لماذا يفشل مشروع التطويق في كل مرة؟

لماذا يفشل مشروع التطويق في كل مرة؟

استمع إلى المقال دقيقة

من يتابع سياسة المملكة العربية السعودية خلال العقود الأخيرة يلاحظ أن الرياض لا تتحرك بردود فعل متفرقة، بل تبني مواقفها على قناعة راسخة بأن أمنها يبدأ من استقرار محيطها، وأن دعم سيادة واستقرار الدول هو الخيار الأكثر عقلانية في منطقة يميل بعض لاعبيها إلى الرهان على الفصائل والميليشيات.

هذا الاختيار وضع السعودية في مواجهة محاولات متكررة لتطويق دورها، مرة عبر أنظمة راديكالية، ومرة عبر أذرع مسلحة عابرة للحدود، ومرة عبر كيانات انفصالية على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن. ومع كل موجة جديدة، تتمسك السياسة السعودية بالمبدأ نفسه، فلا استثمار في الفوضى، ولا شرعنة لقوة تتجاوز الدولة.

في الماضي حاولت قوى دفع اليمن إلى صراع مفتوح على حدود السعودية الجنوبية، مع خطاب أيديولوجي مضاد، يومها وجدت الرياض نفسها أمام مشروع يسعى إلى محاصرتها بأنظمة معادية، ومع ذلك اختارت إدارة المواجهة بأدوات السياسة والتحالفات والعقل الهادئ. بعد سنوات، اختفت أغلب تلك الأنظمة أو تراجعت أدوارها، بينما حافظت السعودية على حضورها وثباتها في الإقليم، مستفيدة من قوة اقتصادها واستقرار مؤسساتها وعلاقاتها الدولية، وهذا يعطينا درسا تاريخيا مهماً.

اليوم تعود فكرة التطويق بصور مختلفة، فالبيئة تزدحم بميليشيات وكيانات موازية، وبمحاولات لخلق أمر واقع جديد حول الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية، من اليمن إلى الصومال إلى السودان، يظهر نمط واحد، أطراف تسعى إلى الاستفادة من هشاشة بعض الدول، وأطراف أخرى تتعامل مع هذه الهشاشة كفرصة لتوسيع نفوذها على حساب سيادة تلك الدول، وعلى حساب أمن دول المنطقة وفي مقدمتها السعودية.

في اليمن ظهرت محاولة التطويق في اتجاهين، ففي الشمال استند الحوثيون إلى دعم خارجي وحولوا صنعاء إلى منصة مرتبطة بطهران، وفي الجنوب تفككت المحافظات المحررة تحت وطأة تعدد السلاح، وتقدم ما كان يسمى "المجلس الانتقالي" عسكريا في حضرموت والمهرة محاولا فرض واقع يعيد رسم الخارطة السياسية والأمنية على حدود السعودية، وهذا المسار كان مرشحا لتحويل اليمن إلى لوحة نفوذ متقابلة على حساب الدولة اليمنية.

في مواجهة ذلك، ظهر الموقف السعودي بصورة أكثر وضوحا، فالرياض دعمت استعادة الدولة اليمنية لمواقعها في حضرموت والمهرة وباقي المحافظات المحررة، وعززت حضور الشرعية في الموانئ والمنافذ، وأكدت أن الحسم الميداني لا ينفصل عن مسار سياسي يحترم القضية الجنوبية ويعترف بعدالتها. وفي الوقت نفسه شددت على أن الجنوب قضية شعب كامل بمكوناته القبلية والسياسية، لا بطاقة حصرية يحتكرها فصيل. ومع الدعوة إلى الحوار الجنوبي، أصبح واضحا أن الهدف يتمثل في انتقال الجنوب من حالة الانقسام إلى واقع كونه شريكا فاعلا في مستقبل اليمن.

حماية سيادة ووحدة الدول المجاورة ليست خدمة مجانية لأحد، إنما استثمار مباشر في الأمن القومي، وفي استقرار إقليم يحتاج إلى عقل راجح للتعامل مع متغيراته

في القرن الأفريقي تظهر ساحة أخرى لمحاولة الالتفاف، فالاعتراف بـ"أرض الصومال" من أي طرف خارجي بعد اتفاقيات منفردة يفتح الباب أمام شرعنة كيان منفصل على شاطئ استراتيجي، في بلد ما زال يخوض معركة إعادة بناء مؤسساته، فالحكومة الفيدرالية في مقديشو أعلنت رفضها، ووجدت دعما ملحوظا من أطراف عربية ودولية وأفريقية، بينها السعودية، التي تنظر إلى وحدة الصومال بوصفها جزءا من أمن البحر الأحمر، لا مجرد تفصيل في خلاف داخلي، وهنا يتكرر المبدأ نفسه، دعم للدولة المعترف بها، ورفض لقفزات أحادية تعيد رسم الخرائط على وقع صفقات موانئ وقواعد.

في السودان اتخذت محاولة التطويق شكل صراع مفتوح بين الجيش وميليشيا "قوات الدعم السريع"، فالميليشيا سعت إلى بناء سلطة موازية، وطرحت نفسها لاعبا سياسيا بقوة السلاح، وكثير من القوى تعاملت مع الواقع الجديد كأمر قد يمكن التكيف معه. أما السياسة السعودية فاختارت مسارا مختلفا: رعت الحوار، ودعت إلى وقف إطلاق النار، وترتيب مرحلة انتقالية تعيد الاعتبار للشرعية السودانية، وتحمي وحدة السودان كدولة مركزية على البحر الأحمر.

هذه المواقف المتتابعة ترسم خطا واحدا في السياسة الخارجية السعودية، انحياز للاستقرار، ورفض أي تطبيع مع الكيانات الموازية، سواء حملت شعارا طائفيا أو مناطقيا أو أيديولوجيا، هذا الانحياز لا يقوم على عاطفة، بل على قراءة متعقلة للتجارب التي عاشتها المنطقة، فكل مرة جرى فيها تشجيع فصيل على حساب الدولة انتهى المشهد إلى مزيد من الفوضى، وخسرت الشعوب فرصة بناء مؤسسات مستقرة.

الخلاصة، أن محاولات تطويق السعودية عبر إشعال محيطها لا تنتهي إلى نتيجة مختلفة عما سبق، فالقوى التي تراهن على الفصائل والكيانات المنفصلة تراكم مكاسب قصيرة، وتدفع الثمن على المدى البعيد. في المقابل، يرسخ المسار الذي تتبناه السعودية فكرة أن حماية سيادة ووحدة الدول المجاورة ليست خدمة مجانية لأحد، إنما استثمار مباشر في أمنها القومي، وفي استقرار إقليم يحتاج إلى عقل راجح للتعامل مع متغيراته.

font change