الاغتيال السياسي... هل يغير موازين القوى أم يكرسها؟

جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 لتطيح بما تبقى من قيود على الاغتيالات التي تقوم بها الدولة الأميركية

رويترز
رويترز
الشيخ أحمد ياسين، الزعيم الروحي لحركة "حماس" على كرسي متحرك في طريقه لأداء صلاة الجمعة في المسجد بمدينة غزة يرافقه حارسه، في 30 يناير 2004

الاغتيال السياسي... هل يغير موازين القوى أم يكرسها؟

ذات يوم، كان الإرهابيون يحتكرون مهمة اغتيال الشخصيات البارزة. فبين عامي 1894 و1901، أقدم أفراد تحركوا باسم "الأناركية" (أو الفوضوية) على اغتيال رئيس فرنسا، ورئيس وزراء إسبانيا، وإمبراطورة النمسا، وملك إيطاليا، وصولا إلى الاغتيال الأشد دويا: اغتيال رئيس الولايات المتحدة.

وعقب اغتيال الرئيس ويليام ماكينلي في بوفالو بولاية نيويورك عام 1901، قادت حكومة الولايات المتحدة ما يمكن عده أول جهد دولي منظم لمكافحة الإرهاب. كما عملت واشنطن ودول أخرى على تشديد الإجراءات الأمنية حول القادة السياسيين البارزين. وفي الولايات المتحدة، بدأت الخدمة السرية حراسة الرؤساء بصورة دائمة عام 1902.

إلا أن حماية الشخصيات البارزة لم تجعل الاغتيالات التي تنفذها جهات غير حكومية أمرا مستحيلا. ففي أكتوبر/تشرين الأول 1934، وفي حادثة وثقتها الكاميرات في حينها، قتل شخص مسلح الملك ألكسندر الأول، ملك يوغوسلافيا، ووزير الخارجية الفرنسي لويس بارثو في مرسيليا بفرنسا، (يمكن مشاهدة التسجيل هنا). وبعد ذلك بعقود، اغتال لي هارفي أوزوالد الرئيس جون إف كينيدي في دالاس بولاية تكساس في نوفمبر/تشرين الثاني 1963.

غير أن الموارد الأكبر التي كرستها الدول لحماية قادتها جعلت تنفيذ هذا النوع من الهجمات على يد جهات غير حكومية أشد صعوبة بكثير. والمفارقة أن الجهات الأقدر على اغتيال الشخصيات ذات الثقل السياسي كانت الدول نفسها، بما تمتلكه من موارد ونفوذ وخبرة يمكن تسخيرها لملاحقة خصومها. ومنذ القرن العشرين حتى اليوم، برز نمطان رئيسان من الاغتيالات التي تقف وراءها الدول. في النمط الأول، يجري قتل زعيم أو شخصية سياسية بارزة بصورة علنية على يد أجهزة دولة، فتكون المسؤولية واضحة، بل قد يكون الهدف منها أصلا إيصال رسالة سياسية. أما النمط الثاني، فتتداخل فيه غالبا الحدود بين فعل الدولة وفعل الجهات غير الحكومية، أحيانا بهدف طمس المسؤولية وإبعادها عن الجهة التي تقف وراء العملية.

ويندرج الاغتيال الأشد أثرا في القرن العشرين ضمن هذا النمط الأخير، وهو اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند وزوجته في سراييفو في يونيو/حزيران 1914، الشرارة التي أشعلت الحرب العالمية الأولى. ورغم أن غافريلو برينسيب، أحد القوميين البوسنيين الستة الذين كانوا في المدينة ذلك اليوم لتنفيذ العملية، هو من أطلق الرصاصات القاتلة، فإنّه وفريقه تلقوا دعما كبيرا من أجهزة الدولة الصربية.

على مدى عقود، وفي ما بدا نهجا راسخا في إدارة الدولة، اغتالت إسرائيل ما يزيد بكثير على مئة من خصومها، من مسؤولين صغار إلى قادة سياسيين بارزين

على امتداد القرنين العشرين والحادي والعشرين، تميزت دولتان بقدرة لافتة على اغتيال القادة السياسيين، مستخدمتين النهجين العلني والخفي على السواء. الأولى هي روسيا، وسلفها الاتحاد السوفياتي. ففي أغسطس/آب 1940، نجحت مؤامرة معقدة دبرتها المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية في تمكين أحد عملائها من الاقتراب بما يكفي من ليون تروتسكي، العدو السياسي الأبرز لستالين، وقتله بضربة فأس جليد على رأسه في مكسيكو سيتي.

