قسطنطين فولني الذي رسم الخرائط ومهد معرفيا للاستعمار الفرنسي

صدور ترجمة رحلته إلى مصر وسوريا

غلاف "رحلة فولني إلى مصر وسوريا"

قسطنطين فولني الذي رسم الخرائط ومهد معرفيا للاستعمار الفرنسي

في كتاب "رحلة فولني إلى مصر وسوريا" (منشورات المتوسط)، نقله عن الفرنسية عصام محمد الشحادات، دون المستشرق الفرنسي قسطنطين فرنسوh فولني (1757- 1820) الكثير مما استلهمه من أعماله وأفكاره من رحلاته واستكشافاته في الشرق الأوسط. إذ قام برحلة إلى مصر وسوريا بين عامي 1783 و1785، وثق من خلالها مشاهداته وانطباعاته عن الأماكن التي زارها، والناس الذين التقاهم، والثقافات التي استكشفها. وتعد رحلته من المصادر المهمة والعلمية لفهم الأوضاع الاجتماعية والسياسية والجغرافية في تلك الفترة، في مقابل وجود نزعة من الاستعلاء الغربي في تقييمه للمجتمعات الشرقية.

رحلة في مدن الشرق الساحر

غادر المستشرق قسطنطين فولني باريس في نهاية عام 1782، ووصل إلى ميناء الإسكندرية بداية يناير/ كانون الثاني عام 1783. بقي فيها بضعة أسابيع، تجول في نواحيها، فلاحظ بانبهار ودهشة مشهد المدينة المصرية المختلف تماما عما كان يتصوره، من لباس وحجاب النساء، وتدافع الناس في الشوارع وازدحامهم. يقول فولني: "من العبث الاعتماد على الكتب تحضيرا للرحلة أو سعيا لتشكيل فكرة مسبقة في محاولة لفهم عادات الأمم وأخلاقها". تلك حال الرجل الأوروبي الذي تطأ قدماه الشرق قادما من البحر، فكل شيء ها هنا جديد، فيصاب بالانبهار أمام تنوع الأشياء، فيصبح فريسة لمشاعر المفاجأة والدهشة. ويشير فولني إلى أن الإسكندرية ليس لها أهمية من حيث الحروب، ويضيف أن "الجنود الإنكشارية الخمسمئة الذين يشكلون حامية المدينة، قد خفض عددهم إلى النصف".

يقدم فولني معلومات غزيرة متسلحا بأوسع طيف من العلوم: السياسة والتاريخ والجغرافيا والطب والزراعة، فكان يتجول في مصر ماشيا في غالب الأوقات، فتعرف الى الأسواق، وحياة الحرفيين، وجرب الحمام التركي، وراقب الطقس والأمراض والنظام الغذائي. يصف الكتاب حال مصر بأنها انتزعت من أصحابها الأصليين منذ ما يقارب من 2200 عام، وتتالى على حكم أرضها الخصبة الفرس والمقدونيون والرومان واليونان والعرب والجورجيون والعثمانيون. ويقول فولني عن العرب إنهم "كانوا بارعين في الحرب والفتوحات، لكنهم كانوا يجهلون تماما كيف يحكمون"، ويضيف "لذلك لم يطل الزمن بصرح سلطانهم المنقوص فانهار".

يقول فولني عن العرب إنهم "كانوا بارعين في الحرب والفتوحات، لكنهم كانوا يجهلون تماما كيف يحكمون"

ويتحدث الكتاب الفائز بـ"جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة" (فرع الرحلة المترجمة)، عن المماليك الذين حكموا مصر والشام (1250-1517)، وكانت الغاية بالنسبة لهم تبرر الوسيلة، فلا "عقد اجتماعي بينهم سوى المصلحة الراهنة، ولا حق عام يربطهم بالأمة سوى الغزو". وكان أهم إجراء اتخذه المماليك في مصر يتمثل بتقليص عدد فرق قوات العرب والإنكشارية، التي كانت في ما مضى عنوان سلطة الباشا.

