السويد تنشئ جهاز استخبارات خارجية على غرار "إم آي 6"

ذكريات خطأ فادح لا تزال تؤرق جواسيس أوروبا

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
علم السويد وجنود سويديون حين انضمامهم لكتيبة "الناتو" متعددة الجنسيات، أثناء زيارة رئيس الوزراء السويدي لقاعدة أدازي العسكرية شمال شرق ريغا بلاتفيا، 7 فبراير 2025

السويد تنشئ جهاز استخبارات خارجية على غرار "إم آي 6"

بينما كانت روسيا تستعد لغزو أوكرانيا في 2022، دقت وكالات الاستخبارات الأميركية والاستخبارات البريطانية ناقوس الخطر، لكن بعض نظيراتها الأوروبية لم تقتنع، وكان جهاز الاستخبارات العسكرية السويدي، المعروف اختصارا باسم "موست" (MUST)، من بين المشككين، بعدما اعتد طويلا بخبرته المتخصصة في القوات المسلحة الروسية، وقدر قادته، إلى جانب رؤساء أجهزة الاستخبارات في فرنسا وألمانيا، أن شن حرب شاملة ينطوي على مخاطر جسيمة ويفتقر إلى العقلانية إلى درجة يستبعد معها أن يقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عليه.

وتريد السويد الآن ضمان عدم تكرار ذلك الخطأ المحرج، وفي مايو/أيار، أعلنت الحكومة إنشاء جهاز استخبارات جديد يحمل اسم "جهاز الاستخبارات الخارجية السويدي" (Utrikes underrättelsetjänst)، ويعرف اختصارا باسم "أوند" (UND)، وقالت وزيرة الخارجية ماريا مالمر ستينرغارد إنه سيكون جهازا مدنيا شبيها بجهاز الاستخبارات السرية البريطاني، المعروف باسم "إم آي 6".

وسيعمل "أوند" إلى جانب "موست"، ويتولى بعض مسؤولياته، بما في ذلك الإشراف على وحدة غامضة تعرف باسم "مكتب الجمع الخاص"، تنفذ عمليات سرية تشمل تشغيل عملاء في الخارج، ومن المتوقع أن يقر البرلمان السويدي الخطة في 13 أغسطس/آب، قبل الانتخابات العامة المقررة في سبتمبر/أيلول، على أن يبدأ "أوند" عمله في يناير/كانون الثاني.

جهاز مدني شبيه بجهاز الاستخبارات السرية البريطاني (إم آي 6)... ينفذ عمليات سرية تشمل تشغيل عملاء في الخارج... وزيرة الخارجية السويدية

وطرح فكرة إنشاء الجهاز الجديد كارل بيلدت، رئيس الوزراء السابق، الذي نشر العام الماضي مراجعة لمنظومة الاستخبارات السويدية، ورصدت المراجعة فجوة في القدرات تساعد على تفسير إخفاقات 2022، فقد افتقرت السويد، خلافا لكثير من حلفائها، إلى جهاز استخبارات خارجية يعمل خارج قيادة القوات المسلحة، ومصمم أساسا لرفع تقاريره إلى الحكومة.

ويقول بيلدت: "كان النظام جيدا جدا في تتبع التطورات العسكرية على الأرض، لكننا لم نكن بالمستوى نفسه عندما تعلق الأمر بتحليل السياسة الروسية والوجهة التي كانت تمضي إليها"، وخلص إلى أن السويد تحتاج إلى جهاز مدني يستطيع فهم طريقة تفكير قادة روسيا على نحو أفضل.

(أ.ف.ب)
شرطي يقف حارسا قرب الميناء في هيلسينغبورغ بالسويد، تمهيدا لاجتماع وزراء خارجية "الناتو" لمحادثات الدفاع والاستقرار الإقليمي، 21 مايو 2026

وحذرت القوات المسلحة السويدية وبعض أحزاب المعارضة من أن الجدول الزمني الضيق لإنشاء "أوند" قد يؤدي إلى استعجال الإصلاح، لكن قلة فقط تعارض الفكرة من حيث المبدأ، وأبدت السويد إلحاحا مماثلا في اتخاذ قرارات أمنية كبرى أخرى خلال الفترة الأخيرة، فقد قدمت طلب الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في 2022، وانضمت إليه بعد أقل من عامين، منهية نحو 200 عام من عدم الانحياز العسكري.

وتنفق الحكومة حاليا 2.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، وتسعى إلى بلوغ هدف "الناتو" للإنفاق الدفاعي، البالغ 3.5 في المئة، بحلول 2030، وباع مصنعو الأسلحة السويديون عتادا لأوكرانيا، شمل 16 مقاتلة من طراز "غريبن".

 ويقول ماثيو هيفلر، من كلية استكهولم للاقتصاد، إن المسؤولين يحاولون أيضا استعادة "الذاكرة العضلية" المرتبطة بالدفاع المدني، لإعداد السويديين للإسهام في الأمن الجماعي الأوروبي.

رؤية بتبادل أساليب التجسس الأحدث، مثل تحليل بيانات المصادر المفتوحة، المعززة بالذكاء الاصطناعي بين الشركاء الأوروبيين

وتعيد دول أوروبية أخرى ترتيب عملياتها الاستخباراتية، وتسعى ألمانيا إلى تخفيف القيود المفروضة على جهاز استخباراتها الخارجية، جهاز الاستخبارات الاتحادي الألماني، المعروف باسم "بي إن دي"، من قواعد الخصوصية الصارمة التي تحد من قدرته على تعقب الأهداف، ولا يعود ذلك إلى العدوان الروسي وحده، بل أيضا إلى تنامي المخاوف من اعتماد أوروبا على الاستخبارات الأميركية في ظل توتر العلاقات عبر الأطلسي.

ويزداد الحديث عن مزيد من التعاون داخل أوروبا، فقد طرح سياسيون في دول من بينها ألمانيا وهولندا، كل على حدة، فكرة إنشاء شبكات أوروبية لتبادل المعلومات الاستخباراتية على غرار تحالف "العيون الخمس"، الذي يضم الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا وكندا ونيوزيلندا.

غير أن ذلك قد يكون أسهل قولا منه فعلا، إذ تشكل استخبارات الإشارات جوهر تحالف "العيون الخمس"، وتشمل اعتراض الاتصالات والبيانات وفك شيفراتها، وفي السويد، سيتولى هذه الأنشطة جهاز آخر مستقل عن كل من "أوند" و"موست".

(رويترز)
مروحيات "بوينغ أباتشي" الهولندية ومركبات "ستريدسفوردون 90" القتالية السويدية خلال عرض عسكري ضمن مناورات "أورورا 26" في لوند بالسويد، 29 أبريل 2026

ويقول بيلدت إن التعاون في هذا النوع من التجسس يقوم على "ثقة عميقة جدا"، ولا ينسجم بسهولة مع أطر جديدة متعددة الأطراف، ويرجح بدلا من ذلك أن يتبادل الشركاء الأوروبيون المتقاربون التحليلات بصورة غير رسمية، وأن يولوا اهتماما أكبر لأساليب التجسس الأحدث، مثل تحليل بيانات المصادر المفتوحة، التي يمكن تعزيزها بالذكاء الاصطناعي.

أيا يكن الأمر، يبدو بيلدت واثقا من أن تأسيس "أوند" سيسمح للسويد بالاستجابة بفاعلية أكبر للتقلبات الجيوسياسية، ويقول بصراحة: "أعتقد أنه كان ينبغي فعل ذلك قبل عشرة أعوام"، فأن يأتي الأمر متأخرا خير من أن لا يأتي أبدا.

font change

مقالات ذات صلة