اتجه الكاتب السوري ممدوح عزام (مواليد السويداء 1950) منذ بداياته نحو الإنسان في لحظاته الأكثر هشاشة وعمقا، متتبعا أثر المكان في تشكيل مصائر الشخصيات، إذ تنتمي كتابته إلى بيئة الجنوب السوري بما تحمله من ذاكرة ريفية وثقافية غنية، وقد تحولت هذه البيئة عبر أعماله إلى فضاء إنساني واسع تجاوز حدوده الجغرافية.
في كتابه "من الشمال إلى الجنوب، حكايات عن البيت والناس والكتب والجنود"، الصادر عن داري "سرد" و"ممدوح عدوان" في دمشق (2026)، يكتب ممدوح عزام نصا يرفض الانتماء إلى جنس واحد أو خانة جاهزة، إنه سيرة أدبية وشهادة شخصية وتأمل في الخراب ومرثية للبيت وسجل للوجوه التي عبرت حياة الكاتب وتركت آثارها في روحه، كما أنه محاولة لإعادة ترتيب العالم بعدما عصفت النار بأشيائه وأوراقه ومكتبته وذكرياته.
يستعير الكاتب عنوان الكتاب من مقطع شعري لبابلو نيرودا في "النشيد الشامل"، يتحول فيه الشمال والجنوب إلى جهتين داخل النفس أكثر مما هما نقطتان على الخريطة. فالشمال هنا جهة الذاكرة الأولى وجهة الطفولة ورائحة التراب وصوت الأب وخطوات الأم، فيما الجنوب جهة الامتداد الإنساني الواسع، حيث تتقاطع الحكايات الفردية مع مصائر البشر جميعا. ومن خلال هذه الحركة الممتدة بين طرفين، يرسم الكاتب خريطة أخرى للوجود تبدأ من بيت صغير في قرية سورية، وتمضي نحو الأسئلة الكبرى المتعلقة بالاقتلاع والغياب والذاكرة والكتابة ومعنى النجاة.
الكابوس الذي يتكرر
يفتتح ممدوح عزام كتابه بحلم يتكرر كل ليلة تقريبا، حلم يرى فيه مقتله، ويرى بيته يحترق ومكتبته تنهار والأشجار التي رافقته طوال سنوات عمره تواجه المصير ذاته، الكابوس هنا ليس حدثا نفسيا فحسب، وإنما طريقة جديدة لرؤية العالم. الحلم يخرج من حدود النوم ويستقر في اليقظة، فيصبح جزءا من الحياة اليومية، ويغدو المشهد المتخيل أكثر حضورا من بعض الوقائع الملموسة. الجنود يدخلون البيت مرة بعد مرة، النار تلتهم الأشياء مرة بعد مرة، والكاتب يعيد مشاهدة التفاصيل ذاتها كما لو أن الزمن توقف عند لحظة الاقتحام.