مصر 

كان فولني متلهفا للنزول إلى القاهرة، وقد شعر "بخيبة أمل من أول تماس له مع الشرق الساحر". وكتب يقول:" حمامات كليوباترا وعامود بومبيوس، لهذه الأسماء وقع وجلال، لكنها تفقد على أرض الواقع الوهم كله الذي شكلناه عنها". ينقل الرحالة مشاهداته عن القاهرة في القرن الثامن عشر "لن تقع عينا المسافر الغريب سوى على مناظر الخراب العام والبؤس"، ويؤكد "صحيح أننا نلتقي في شوارع المدينة فرسانا يرتدون حللا فاخرة، لكن ذلك التناقض بين بذخ الأغنياء وحال الفقراء لا يزيد المشهد إلا قتامة". ويصف حال المصريين في ذلك الوقت، حين حصد الجوع من "الأرواح في القاهرة بقدر ما حصده الطاعون تقريبا".

Reuters
صيادان مصريان يصطادان في مياه ميناء الإسكندرية فيما تلوح مكتبة الإسكندرية في الخلفية، 2001

ويبين أن التجار الأوروبيين لهم منشآت ووكالات تجارية في مصر منذ القديم. ويعود الى الحديث عن القاهرة التي يصفها بأنها "مدينة مشهورة، لكن، لن يدهشك ما في القاهرة من بربرية وتوحش، وبالقرب منها تنتشر المقابر والأضرحة، وكل شيء فيها لا يزال على حاله منذ القرن العاشر الميلادي".

ودائما يستند فولني على الخرائط التي أعدها الرحالة ورسام الخرائط الألماني كارستن نيبور (1733-1815)، الذي كان قد وصف مصر العثمانية في كتابه "رحلة إلى بلاد العرب وما حولها".

تضمنت أخبار رحلة فولني حال القضاء، وتأثير الدين على المجتمع، وظروف معيشة مختلف طبقات المجتمع، وعادات السكان، وقدم بيانات إحصائية لبعض المدن المصرية، وكذلك تحدث عن أحوال الجيش. وعن آثار مصر. يقول: "عندما تقف تحتها وتلمسها بيديك، مشاعر تأخذ بالقلب والعقل في آن واحد، إنه خليط من الذهول والرهبة والذل والانبهار والإجلال".

سوريا بين الجغرافيا والتاريخ

يدخل الرحالة الفرنسي إلى سوريا التي كانت ولاية أخرى من ولايات الإمبراطورية العثمانية. وعلى غرار مصر، يتتبع المراحل التاريخية التي شهدتها سوريا على مر الأزمنة، اذ تتالت على هذه الأرض خلال 2500 سنة هجرات وغزوات كبيرة. بداية، جاء الآشوريون من نينوى، فعبروا الفرات نحو عام 750 ق.م. واستولوا على كامل البلاد، ثم جاء الكلدانيون من بابل، وبعدهم الفرس بقيادة قورش أول ملوك فارس (560-529 ق.م)، وخلف هؤلاء المقدونيون بزعامة الإسكندر الأكبر (356-323 ق.م)، وصولا إلى العثمانيين (1516-1916).

قدم فولني أوصافا علمية غاية في الأهمية عن أوضاع سوريا في تلك الحقبة التاريخية، إذ تضمنت رحلته معلومات تفصيلية، بدءا من المظهر العام، إلى الجبال والتربة والأنهار والأشجار والأوبئة، وآخرها موجة الجراد التي ضربت سوريا وكامل جنوب آسيا آنذاك. ويتحدث تفصيلا عن البدو بالرغم من عدم اقترابه كثيرا من البادية، "تعود أصول قبائل الصحراء التي تقطن الجزيرة العربية، إلى أصول سحيقة، في تسلسل غير مقطوع، فإذا قالوا العرب، فإنما يعنون هؤلاء بالذات، لأنهم أقدم عرق في البدو وأنقاه".

