السؤال عن ماذا تريد السعودية من اليمن يفتح مسارا طويلا من التداخل الجغرافي والقبلي والاقتصادي. فالبلدان يشتركان حدودا واسعة وتاريخا متشابكا، وترى الرياض أن اليمن امتداد مباشر لأمنها واستقرارها، لذلك تفضل يمنا قادرا على الحكم، متماسك البنية، على يمنٍ ممزق تحكمه مراكز قوى متنافسة وسلاح متعدد الولاءات.
منذ قيام الدولة السعودية الثالثة، أدارت الرياض العلاقة مع اليمن على قاعدة احترام الجوار والمصالح المشتركة، البلدان مرّا بمحطات توتر وتسويات حدودية، لكن الاتجاه العام ثبّت الاعتراف المتبادل ورتّب الخلافات السياسية، ومع قيام الجمهورية في الشمال ثم وحدة اليمن مطلع التسعينات، تعززت الروابط الاقتصادية والإنسانية، ودخل ملايين اليمنيين سوق العمل في السعودية، وأصبحت الرياض الشريك الأهم سياسيا واقتصاديا، وتحول استقرار اليمن إلى جزء من منظومة الأمن الوطني السعودي.
عندما انفجرت الأزمة السياسية في صنعاء عام 2011، صاغت السعودية ودول الخليج المبادرة الخليجية، التي وفرت غطاء سياسيا لانتقال منظم للسلطة، وحوار وطني، ودستور جديد. إلا أن الانقلاب الحوثي غيّر المشهد، فتدخلت السعودية عبر "عاصفة الحزم" ثم "إعادة الأمل" استجابة ودعما للشرعية، بهدف منع تحويل اليمن إلى منصة لمشروع إقليمي معادٍ على حدودها.
إلى جانب المسار العسكري، تبنت الرياض مسار الإعمار والتنمية، عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، الذي نفذ مشاريع في قطاعات الكهرباء، والصحة، والتعليم، والطرق.. وغيرها، وهذا العمل يعبر عن رؤية أبعد، تتمثل في أن اليمن يستحق أن يمتلك بنية تحتية تلبي تطلعات شعبه، ليصبح اليمنيون أقدر على حماية بلادهم من مشاريع التدخلات الخارجية في أزماتهم.
أما القضية الجنوبية فقد أضافت طبقة أخرى من التعقيد، مع صعود قوى ذات نزعة انفصالية مسلحة، ومحاولات فرض وقائع جديدة في عدن وشبوة وأبين، ثم انتقال التوتر إلى حضرموت والمهرة، مما دفع الوضع نحو حافة الانقسام، وهنا تحركت السعودية سياسيا وأمنيا، وأعيد انتشار القوات النظامية في المحافظات الشرقية، وتراجعت محاولة فرض السيطرة المنفردة، لينتقل المشهد إلى مرحلة "الحوار الجنوبي" برعاية سعودية، ليجمع الشخصيات الجنوبية حول طاولة واحدة، ويمنع ترك الجنوب ساحة مفتوحة للصراع.
ما تريده السعودية من اليمن: وجود بيئة مستقرة. ودولة تحظى بثقة مواطنيها. واقتصاد قادر على النمو، تسانده الرياض بمشاريع الإعمار
بهذا الإطار جرى التعامل مع القضية الجنوبية، دون إنكار لعمقها أو تجاهل لجذورها، لكن مع تأكيد ثابت أن المعالجة تحتاج نقاشا سياسيا على طاولة واحدة، وليس ترتيبات مفروضة بقوة السلاح على حساب استقرار اليمن وحق الأطراف في الشراكة، فرعاية الحوار الجنوبي، ثم تشجيع تشكيل حكومة جديدة أوسع تمثيلا، يعكسان رغبة في انتقال الجنوب من ساحة ممزقة إلى شريك في البناء، مع بحث صيغ حكم تحقق توازنا بين المركز والأقاليم.
خلال المرحلة الأخيرة، دعمت الرياض ترتيبات عسكرية وأمنية سمحت بحضور أوسع لمؤسسات الدولة، مع تشكيل حكومة جديدة ستبدأ مؤسساتها بالعودة تدريجيا إلى عدن، والتزام سعودي بحزمِ دعمٍ تنموي ووقود لمحطات الكهرباء، مما أدى إلى تحسن ملموس في الخدمات شعر به المواطن في عدن ومدن أخرى، وهذه التفاصيل اليومية تحمل رسالة أوضح من أي بيان سياسي، وذلك لأن المطلوب في الظرف الحالي هو أن يرتبط الاستقرار في ذهن اليمني بتحسن فعلي في حياته، لا بوعود مؤجلة.
على امتداد هذا المسار تاريخيا، من تسويات الحدود ودعم الوحدة ورعاية المبادرة الخليجية، مرورا بعمليات التحالف و"اتفاق الرياض"، ووصولا إلى أحداث حضرموت والمهرة والحوار الجنوبي وتشكيل الحكومة الجديدة، تتكرر قناعة واحدة في السياسة السعودية، وهي أن تتعامل مع اليمن كبلد جار وشقيق، يحتاج إلى دولة قابلة للحياة، مع استعداد للتفكير في صيغ حكم مرنة، وتوسيع اللامركزية وفق ما يقرره اليمنيون أنفسهم، وبقدر ما يحقق ذلك العدالة ويعزز الاستقرار.
الخلاصة، ما تريده السعودية من اليمن يُخْتَصر في ثلاث نقاط، تتمثل في: وجود بيئة مستقرة لا تستخدم أراضي اليمن لتصدير الأزمات والسلاح. ودولة تحظى بثقة مواطنيها، فيتراجع حضور الزعامات المسلحة لصالح مؤسسات الدولة. واقتصاد قادر على النمو، تسانده الرياض بمشاريع الإعمار اليوم، ليكون اليمنيون أقدر على تحمل مسؤولية بلادهم غدا.
وهذا التصور يخدم مصلحة السعودية، وينسجم مع تطلع اليمنيين للخروج من حالة الحرب... ومع كل ما يمكن أن يقدم من الخارج، يبقى القرار الحاسم في يد اليمنيين أنفسهم، فالفرصة تتهيأ عندما يتقاطع الدعم مع إرادة بناء الدولة، وليس مع الرغبة في إدامة صراع قد لا ينتهي.