هل سبق للولايات المتحدة أن اغتالت زعيم دولة؟

سجل أميركي مليء باستهداف القادة الأجانب

رويترز
رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة الأميركية، في 21 يونيو 2025

هل سبق للولايات المتحدة أن اغتالت زعيم دولة؟

رغم أنّ الولايات المتحدة الأميركية حظرت رسميا منذ عقود تورط حكوماتها في الاغتيالات السياسية، فإن سياستها الخارجية ارتبطت على مدى سنوات بعمليات سرية هدفت إلى إسقاط قادة أجانب أو إضعافهم. ومع التحولات التي شهدتها الحروب الحديثة، خصوصا بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 توسع مفهوم "الضربات الوقائية" ليشمل استهداف شخصيات تعتبرهم واشنطن تهديدا لأمنها القومي، ويعود الجدل اليوم بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في ضربة نسبت الى إسرائيل بدعم استخباراتي أميركي، حول تحول واشنطن في التعامل مع خصومها السياسيين.

فبحسب تقرير نشرته شبكة "سي إن إن" الأميركية تجنبت الحكومة الأميركية طوال عقود استهداف القادة الأجانب، بعد إخفاقات محرجة وتداعيات غير مقصودة ترتبت على أنشطة سرية نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية.

لم يستخدم الرئيس دونالد ترمب ولا إدارته علنا كلمة "اغتيال" لوصف قتل خامنئي. وقد طرحوا أسبابا متعددة لمهاجمة إيران

وبحسب تيم نفتالي، المؤرخ الرئاسي لدى "سي إن إن"، فإن استهداف خامنئي وقتله، وما فتحه ذلك من حرب مع إيران، يمثل المرة الأولى في التاريخ الحديث التي تقتل فيها الولايات المتحدة، في هذه الحالة بالتعاون مع إسرائيل، زعيم دولة أجنبية على نحو علني.

وهكذا تكون الولايات المتحدة قد استهدفت رأسَي سلطتين أجنبيتين خلال شهرين، كلتاهما معادية لواشنطن وتشرف على احتياطيات نفطية هائلة. حيث إن نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، موجود في نيويورك بانتظار محاكمته، فيما قُتل خامنئي.

ويؤكد التقرير أن القانون الأميركي، يحظر تورط الولايات المتحدة في الاغتيالات، وآخر تكريس له جاء في أمر تنفيذي وقعه رونالد ريغان. ولا يزال هذا الحظر ساريا من الناحية الفنية.

رويترز
الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ونائبه آنذاك جو بايدن، برفقة أعضاء فريق الأمن القومي، في إحاطة حول آخر مستجدات المهمة ضد أسامة بن لادن في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، واشنطن العاصمة، في الأول من مايو 2011

لكن منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول، التي منح الكونغرس بعدها الرؤساء صلاحيات واسعة لاستخدام القوة في مكافحة الإرهاب، أخذ مسار بطيء ومطرد يتراكم حتى وصل إلى هذه اللحظة. فقد قتل رؤساء من الحزبين قادة جماعات إرهابية، مثل أسامة بن لادن. واتخذ الرئيس دونالد ترمب خطوة أخرى حين أمر بقتل القائد الإيراني قاسم سليماني في غارة جوية في العراق عام 2020. أما الآن، فقد قتلت الولايات المتحدة رئيس دولة أجنبية. وقال نفتالي: "قرار محو رئيس دولة أجنبية لا ينبغي أن يُتخذ بسهولة أو على عجل".

ترمب: "أوقعته قبل أن يوقع بي"

ووفقا للتقرير الذي نشر في 3 مارس/آذار 2026، فإن الرئيس دونالد ترمب لم يستخدم ولا إدارته علنا كلمة "اغتيال" لوصف قتل خامنئي. وقد طرحوا أسبابا متعددة لمهاجمة إيران، من انعدام الثقة بقادتها في المفاوضات حول خطط برنامجها النووي، إلى احتمال تطويرها صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية، ورعايتها جماعات إرهابية في دول أخرى، وقتلها محتجين في شوارعها.

في السابق، كان تورط وكالة الاستخبارات المركزية في الانقلابات والاغتيالات غالبا ما يظل طي الكتمان

وعندما أعلن ترمب الضربات في مقطع فيديو نشره على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي، قال- من دون دليل- إن إيران كانت تشكل تهديدا "وشيكا". لكنه في اتصال هاتفي مع جوناثان كارل من قناة "إيه بي سي نيوز" قدم سببا أكثر شخصية لقتل خامنئي. وقال ترمب، بحسب كارل: "أوقعته قبل أن يوقع بي. لقد حاولوا مرتين، حسنا، لقد أوقعته أولا".