تضمنت أخبار رحلة فولني حال القضاء وتأثير الدين على المجتمع وظروف معيشة مختلف طبقات المجتمع وعادات السكان وبيانات إحصائية لبعض المدن

وينتقل الى الحديث عن مدينة حلب عاصمة الولاية، فيقول: "تمتد ولاية حلب من نهر الفرات حتى البحر المتوسط، وهي عاصمة الولاية ومقر إقامة الوالي، وهي من ألطف المدن السورية"، ويلفت إلى أنها من "أنظف مدن الإمبراطورية العثمانية وأحسنها بناء". وحول القنصليات الأجنبية في حلب، يقول فولني إن فيها قناصل "للفرنسيين والإنكليز والهولنديين، حيث عين الإمبراطور قنصلا عام 1784، وهو تاجر يهودي ثري، قام بحلق لحيته لكي يرتدي الزي الرسمي ويحمل السيف". ويورد الكتاب معلومات عن حمام حلب الزاجل الشهير في نقل البريد إلى الإسكندرية وبغداد، فيصل حلب قادما من الإسكندرية في عشر ساعات ومن بغداد في يومين.

 Ahmad GHARABLI / AFP
جامع الجزار، المعروف أيضا بـ"الجامع الأبيض"، في مدينة عكا القديمة، 2024

ويذكر الكتاب أن ولاية دمشق هي واحدة "من أطيب مدن الإمبراطورية العثمانية"، وبحكم موقعها، هي أكثر الولايات تعرضا للغزو. وعن الدمشقيين يقول "مثلهم مثل أهل القاهرة، يكرهون الفرنجة Francs، فلا يمكنك الذهاب إلى دمشق مرتديا الزي الأوروبي، ولا نجد في دمشق سوى راهبين تبشيريين". ويصف نساء دمشق قائلا: "نساء دمشق وطرابلس مشهورات ببياض بشرتهن وجمال وجوههن، لكننا لا نملك التحقق من هذا الكلام بسبب ارتدائهن للبراقع والخمر، وعلينا التسليم بصحته بالاستناد إلى الرأي السائد فيهن".

 JOSEPH EID / AFP
مشهد عام لجامع التكية السليمانية، المعروف أيضا بجامع السلطان سليم، في دمشق، 2017

ويشير إلى أن الباب العالي لا يغير والي دمشق باستمرار، بل يمنح الوالي ولاية دمشق مدى الحياة، وقد احتكرت هذا المنصب أسرة دمشقية غنية لمدة خمسين عاما، هي أسرة العظم، ومنهم الوالي أسعد باشا العظم (1701-1758)، الذي أقاله السلطان عام 1757 على إثر خلاف مع أحد رسل الباب العالي. ويقول الكتاب "فر أسعد باشا بعد أن عزل إلى البادية مع أهله وناسه"، ولكن بعض المصادر تنفي رواية فولني، وتؤكد أنه قتل داخل حمام في مدينة أنقرة عام 1757م، بناء على صدور فرمان من الباب العالي.

وعن ولاية فلسطين التاريخية، الواقعة بين البحر المتوسط غربا وسلسلة الجبال شرقا، يقول فولني "فلسطين إقليم مستقل، كان لها أحيانا حكامها الخاصون بها، وكانوا يقيمون في غزة". ويضيف "كان لمدينة غزة أهمية كبيرة على مر العصور، وتثبت أطلال الرخام الأبيض الذي لا يزال يعثر عليه بين وقت وآخر، أنها شهدت أيام ثراء ورخاء". أما التجارة الأكثر ربحا لأهل غزة، فهي مرور القوافل التي لا تفتر ذهابا وإيابا بين مصر وسوريا. وخلال زيارته عكا عام 1783، قدم فولني صورة مشوهة للوالي العثماني أحمد باشا الجزار (1734-1804)، الذي اشتهر بدفاعه الأسطوري عن مدينة عكا وكسر حصار نابوليون لها عام 1799، إذ لم يقدم صورة موضوعية عنه لدى القارئ الأوروبي.

