ديفيد هوكني الرسام الذي رحل سعيدا بفنه وجمهوره

أعاد الاعتبار الى الرسم في زمن سيادة الأفكار

STEPHANE DE SAKUTIN / AFP
STEPHANE DE SAKUTIN / AFP
ديفيد هوكني أمام عمله "وصول الربيع إلى وولدغيت، إيست يوركشاير في 2011" في مركز بومبيدو بباريس، 2017

ديفيد هوكني الرسام الذي رحل سعيدا بفنه وجمهوره

ديفيد هوكني فارق الحياة عن عمر ناهز 88 عاما. الفنان الذي قال ذات مرة "اضحك كثيرا فالضحك ينظف الرئتين"، لا تختصر جملة تقريرية من ذلك النوع علاقته بالحياة. ذلك لأنه مثلما قال "ارسم ما تحب"، وقد اعتبرها الكثيرون قاعدة ذهبية، فإنه عاش كما يحب. لم يستجب يوما لشروط فنية وجدها جاهزة بعدما فرضتها المؤسسات الراعية للفنون، بل عاش كأنه يقدم نموذجا للفنان الحر المستقل الذي يتمحور هدفه حول "جعل الرسم الجاد يبدو سهلا". ذلك ما وصفه ناقد الفن ريتشاد موريس بإنجاز هوكني العظيم.

وعلى الرغم من أن سباحته ضد التيار كما يقال كان الهدف منها خلق فن عميق في ارتباطه بالطبيعة وغير تبسيطي يدافع عن المتعة البصرية الخالصة التي ركنتها الفنون المعاصرة جانبا، غير أنه كان يفاجأ أحيانا بحماسة الجمهور لفنه. ففي عام 2018 بيعت لوحته التي تصور حمام سباحة بـ 70 مليون جنيه استرليني، وهو ما اعتبر رقما قياسيا بالنسبة لفنان لا يزال على قيد الحياة. غير أن من له إلمام بالمرحلة التي تنتمي إليها تلك اللوحة لا بد أن يدرك المعاني التي تقف وراء ذلك الاعتزاز.

فالرسام الذي وضع حياته في خدمة الرسم ولم يحبطه أن المحيطين به اعتبروه فاشلا في جوانب عملية عديدة. كان مبتكرا في إدامة صلته بذلك العالم الخيالي،، بحيث بدت اختراعاته الفوضوية نوعا من الثورة على الأوضاع. ففي زمن الحرب وقد شح الورق صار يرسم على أرضية المطبخ وكتب الترانيم في الكنيسة. وفي معظم سني حياته باستثناء السنوات الأخيرة التي بدا فيها عاجزا عن الرسم بسبب تردي حالته الصحية، كان يعمل بهمة على لوحته لمدة 12 ساعة يوميا.

وظف موهبته الاستثنائية في خدمة هدف، قد يبدو بالنسبة للبعض مستهلكا أو مفروغا منه وهو "بقاء الرسم"

وإذ نتذكر هوكني الموزع بين الرسم بأصباغ الأكريليك بعد الزيت والتصوير الفوتوغرافي والرسم من خلال أجهزة الآيباد والحفر والطباعة الحجرية (ليثوغراف) وتصميم النوافذ الزجاجية الملونة وخلفيات الأوبرا والرسم بالحبر على الورق، لا بد أن يشعر الرسامون بالامتنان لذلك الفنان الذي وظف موهبته الاستثنائية في خدمة هدف، قد يبدو بالنسبة للبعض مستهلكا أو مفروغا منه وهو "بقاء الرسم".

 AFP
ديفيد هوكني إلى جانب لوحته "الاستوديو الداخلي رقم 4" (2014 ـ 2015) في لندن، 2015

النهوض والبدء بالعمل فورا

في عام 1964 غادر هوكني بريطانيا المثقلة بنظام التقنين إلى لوس أنجليس في رحلة فتحت أمامه آفاق عالم سيكون مزيجا من الضوء والانغماس بمفهوم حياة، كانت الصداقة جوهره. مفتونا بنمط حياة يحفها الثراء والراحة والترف والحرية، صار يرسم المسابح التي ألحق بعضها بالبيوت الفارهة وكانت جزءا من حياة عادية. فكرته الجديدة عن الحياة غيرت من أسلوبه إن لم نقل إنها صنعت هوكني الذي صرنا نعرفه وكان لا يزال في نهاية العقد الثالث من عمره (ولد عام 1937). حين تخلى عن أصباغه الزيتية التي ميزت ارتباطه بالفن في بريطانيا منتصرا لأصباغ الأكريليك المشعة، فإنه فك ارتباطه بطريقة نظر إلى الطبيعة كانت عاجزة عن التعبير عن ابتهاجه بالحياة.  

