مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: ثمرة النار

الكاتبة: حنين الصايغ

الناشر: دار الآداب - لبنان

في روايتها "ثمرة النار"، تدخل الكاتبة اللبنانية حنين الصايغ إلى مساحة تزداد قتامة وعمقا باضطراد، حيث تتداخل الأسئلة الوجودية مع القمع الاجتماعي، ويتحول الجسد الأنثوي إلى مطرح للصراع بين الرغبة والخوف والطاعة والتمرد. تقدم الرواية حكاية عن نساء يعشن في قرية درزية معزولة، وخلال ذلك تحفر في البنية النفسية والروحية لمجتمع تحكمه السلطة الأبوية والدينية في آن معا.

تدور الرواية حول شخصية نبيلة، المرأة التي لم تغادر قريتها يوما، لكنها استطاعت أن تخلق عالما داخليا خاصا بها، حيث تلجأ إلى تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، كالخبز والطهي والعمل المنزلي، باعتبارها أدوات مقاومة خفية. ومن خلال هذه الشخصية، ترسم الصايغ صورة لنساء يعشن داخل حدود صارمة، لكنهن يبتكرن أشكالا دقيقة من النجاة والصبر والتأثير دون ضجيج، تكشف الرواية كيف يمكن للهامشي واليومي والصغير أن يتحول إلى فعل يتحدى الواقع المغلق والقاسي.

تبني "ثمرة النار" عالما ريفيا مغلقا دون أن تجعله مغرقا في محليته ومحدودا، لأن أفقه يتجاوز المكان اللبناني إلى قضايا إنسانية أوسع

الرواية تتحرك عبر أكثر من جيل نسائي، وتكشف كيف تتوارث النساء الخوف نفسه، وكيف تنتقل القيود من الأمهات إلى البنات كأنها جزء من قدر جماعي. ومع ذلك، لا تقع الصايغ في التبسيط أو الإدانة المباشرة، فهي لا تكتب ضد المجتمع "الدرزي" بقدر ما تحاول البحث في تناقضاته الداخلية، وفي هشاشة الأفراد العالقين بين الإيمان والرغبة في الحرية. وهذا ما يجعل الرواية أقرب إلى مساءلة إنسانية عميقة، ويبعدها عن كونها خطابا اجتماعيا مباشرا.

ثمرة النار

تبني "ثمرة النار" عالما ريفيا مغلقا دون أن تجعله مغرقا في محليته ومحدودا، لأن أفقه يتجاوز المكان اللبناني إلى قضايا إنسانية أوسع، مثل سلطة الجماعة، والخوف من الاختلاف، والعلاقة المعقدة بين المرأة والجسد، والبحث عن الذات داخل منظومة تقاوم أي تغيير. ومن هنا يمكن القول إن الرواية تستخدم الحكاية الشخصية لتدخل إلى بنية كاملة من الصمت والقمع والانتظار.

تبدو لغة الرواية جزءا من التجربة النفسية للشخصيات، من حيث أنها كثيفة، ومحملة بإحساس دائم بالاختناق والاحتراق، تتشابك فيها الشعرية بالقسوة بالطموح نحو خلق عالم جديد أكثر عدلا.

الكتاب: أسرار الكتابة كما يرويها كتاب العالم

إعداد وتقديم: د. سارة حامد حواس

تحرير وتقديم: أحمد الشهاوي

الناشر: الدار المصرية اللبنانية - مصر

في كتابها "أسرار الكتابة كما يرويها كتاب العالم"، تدخل الشاعرة والمترجمة المصرية د. سارة حامد حواس إلى قلب العالم الخفي للكتابة باعتبارها تجربة إنسانية ذات طبقات متعددة، من الشغف والتمرين والقلق والمثابرة. 

 يحتوي الكتاب على شهادات وتأملات واعترافات سبعة عشر كاتبا وكاتبة من أبرز كتاب العالم، ليصل من خلالها إلى صياغة خلاصة حية لطقوس الكتابة وأسئلتها وأسرارها وكواليسها.