ويرجح أن ترمب كان يشير إلى معلومات استخباراتية أميركية من صيف 2024 أفادت بأن إيران كانت تخطط لاغتياله حين كان مرشحا، إلى جانب مسؤولين آخرين، في الفترة نفسها تقريبا التي حاول فيها مسلح لا تُعرف له أي صلات بإيران قتله خلال تجمع انتخابي في بنسلفانيا. وقد نفت إيران هذا الادعاء.

واشنطن وإعدام صدام حسين ومقتل معمر القذافي

يؤكد التقرير أنّ الجيش الأميركي كان طرفا في مواجهة قادة أجانب العدالة في بلدانهم. فقد أُعدم صدام حسين شنقا بعد محاكمة أجرتها السلطات العراقية، عقب الغزو الأميركي للعراق وإسقاط حكومته. وقُتل الزعيم الليبي معمر القذافي في تبادل لإطلاق النار بعد أن أسرته قوات ثورية، ساندتها حملة قصف متعددة الجنسيات مع حلفاء. كذلك بعد الحرب العالمية الثانية، قدم الحلفاء قادة نازيين إلى المحاكمة في نورمبرغ.

في السابق، كان تورط وكالة الاستخبارات المركزية في الانقلابات والاغتيالات غالبا ما يظل طي الكتمان. فقد كانت الولايات المتحدة متواطئة في الإطاحة بالديكتاتور الفيتنامي نغو دينه ديم وقتله، بعدما كانت قد دعمته سابقا.

خلال إدارة باراك أوباما، أحدثت الولايات المتحدة تحولا كبيرا في استخدام الضربات السرية بالطائرات المسيرة لقتل مشتبه بهم بالإرهاب

كما أنها كانت منخرطة مباشرة، وبصورة سرية، في إطاحة زعيم التشيلي سلفادور أليندي عام 1973.

ثمة قادة آخرون أُطيح بهم بمساعدة الولايات المتحدة، مثل محمد مصدق في إيران عام 1953، لكنهم سُجنوا بدلا من قتلهم. وقد اعترفت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين بدورها في الانقلاب، الذي نُفذ لأن واشنطن ولندن خشيتا أن تقع إيران، ومعها نفطها، تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي. وكان كيرميت روزفلت الابن، حفيد الرئيس الأميركي الأسبق ثيودور روزفلت، من عمل في إيران للمساعدة في تدبير ذلك الانقلاب.

وبعد فضيحة "ووترغيت"، شُكلت لجنة خاصة من الحزبين في مجلس الشيوخ لتقييم تجاوزات أجهزة الاستخبارات الأميركية. وأصدرت "لجنة تشيرش"، التي سميت نسبة إلى السيناتور فرانك تشيرش من ولاية أيداهو، تقريرا خاصا تناول تحديدا قضية الاغتيالات.

أ.ف.ب
تُظهر هذه الصورة الملتقطة في البيت الأبيض بتاريخ 8 أبريل 1965، والمحفوظة الآن ضمن مكتبة جونسون، الرئيس آنذاك ليندون جونسون (يمين) مع نائب مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك، ريتشارد هيلمز، في المكتب البيضاوي

وعبر مئات الصفحات، استعرض التقرير الجهود الأميركية لتقويض قادة أجانب ومحاولة اغتيالهم. وكان أبرزها محاولات اغتيال الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، التي انتهت إلى الفشل، وصدرت أوامرها الأولى في عهد إدارة كينيدي.

التحوّل الكبير

خلال إدارة باراك أوباما، أحدثت الولايات المتحدة تحولا كبيرا في استخدام الضربات السرية بالطائرات المسيرة لقتل مشتبه بهم بالإرهاب، كما كتب بيتر بيرغن، محلل الأمن القومي في شبكة "سي إن إن".

ومنذ ذلك الحين، قطعت التكنولوجيا شوطا أبعد. فقد نشر جيش الدفاع الإسرائيلي على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي لقطات من طائرة مسيرة قال إنها توثق اللحظات الأخيرة للقيادي الفلسطيني يحيى السنوار، حين كان جالسا وحيدا في غرفة مدمرة بينما كانت الطائرة تحوم في مكان قريب.

وكالة الاستخبارات المركزية قدمت معلومات أساسية عن مكان وجود خامنئي، ما أتاح استهدافه

وفي يوليو/تموز الماضي 2024، أعلنت إيران عن مقتل إسماعيل هنية، القيادي السياسي في حركة "حماس"، الذي اغتيل في طهران بـ"قذيفة قصيرة المدى". فيما لم يتضح نوع التكنولوجيا المستخدمة في الضربة التي استهدفت خامنئي.