وكما قال نقاد الفن بعدما أصبح هوكني مشهورا، فإنه رسم المباني والمنشآت التي رآها من حوله عازما على أن يقدم للوس أنجليس ما قدمه بيرانيزي لروما. ومن يومها ارتبطت أحواض السباحة بعالم الرسام الذي يقال إنه وضع لافتة عند أسفل سريره في نوتينغ هيل يحث نفسه فيها على "النهوض والبدء بالعمل فورا". ذلك ما يفسر غزارته في الانتاج. ولأنه من القلائل الذين لم تسجنهم التقنيات المدرسية في قوالبها بعدما حررته إقامته الطويلة في كاليفورنيا من أوهام العبقرية البريطانية، فقد شجعته حماسته للتقنيات الجديدة على الانتقال إلى عالم التصوير باعتباره امتدادا للرسم وليس نقيضا له.

 Thomas COEX / AFP
ديفيد هوكني أمام لوحته "عام في نورماندي" في متحف الأورانجيري بباريس، 2021

منذ سبعينات القرن الماضي بدأ هوكني بلعب دور الوسيط التفاعلي بين الرسم والتصوير الضوئي، حتى ليكاد المرء وهو يرى أعمال تلك المرحلة أن يفقد القدرة على التمييز بين ما هو مصور وما هو مرسوم في لوحات كبيرة الحجم. غير أن ذلك المزيج كان في المقابل مصدرا لسوء فهم لم يزعج هوكني نفسه بقدر ما فتح عينيه على حقيقة ما انتهت إليه الأوضاع الفنية في تسعينات القرن العشرين من تدهور في الذائقة النقدية بعدما تحول المال إلى عامل حسم في ترجيح التيارات الفنية.

انتصر برقته على قسوة المؤامرات التي أحيط بها من قبل كارتلات سوق الفن والمقامرين في مجال فكر ما بعد الحداثة

في مقابل موجة فناني بريطانيا الشباب الذين تخلوا نهائيا عن الجمال لصالح ما أسموه بالأفكار، ركز هوكني على الرسم فكانت لوحاته تعبيرا صادقا عن الانتماء بشكل معاصر إلى الطبيعة. ذلك ما أغاظ الناقد برايان سيويل فوصف لوحات هوكني التي رسمها بهدفين، تمجيد الطبيعة ومديح الرسم، بأنها لا تصلح إلا "لأسوار غرين بارك"، في رغبة خبيثة لتقليل قيمتها وتحذير الجمهور من الاحتفاء بها. 

انتصر برقته على مؤامرات القسوة

واجه ديفيد هوكني المحتفى به عالميا، كونه حسب تصنيف مؤرخي الفن الظاهرة الكبيرة التي وسعت الدائرة التي يتحرك فيها فن الـ"بوب" بعد وفاة رمزه الأكثر شعبية الأميركي أندي وارهول (1928 ــ 1987) ووهبته قوة دفع لا من أجل تكريسه بما كان عليه بل من أجل تصحيح الأخطاء التي أدت إلى تسطيحه واستسهال ممارسته.

 STEPHANE DE SAKUTIN / AFP
زائر يتأمل لوحات بورتريه ذاتية لديفيد هوكني في معرض "ديفيد هوكني 25" بمؤسسة لويس فويتون في باريس، 2025

كان التحدي صعبا بالنسبة لفنان سيكون عليه أن يواجه في أية لحظة استحقاقات العمر. غير أن ذلك الرسام المسن كانت شهيته انفتحت على رسم المشاهد الطبيعية في لوحات كبيرة الحجم. ذلك ما عبر به إلى الألفية الثالثة. كان هوكني يومها الرسام الذي انتصر برقته على قسوة المؤامرات التي أحيط بها من قبل كارتلات سوق الفن والمقامرين في مجال فكر ما بعد الحداثة. اما حين حلت جائحة كوفيد19 فقد كان هوكني جاهزا لإنجاز أعماله على الآبياد. تلك الأعمال التي رسم من خلالها محيط بيته في نورماندي وهي اللوحات المتسلسلة التي ضمها معرضه الشخصي في قاعة "سربنتين" بلندن بداية عام 2026.