كان لمدينة غزة أهمية كبيرة على مر العصور، وتثبت أطلال الرخام الأبيض الذي لا يزال يعثر عليه بين وقت وآخر، أنها شهدت أيام ثراء ورخاء

لطالما نظر الشرقيون إلى سطور يوميات الرحالة الأوروبيون إلى الشرق على أنها مدونات تشكل وثائق أدبية وتاريخية قيمة. وكان فولني نشر كتابه عام 1787، عشية الثورة الفرنسية، فترجم إلى الإنكليزية والألمانية، وعام 1789 إلى الهولندية، ثم الإيطالية. يتحدث الكتاب عن علاقة فولني بنابوليون بونابرت (1769-1821)، والحملة الفرنسية على مصر، وما قيل عن فولني بأنه ملهم نابوليون، وبأن كتابه كان دليل الغزاة الفرنسيين.

 Anne-Christine POUJOULAT / AFP
رجل يمتطي حصانا أمام أهرامات الجيزة، 2021

وكان بونابرت عرض على فولني تولي وزارة الداخلية، والواقع أن فولني نفسه يتكلم عن الموضوع، ويقول إنه رفض ذلك، وفضل أن يظل سيناتورا فوق العادة.

كان بالنسبة إلى بونابرت "الرحالة الوحيد تقريبا الذي لم يكذب، والذي عرف كيف يجمع بين فضيلة الأمانة العلمية وموهبة المراقب الفذ". كلام بونابرت الذي قاله عام 1799، كان مدعاة فخر لفولني، الذي أشار إلى الحالة المزرية للدفاعات في مدينة الإسكندرية، لكنه كتب سنة 1788: "للاستيطان في مصر، لا بد من خوض ثلاث حروب: الأولى ضد إنكلترا، والثانية ضد الباب العالي، أما الثالثة، فهي أصعبها قاطبة، لأنها ستكون ضد المسلمين سكان البلاد".

هجوم على الإمبراطورية

يقول فولني إن حكم العثمانيين "القساة والجشعين، يجثم فوق البلاد ونظامهم نظام استبدادي لا تحده حدود". ويضيف أن الأتراك "يعرفون كيف ينتصرون، لكنهم لا يعرفون كيف يحكمون". وكان هذا الرأي تنبؤيا، إذ أراد فولني أن يقول إن السلطنة العثمانية متجهة إلى التفكك. وفي ما يخص الحالة الدينية اتسمت آراؤه بالتعسفية والافتقار الى العمق والعقلانية، فهو المتأثر بفلسفة التنوير، وخصوصا فولتير (1694-1778)، أراد أن يشكل صورة جديدة عن عالم الشرق.

 GEORGE OURFALIAN / AFP
المسرح داخل قلعة حلب المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، 2016

وكانت نظرة فولني للمسيحيين وحكمه عليهم لا تقل قسوة عن حكمه على المسلمين، فلا يتردد في الإشارة إلى ما يتصف به مسيحيو الشرق من عيوب ومساوئ. فالمسيحيون في دمشق، بحسب الكتاب، "حقراء مخادعون". وطباعهم في عموم الإمبراطورية العثمانية "أسوأ من طباع المسلمين".

وتلك النظرة لا تتوافق مع ما كتبه في مقدمته للكتاب، إذ يقول: "جرتني أفكار أخرى إلى آسيا، بخاصة إلى سوريا ومصر، ففي تلك الأصقاع ولدت معظم الأفكار والقوانين التي تشكل محور حياتنا اليوم، ومن هناك خرجت الأفكار الدينية التي لها أقوى التأثير في أخلاقنا العامة والخاصة، وفي قوانيننا، وفي أحوالنا الاجتماعية".

في تلك الأصقاع ولدت معظم الأفكار والقوانين التي تشكل محور حياتنا اليوم، ومن هناك خرجت الأفكار الدينية التي لها أقوى التأثير في أخلاقنا العامة والخاصة

أما الكاتب والسياسي الفرنسي فرنسوا رينيه شاتوبريان (1768-1848)، فكانت نظرته إلى الشرق والإسلام معقدة وممزوجة بالاحتقار والدونية، فشاتوبريان لم يقتنع بالتحالف الفرنسي العثماني، لأن العثمانيين المسلمين هم الأعداء، كما أطلق المستشرق الفرنسي إرنست رينان (1823-1892)، العنان لأحكامه المسبقة ضد العرب والإسلام. ويعتبر رينان من بين المستشرقين الأوروبيين الذين درسوا الإسلام من خارجه، وأسسوا لنظريات استشراقية تختزن رؤى استعلائية تجاه الحضارة الإسلامية وما نتج منها من علوم، ولا سيما في مضمار الإنتاج الفلسفي.