تتبع تفاصيل يوم خامنئي

وفقا لـ"سي إن إن" فإن وكالة الاستخبارات المركزية قدمت معلومات أساسية عن مكان وجود خامنئي، ما أتاح استهدافه. وجاء في تقرير الشبكة:

كانت وكالة الاستخبارات المركزية تراقب أنماط حياته اليومية: أين يقيم، ومن يلتقي، وكيف يتواصل، وإلى أين قد ينسحب إذا تعرض لتهديد بالهجوم، وفق ما قاله خمسة أشخاص مطلعين على الأمر لشبكة "سي إن إن". وكانت الوكالة تتابع أيضا كبار القادة السياسيين والعسكريين في إيران، الذين قلما كانوا يجتمعون في مكان واحد مع "المرشد الأعلى" للبلاد منذ ما يقرب من أربعة عقود.

أ.ف.ب
نصب تذكاري مؤقت مزين بالزهور وصورة للمرشد الإيراني علي خامنئي خارج السفارة الإيرانية في بيشكيك عاصمة قرغيزستان في 3 مارس 2026

وتزامنت الهجمات مع فرصة لاستهداف آية الله وقادة إيرانيين آخرين، إذ أشارت معلومات استخباراتية حديثة إلى أنهم سيكونون في مجمع بطهران يضم مكاتب آية الله والرئاسة الإيرانية وجهاز الأمن القومي. بعبارة أخرى، كانت الفرصة سانحة.

حين قررت الولايات المتحدة أن الاغتيالات فكرة سيئة

خلصت "لجنة تشيرش" إلى وقوع ثماني محاولات على الأقل لاغتيال كاسترو بين عامي 1960 و1965، من بينها محاولة عبر المافيا، وفق الكاتب دان بونينغ، الذي كتب لـ"سي إن إن" عن تلك المحاولات عام 2008.

وتعبر استنتاجات اللجنة عن معارضة عابرة للحزبين لسياسة الاغتيالات. ويستشهد التقرير بالرئيس جون إف كينيدي، في مفارقة لافتة إذا أخذنا في الاعتبار محاولات قتل كاسترو ومآل كينيدي نفسه، إذ قال إن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تغتال قادة أجانب.

وقال كينيدي، بحسب تقرير "لجنة تشيرش": "لا يمكننا أن ننخرط في هذا النوع من الأمور، وإلا أصبحنا جميعا أهدافا".

وقع ثلاثة رؤساء أميركيين متعاقبين، الجمهوري جيرالد فورد، والديمقراطي جيمي كارتر، والجمهوري رونالد ريغان، أوامر تنفيذية جعلت انخراط الحكومة الأميركية في الاغتيالات غير قانوني

وتتضمن الشهادات اقتباسات أكثر تفصيلا من إفادة ريتشارد هيلمز، الذي شارك في انقلاب إيران عام 1953، وفي محاولات اغتيال نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية، قبل أن يصبح لاحقا مدير الوكالة.

وفي شهادته، شرح هيلمز اعتراضه الأخلاقي والعملي على الاغتيال. وقال: "إذا كنت ستسعى بهذه الوسيلة إلى إزاحة زعيم أجنبي، فمن الذي سيحل مكانه في إدارة ذلك البلد، وهل ستكون، من الناحية العملية، في وضع أفضل بعد انتهاء الأمر مما كنت عليه قبله؟". وأشار هيلمز إلى اغتيال ديم في فيتنام مثالا على ذلك.

وقال هيلمز: "لقد انتهت تلك العملية كلها بما أضر بالولايات المتحدة". وكان هيلمز، حين أدلى بهذه التعليقات في السنوات السابقة للثورة الإيرانية، سفير الولايات المتحدة لدى إيران.

وقال هيلمز في معرض تفسير معارضته للاغتيال: "ليس السبب أنني فقدت رباطة جأشي، أو أنني فقدت شجاعتي، وإنما ببساطة أنني لا أعتقد أنه خيار قابل للتطبيق في الولايات المتحدة الأميركية هذه الأيام".

ووقع ثلاثة رؤساء أميركيين متعاقبين، الجمهوري جيرالد فورد، والديمقراطي جيمي كارتر، والجمهوري رونالد ريغان، أوامر تنفيذية جعلت انخراط الحكومة الأميركية في الاغتيالات غير قانوني. ولا يزال أمر ريغان ساريا من الناحية الفنية، لكن المحكمة العليا منحت ترمب حصانة واسعة عن أفعاله الرسمية أثناء توليه المنصب.

ويغتنم ترمب الآن فرصته لإعادة تشكيل النظام الجيوسياسي، متحركا من دون السعي إلى الحصول على موافقة الكونغرس في نصفي الكرة الأرضية، دائما بحسب تقرير "سي إن إن".

font change