تعتمد حواس في هذا العمل على انتقاء نصوص ومقاطع من حوارات ومقالات وشهادات أدبية لكبار الروائيين والشعراء الحاصلين على جوائز عالمية مثل "نوبل" و"البوكر"، ثم تعيد تركيبها وصياغتها ضمن سياق يجعل الكتاب أقرب إلى "ورشة كتابة مفتوحة" تتجاور فيها التجارب والأساليب ووجهات النظر المختلفة. ومن بين الأسماء التي يتناولها الكتاب: أورهان باموق، وغابرييل غارثيا ماركيز، وتوني موريسون، وماريو فارغاس يوسا، وآني إرنو، وعبد الرزاق قرنح، إلى جانب أسماء أخرى تركت أثرا كبيرا في الأدب العالمي المعاصر.

محاولة لفهم كيف تكون الكتابة أسلوب حياة وطريقة لفهم الذات والعالم والحياة

تقول المؤلفة في مقدمة الكتاب إنها "مهجوسة بالكتابة كفعل حب ونجاة"، وإن اهتمامها لا ينصب فقط على الأفكار والموضوعات، بل أيضا على مراقبة تدفق اللغة، وكيف يصنع الكاتب أسلوبه الخاص و"بصمة روحه" داخل النص. ومن هنا، فإن الكتاب يشرح علاقة الكاتب بالعزلة والخوف والتردد، وفي الطرق التي تتحول بها الفوضى الداخلية إلى نص أدبي قادر على التأثير.

أسرار الكتابة

كما يطرح الكتاب أسئلة أبعد من الجانب المهني للكتابة، حيث يدخل إلى بعدها الوجودي، الذي يتجلى في تساؤلات الكتاب الأكثر رواجا: لماذا نكتب؟ وكيف ينجو الكاتب من "حبسة الكتابة"؟ أي، لماذا يجلس ساعات أمام الورقة أو الشاشة دون أن يستطيع البدء، أو يكتب ثم يمحو باستمرار، أو يشعر بأن اللغة خانته فجأة؟ ولهذا يبدو العمل موجها إلى كل قارئ مهتم بفهم "مطبخ الكتابة" وما يدور خلف النصوص الكبرى.

يقدم الكتاب للقارئ العربي مادة غنية عن تجارب أدبية عالمية متباينة، بلغة تجمع بين الأكاديمية والأدبية. إنه محاولة لفهم كيف تكون الكتابة أسلوب حياة وطريقة لفهم الذات والعالم والحياة.

الكتاب: هل أخرجتنا الماديات الجديدة من "ما بعد البنيوية"؟ فيزياء الكم وتشابك المنعطفات في ما بعد الألفية

الكاتبة: أماني أبو رحمة

الناشر: مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر – مصر

في كتابها "هل أخرجتنا الماديات الجديدة من ما بعد البنيوية؟ فيزياء الكم وتشابك المنعطفات في ما بعد الألفية"، تهتم الباحثة الفلسطينية أماني أبو رحمة بفهم تحولات الفلسفة المعاصرة، وبصفة خاصة بالأسئلة التي ظهرت بعد تراجع مركزية الخطاب ما بعد البنيوي وصعود ما يعرف بـ"الماديات الجديدة". ينتمي الكتاب إلى حقل فكري معقد تتداخل فيه الفلسفة بالأدب والعلم، حيث تحاول المؤلفة تتبع التحول من "الانعطافة اللغوية" التي هيمنت على الفكر الغربي طوال عقود، إلى "الانعطافة المادية" التي أعادت الاعتبار للمادة والجسد والطبيعة والتكنولوجيا باعتبارها تنتج معنى، أكثر من كونها موضوعات يقوم عليها الخطاب.

الماديات الجديدة لا تعني العودة إلى المادية الكلاسيكية بصيغتها القديمة، بل تمثل محاولة لتجاوز الثنائيات التقليدية التي رسختها الفلسفة الغربية

ينطلق الكتاب، بأقسامه الثلاثة الرئيسة، من سؤال حول ما إذا استطاعت الماديات الجديدة تجاوز الإرث ما بعد البنيوي، أم إنها ما تزال تتحرك داخله وإن بصياغات مختلفة. وعبر ذلك تناقش أبو رحمة التحولات التي شهدتها الفلسفة المعاصرة بعد ما بعد الحداثة، وتتوقف عند أسماء ارتبطت بإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والعالم المادي والتقني والبيئي، مثل روزي بريدوتي وكارين باراد ومانويل ديلاندا وكونتين مياسو الذين تعتبرهم "أساطين الماديات الجديدة".

