاء الطبي. ومن هنا، يكتسب العمل بعدا نقديا يتجاوز المجال الصحي الضيق نحو مناقشة التصورات الحديثة عن الجسد والحياة والعافية.

يمكن اعتبار "إيتيقا الصحة وفلسفة المرض" مقاربة تجمع بين التأمل الفلسفي والتحليل الوجودي، وتعيد طرح المرض باعتباره تجربة إنسانية تكشف المعنى العميق لهشاشة الكائن البشري.

font change