رحالة أم جواسيس؟

كانت هناك رحلات لبعض المستشرقين والفنانين الأوروبيين إلى بلاد الشرق تبرمج ضمن مهمات عسكرية أو ديبلوماسية، مثلما حدث مع الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا (1798- 1863)، بعد الاستيلاء على مدينة الجزائر في 1830، فقد اتجه برفقة أحد الديبلوماسيين يدعى لوكونت دو مورناي إلى المغرب في عام 1832، في مهمة ديبلوماسية تجسسية، وضمن هذا البعد، عمل الرسام الفرنسي أنطوان جان جرو (1771-  1835)، عندما سافر إلى مصر حيث رسم لوحة معركة الناصرة 1801، التي جسدت زيارة بونابرت لمرضى الطاعون في يافا 1804.

ومن الفنانين المستشرقين ورسامي المعارك هوراس فرنيه (1789-1863) الذي حل هو الآخر في الجزائر عام 1832، منجزا لوحات تعبر عن انتصار فرنسا ونشوتها باحتلال الجزائر، حيث أظهر في لوحة "سقوط قسنطينة" لويس جوشو دو لاموريسيار، كقائد ميداني بارز وسط الجيش. أنجزت تلك اللوحة بتكليف من الملك لويس فيليب في عام 1838.

أما بالنسبة إلى قسطنطين فولني، فقد سجل بعين المراقب العسكري نقاط القوة والضعف في السلطنة العثمانية، متجولا في ولاياتها، وكان ذلك بمثابة مسح استعماري مسبق، قبل عقد واحد من الحملة الفرنسية على مصر (1798)، من هنا أثيرت الأسئلة حول صدقية فولني وحياديته في رحلته إلى الشرق. هل كان عمله أكاديميا في علم الاجتماع التاريخي، أم تقريرا استخباراتيا مطولا بغلاف علمي؟

اتفقت آراء عدد من النقاد على أن الكتاب لم يكن مجرد "وصف لمصر وسوريا"، بل كان "دليلا عسكريا وإداريا"، من خلاله تطرق إلى عدد السكان وأحوالهم وقدرتهم على دفع الضرائب، والحديث عن الخلافات بين المماليك والعثمانيين بدقة.

يرى سعيد في "الاستشراق" أن فولني قدم دراسة تفصيلية جعلت من المنطقة العربية مشهدا قابلا للاستعمار، مما يجعله شريكا للمستعمر

ويرسم الكتاب خرائط للطرق التجارية بين المدن، ويحلل نظام الضرائب العثماني بدقة محاسب متخصص، ويذكر البيانات الخاصة عن عدد السكان القادرين على حمل السلاح، وعن الموانئ التي تستطيع استقبال السفن الحربية، وتأسيسا على ذلك ينظر إلى كتاب فولني على أنه "تحليل جيوسياسي استباقي". ومن خلال تلك المعطيات، مثل فولني تجسيدا للمستشرق الفرنسي الذي وفرت كتاباته الخبرة المعرفية الضرورية التي احتاجتها الإمبراطورية الفرنسية الناشئة (نابوليون) لفهم الشرق ومن ثم السيطرة عليه.

بدوره، اعتبر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد (1935-2003)، أن كتاب فولني هو وثيقة تأسيسية مهمة في إرساء دعائم المعرفة الاستشراقية الغربية عن الشرق.

ورأى سعيد في كتابه "الاستشراق" (1978)، أن فولني قدم دراسة تفصيلية جعلت من المنطقة العربية مشهدا قابلا للاستعمار، مما يجعله شريكا للمستعمر.  

بالتالي، لم يكن قسطنطين فولني كاتبا محايدا، بل كان جزءا من مشروع ضخم رأى الشرق ككيان متخلف مقابل الغرب المتطور. كما جسد فولني في كتابه فكرة أن المعركة الفكرية بين الشرق والغرب، مستمرة، إلى يومنا هذا.

font change