هل أخرجتنا الماديات الجديدة من "ما بعد البنيوية"؟

توضح الكاتبة أن الماديات الجديدة لا تعني العودة إلى المادية الكلاسيكية بصيغتها القديمة، بل تمثل محاولة لتجاوز الثنائيات التقليدية التي رسختها الفلسفة الغربية، مثل ثنائية العقل والجسد أو الثقافة والطبيعة. لذلك تركز هذه المقاربات على فكرة "التشابك" بين الإنسان والعالم، وعلى النظر إلى المادة باعتبارها قوة منتجة وليست مجرد شيء جامد أو صامت.

يجادل الكتاب في واحدة من أكثر النقاشات الفلسفية المعاصرة حيوية، خاصة أن المكتبة العربية تفتقر، إلى حد كبير، إلى الدراسات التي تتناول "الماديات الجديدة" على نحو معمق، كما يندرج ضمن اهتمام أماني أبو رحمة الطويل بقضايا بعد ما بعد الحداثة في عالم تتداخل فيه التكنولوجيا والبيئة والسياسة بصورة غير مسبوقة.

الكتاب: سيرة مرحاض - مدخل إلى قاع المدينة - دراسة المراحيض بالفضاء العام في مدينة تونس

الكاتبة: كوثر دوزي

الناشر: دار الجمل - العراق

في كتابها "سيرة مرحاض - مدخل إلى قاع المدينة - دراسة المراحيض بالفضاء العام في مدينة تونس"، تقدم الباحثة التونسية كوثر دوزي مقاربة غير مألوفة للمدينة العربية، تنطلق من أكثر مطارحها تهميشا وإقصاء: المرحاض العمومي. حيث يتعامل الكتاب مع المرحاض باعتباره انعكاسا للبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية للمدينة، ومدخلا لفهم العلاقات المعقدة بين الجسد والسلطة والفضاء العام.

يعتمد الكتاب على منهج أنثروبولوجي وسوسيولوجي، ويستند على بحث ميداني وإثنوغرافي واسع في مدينة تونس، حيث تتبعت دوزي المراحيض العمومية في الأحياء الشعبية وتلك المسماة راقية، وفي المدارس والموانئ والفضاءات الثقافية، وحاولت الكشف عن كيفية تنظيم الجسد داخل المدينة، وكيف تتحول البنية التحتية أحيانا إلى وسية للإقصاء الاجتماعي والتمييز الطبقي والجندري.

تعتبر الكاتبة أن المرحاض نقطة تتداخل فيها الثقافة والاقتصاد والسياسة. فمن خلال دراسة مفاهيم مثل "النظافة" و"القذارة"، تكشف كيف تنتج المجتمعات تصوراتها عن مفاهيم مثل الجسد والحياء والسلطة، وكيف تبعد بعض الأفعال الجسدية، مثل التبول والتبرز، عن المجال العام، وتحول إلى موضوعات مسكوت عنها رغم كونها تفصيلا أساسيا من التجربة الإنسانية.

كتاب يطرح أسئلة حول السلطة والفضاء والطبقات الاجتماعية، ويعيد الاعتبار لما تخفيه المدن تحت صورتها المنظمة والأنيقة

كما يتتبع الكتاب التحولات التاريخية للمرحاض في المدينة العربية الإسلامية، من الخلاء المفتوح إلى المكان المغلق المنظم بقوانين وآداب وسلوكيات اجتماعية، في محاولة لفهم العلاقة بين تطور العمران وتحولات النظرة إلى الجسد. وتلجأ الكاتبة إلى مقاربات متعددة: لغوية وسيميائية ومعمارية وثقافية، لتفكيك حضور المرحاض في المخيال الاجتماعي والأدبي، وحتى في اللغة اليومية التي تستبدل كلمة "مرحاض" بتعابير أكثر لطفا مثل "دورة المياه" أو "التواليت".

