وصل اليمن إلى منعطف لم يعد يسمح بمزيد من إدارة الوقت أو ترقيع المشهد، في وقت أنهكت فيه سنوات الحرب المتتابعة مؤسسات الدولة، وفتحت المجال أمام الفصائل والمشاريع الصغيرة التي تعيش على هوامش الشرعية وتستثمر في الفوضى. واليوم تبدو الصورة أكثر وضوحا، إما الذهاب إلى إعادة بناء دولة قادرة، وإما ترك البلد يتجه إلى تفتت يصعب احتواؤه لاحقا، ومن يقرأ المشهد بهدوء يدرك أن الخيارات تضيق، وأن الفرصة المتاحة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.
جوهر الأزمة لم يعد محصورا في وجود الحوثي بصنعاء، مع بقاء ذلك أصل الاختلال، بل امتد إلى ما يجري في المحافظات المحررة نفسها، وتعدد القوات والولاءات داخل المعسكر المناهض للحوثيين خلق حالة تشبه "الدولة داخل الدولة"، وأعاق أي محاولة جدية لفرض الاستقرار أو تقديم خدمات تقنع المواطن بأن هناك حكومة تمارس مسؤولياتها، لا حكومة تدير بلدا لا تسيطر قواتها على أرضه، ولا جيشا يمكن أن يحقق نتائج حاسمة وهو موزع القيادة ومجزأ الانتماء.
الأحداث الأخيرة في حضرموت والمهرة قدمت دليلا على أن الدولة قادرة على فرض نفسها عندما تتوافر الإرادة السياسية ويتوافر لها الدعم الصادق اللازم، وما جرى هناك لم يكن مجرد تحرك عسكري موضعي، بل اختبار لفكرة بسيطة: هل ما زالت الدولة قادرة على أن تقول "الكلمة الأخيرة" في المناطق المحررة؟
النتيجة أشارت إلى أن الحسم يتم عندما تكون القوات تحت قيادة واضحة، وعندما تقرر الشرعية أن تمارس دورها كاملا، لا عبر بيانات متفرقة بل عبر إجراءات ميدانية منسقة مع الحليف الذي يشاركها ذات الإرادة بفرض الأمن والاستقرار.
الحل لا يحتاج إلى ابتكار وصفات غامضة بقدر حاجته إلى تنفيذ رؤية واضحة تعيد للدولة هيبتها وسلطتها، وهذه الرؤية لا بد أن تعتمد على ركائز مهمة، في مقدمتها أن يتم توحيد البندقية. وذلك لأن استمرار وجود تشكيلات مسلحة موازية خارج إطار وزارة الدفاع وصفة جاهزة لفشل أي تسوية، والمطلوب هنا هو استكمال انتشار القوات المرتبطة مباشرة بالقيادة العليا في جميع المحافظات المحررة، من شبوة إلى أبين إلى عدن، مع بقاء الوحدات القائمة في إطار خطة إعادة هيكلة، على أن ينتهي الأمر إلى جيش وطني واحد، بعقيدة قتالية موحدة، وقيادة عسكرية لا تتعدد ولا تتجزأ، تتبع للقائد الأعلى للقوات المسلحة دون وسطاء أو مراكز قوى متداخلة.
الطريق إلى سلام مستقر في اليمن يبدأ من ترسيخ هيبة الدولة في المحافظات المحررة، وإنهاء مفهوم االفصائل والسلاح المتعدد
الركيزة الثانية هي توحيد الأجهزة الأمنية تحت سلطة وزارة الداخلية، وإنهاء أي وجود أمني موازٍ في المدن والمحافظات، فعندما يشعر المواطن بأن جهة واحدة مسؤولة عن أمنه، وأن رجل الأمن ينتمي إلى منظومة واضحة، تبدأ الثقة في العودة بشكل تدريجي، على أن يتزامن ذلك مع خطوة جوهرية، تتمثل في توحيد سلم الرواتب لجميع منسوبي الأجهزة العسكرية والأمنية، حتى لا يتحول الراتب إلى أداة شراء ولاءات، أو يصبح الانتماء للفصيل الأعلى صرفا، بدل الانتماء للدولة.
في هذه المرحلة تبرز ضرورة ضبط المجال السياسي نفسه، حيث إن التعددية لا تعني تحويل الساحة إلى منصة لتعطيل الحكومة أو التشكيك في الشرعية خلال فترة إعادة البناء، كما أن الحاجة الماسة تحتم السير نحو تهدئة سياسية، لا إلى سباق شعارات، ورغم أنه من الطبيعي الإبقاء على المجال العام للجميع، لكن مع قاعدة تتمثل بعدم السماح لأي أنشطة تعرقل عمل مؤسسات الدولة أو تشجع على التمرد المسلح أو تبرر وجود تشكيلات خارج الإطار الرسمي.
ويحتاج تنفيذ هذه الرؤية إلى غطاء سياسي واقتصادي متماسك، وفي هذا الجانب تظهر أهمية الدور السعودي الذي لم يكن يوما طارئا في الملف اليمني، بل الشريك الأكثر إدراكا لتفاصيله وتعقيداته، وذلك لأن سنوات التعامل الطويلة تاريخيا مع الأزمات اليمنية المتعاقبة منحت الرياض معرفة دقيقة بالطبيعة القبلية والسياسية والاجتماعية في اليمن، وبآليات التعامل مع الأزمات، لهذا تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بثقل السعودية ودورها الدائم في دعم الشرعية، وتعزيز ما تحتاجه مؤسسات الدولة من مساندة تساعد على ضبط الموارد، وإعادة تشغيل الإدارة المدنية في عموم المحافظات المحررة.
عندما تتوحد البندقية وتعود الحكومة والرئاسة ومجلس النواب إلى عدن لممارسة صلاحياتهم من الداخل، وتتوقف الازدواجية في القرار، يمكن الحديث عن سلام بمعناه الجدي، لا كعنوان لمجرد هدنة، كما أن الحوار الجنوبي الذي تستضيفه الرياض سيمثل المسار السياسي الأنسب لمناقشة القضية الجنوبية العادلة، ويمنح أبناء الجنوب فرصة للتفاوض حول حقوقهم وترتيبات المستقبل بما يلبي تطلعاتهم.
أخيرا... الحديث عن حلول سياسية شاملة قبل تثبيت هيكل الدولة يبدو سابقا لأوانه، فالطريق إلى سلام مستقر في اليمن يبدأ من ترسيخ هيبة الدولة في المحافظات المحررة، وإنهاء مفهوم الفصائل والسلاح المتعدد، حيث تمنح اللحظة الحالية اليمنيين فرصة نادرة لتصحيح المسار.