لم يرسم هوكني إلا أصدقاءه. بمعنى أنه لم يضع الرسم في موقع محايد ولم يعتبر الرسام مجرد صانع لوحات. كان القلب الذي يحب والعقل الذي يفكر واليد التي تتخيل. وبقدر ما كانت لوحات هوكني في مرحلة انتسابه العاطفي الحر إلى الطبيعة تعبر عن رغبته في إثبات أن الرسم لا يزال حيا بل وأيضا أنه قادر على أن يخلق جمهورا، يتعلم منه عاداته في التذوق الجمالي بقدر ما خطط لإفشال الهجمة المفاهيمية التي خطط روادها إلى تضليل الجمهور بالتفاعل اللحظوي الذي لا يبقي أثرا للعمل الفني، بحيث تذهب كل العواطف إلى زوال مثلما يحدث للاستعراضات التي تقام باسم الفن.

 Reuters/File Photo
ديفيد هوكني أمام لوحته "غران كانيون عن قرب" (1998) خلال تقديم معرض لأعماله في مركز جورج بومبيدو بباريس

قاوم هوكني الواقع الثقافي الذي سعى مصمموه إلى إحاطة فنانين من نوع داميان هيرست وتريسي امين بالأسطرة المستلهمة من وعي الشارع الرث والمحبط. ذلك صحيح، غير أن الصحيح أيضا أنه صنع فنا عظيما كان له تأثيره على ذلك الواقع وهو وهب الكثيرين أملا لا يمكن التغاضي عنه.

يتعلم من أجل الحياة

أنصت ديفيد هوكني طويلا إلى نصائح صديقيه فرنسيس بيكون (1909 ــ 1992) ولوسيان فرويد (1922 ــ 2011). كانت اللوحة التي رسمها فرويد لوجه هوكني واحدة من أعظم ثمرات تلك الصداقة التي تعتبر شهادة موثوقا بها لأهمية الرسام الذي لم تغره الأوسمة والتكريمات والألقاب والجوائز التي رفض معظمها. أما حين قبل وسام الاستحقاق وهو أرفع وسام يمنح للإنجازات الفنية الرفيعة في بريطانيا، فقد كان سبب قبوله ذلك الوسام ظنه بأنه هدية شخصية من الملكة إليزابيث الثانية. شعر يومها أنه من قلة الذوق رفضه.

كان طفلا بريئا أبديا، ابن البراءة الذي لا يمل من حماقاتها

لكن أجمل تكريم ناله هوكني هو ذلك الذي شهده عام 2007، لمناسبة بلوغه السبعين من عمره، حين احتفى متحف "تيت" به. بعد العشاء أعلن إيقاف أجهزة إنذار الدخان لمدة عشر دقائق ليتمكن أعظم فنان بريطاني على قيد الحياة من تدخين سيجارة.

لقد تمكن ذلك التكريم من قلب هوكني. الرجل الذي لم يكن في حاجة إلى الأوسمة والألقاب بعدما صار على يقين من أن رسالته الشخصية وهي رسالة حياته قد وصلت. نظر هوكني يومها إلى من اعترف بحقه في التدخين كأنه يعيده إلى الشخص الأول الذي اعترف بحقه في الرسم. 

كان هذا التكريم من النوع الذي يقدره هوكني حقا، وهو تكريم ما كان ليمنح لأحد غيره. ففي حالة من ذلك النوع يكون الفنان أشبه بالطفل. هوكني كان طفلا بريئا أبديا، ابن البراءة الذي لا يمل من حماقاتها. لم يتعبه الموت الذي خطف أعز أصدقائه فقاومه بالحياة. إلى آخر لوحاته كان يتعلم الدعاء من أجل أن تقوى الحياة على القيام من كبواتها.

font change