الكتاب: سيرة مرحاض - مدخل إلى قاع المدينة

عدا جرأة الموضوع، فإن الكتاب يتميز بقدرته على تحويل ما يبدو هامشيا إلى مدخل نقدي لفهم المدينة الحديثة من "أسفلها"، من "قاعها" بدلا من واجهاتها الرسمية. إنه كتاب يطرح أسئلة حول السلطة والفضاء والطبقات الاجتماعية، ويعيد الاعتبار لما تخفيه المدن تحت صورتها المنظمة والأنيقة. بهذا المعنى، تكتب كوثر دوزي "سيرة" للمدينة نفسها، عبر أكثر أمكنتها تخفيا و"عيبا".

الكتاب: بلاغة الكتابة السوداء

الكاتب: ممدوح فراج النابي

الناشر: دار مرفأ للثقافة والنشر - لبنان

في كتابه "بلاغة الكتابة السوداء"، يقدم الناقد والباحث المصري ممدوح فراج النابي دراسة نقدية تتعلق بأسئلة الهوية والتمثيل والسرديات المضادة، في محاولة لمعالجة الصورة التي كرستها المركزية الأوروبية عن "الآخر الأسود"، سواء في الأدب أو في المخيال الثقافي والشعبي الغربي. يتعامل الكتاب مع "السواد" بوصفه توصيفا عرقيا، وكذلك بوصفه مجالا ثقافيا وجماليا وإشكاليا مشتبكا بقوة وبتوتر مع التاريخ والاستعمار واللغة والذاكرة.

يتوزع الكتاب على سبعة فصول، يتتبع خلالها المؤلف تصورات الكتابة السوداء في علاقتها بالاستشراق وبالهيمنة الثقافية، ويستند في ذلك إلى النقد الثقافي وتحليل الخطاب، ويشتبك مع أطروحات ما بعد الكولونيالية التي أسس لها مفكرون مثل فرانز فانون وإدوارد سعيد وغيرهما. يقرأ المؤلف النصوص الأدبية من زاوية المهمش والمقصي والضحية، وليس، كما ينبغي في هذا النوع من الدراسات، من زاوية المركز الذي احتكر طويلا حق تمثيل الآخر وتأويله.

محاولة لإعادة النظر في مفاهيم الهوية والاختلاف والتمثيل، عبر قراءة نقدية تمنح الصوت للهامش والمقصي

يتجاوز النابي التنظير للمفهوم، ويدخل في مرحلة تطبيقه على نماذج من الأدب العربي والأفريقي، وفي مقدمتها أعمال الروائي السوداني الطيب صالح، التي تحضر باعتبارها نصوصا تكشف عن التوتر في العلاقة بين الشمال والجنوب، وبين المركز والهامش، وبين الذات المستعمرة ونظرة المستعمر إليها. ومن خلال هذه القراءات يحاول الكتاب أن يبين كيف تحولت الكتابة إلى أداة مقاومة ثقافية قادرة على إنتاج الهوية من الداخل وإعادة إنتاجها باستمرار، بعيدا عن الصور الجاهزة والمقولات النمطية التي سادت الفكر الغربي عن الشرق.

بلاغة الكتابة السوداء

تمتزج لغة الكتاب بين الأكاديمية والتأمل، ما يمنحه قدرة على مخاطبة القارئ المتخصص وغير المتخصص في الوقت نفسه. كما يتساءل إزاء الواقع الثقافي والسياسي الراهن ولا يكتفي بالمنظار الأدبي، لا سيما فيما يتعلق بعلاقة الثقافة بالسلطة، وبكيفية تشكل الصور الذهنية عن الشعوب والهويات المختلفة.

يمكن اعتبار أن "بلاغة الكتابة السوداء" إضافة إلى حقل النقد الثقافي العربي، من حيث إنه يفتح ملفا مهماً محدود الحضور، إلى حد كبير، في الدراسات العربية، وهو ملف الكتابة السوداء وتصوراتها الجمالية والفكرية. ومن هنا تأتي أهميته باعتباره محاولة لإعادة النظر في مفاهيم الهوية والاختلاف والتمثيل، عبر قراءة نقدية تمنح الصوت للهامش والمقصي، وتجادل المركز الثقافي الغربي الذي صاغ سردياته لمدة طويلة من الزمن، بوصفها سرديات هيمنة وتفوق وتحكم.

font change