ومنذ نهاية الحرب الباردة، ولا سيما بعد وصول فلاديمير بوتين، الضابط السابق في جهاز الاستخبارات "كي جي بي"، إلى الرئاسة، توالت عمليات اغتيال طالت خصوما سياسيين لروسيا، إما بأيدي الاستخبارات الروسية مباشرة، أو عبر وكلاء تحركوا لحسابها.

أ.ف.ب
منزل ليون تروتسكي بعد محاولة اغتيال الزعيم الشيوعي الروسي المنفي على يد مجموعة تضم أكثر من 20 رجلاً مسلحين ببنادق رشاشة وقنابل حارقة، مدينة مكسيكو في 26 مايو 1940

وقد انتهت حياة قائمة طويلة من أعداء الدولة الروسية في أكثر من بلد. ومن بين هؤلاء سليم خان يندرباييف، الرئيس الشيشاني السابق، الذي اتهمته روسيا بالتورط في الإرهاب، بما في ذلك حادثة احتجاز الرهائن الشهيرة في أحد مسارح موسكو عام 2002. وفي عام 2004، وبينما كان في قطر سعيا إلى حشد الاعتراف بجمهورية شيشانية مستقلة، قُتل في تفجير سيارة مفخخة. ولاحقا، أدانت محكمة قطرية روسيين اثنين بالجريمة، وربط القاضي الذي ترأس المحاكمة ما فعلاه بالدولة الروسية.

أما الدولة الأخرى التي دأبت على تنفيذ الاغتيالات، وعلى نطاق أوسع من الدولة الروسية، فهي إسرائيل. فعلى مدى عقود، وفي ما بدا نهجا راسخا في إدارة الدولة، اغتالت إسرائيل ما يزيد بكثير على مئة من خصومها، من مسؤولين صغار إلى قادة سياسيين بارزين. بل إن ستيفن سبيلبرغ خصص فيلما كاملا لفرقة اغتيالات تابعة للموساد، أرسلت لتصفية المتورطين في الهجوم الإرهابي الذي استهدف الفريق الإسرائيلي خلال دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972.

للولايات المتحدة بدورها باع طويل في عمليات الاغتيال. ففي ستينات القرن العشرين، حاولت وكالة الاستخبارات المركزية اغتيال الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عبر سلسلة من المخططات الطائشة

ومن بين الشخصيات البارزة التي اغتالتها إسرائيل الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة "حماس"، الذي كان مقعدا ويتنقل على كرسي متحرك، إذ قتلته بصاروخ عام 2004. وقبل ذلك، في عام 1997، دس الموساد السم لخالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" آنذاك، في عملية أخفقت وانتهت إلى تقديم الترياق الذي أنقذ حياته. وكاد مشعل يلقى حتفه مرة أخرى في سبتمبر/أيلول 2025، عندما شنت إسرائيل هجوما جويا استهدف قادة "حماس" المقيمين في قطر.

وربما منحتها تجاربها السابقة، إلى جانب اتساع دائرة الدول التي تلجأ إلى الاغتيالات، جرأة أكبر على المضي أبعد. ففي عام 2024، اغتالت إسرائيل في بيروت زعيم "حزب الله"، حسن نصرالله، قبل أن ينهي سلاحها الجوي هذا العام حياة "المرشد" الإيراني، علي خامنئي.

ومع أن إسرائيل وروسيا تتصدران العالم في اغتيال الخصوم، فإن دولا أخرى نفذت أعمالا مماثلة. فعلى مدى عقود، استهدفت كوريا الشمالية عددا من السياسيين الكوريين الجنوبيين في عدة عمليات، من بينها محاولتان فاشلتان لاغتيال رئيس كوريا الجنوبية آنذاك في عامي 1968 و1983.

وللولايات المتحدة بدورها باع طويل في عمليات الاغتيال. ففي ستينات القرن العشرين، حاولت وكالة الاستخبارات المركزية اغتيال الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عبر سلسلة من المخططات الطائشة، كان من بينها سيجار مسموم. وفي عام 1961، أرسلت الوكالة أحد علمائها إلى الكونغو حاملا حقيبة مليئة بالسموم لقتل السياسي البارز باتريس لومومبا، غير أن الجيش الكونغولي سبقه إلى قتله قبل أن تُنفذ المؤامرة.

وعندما كُشفت في أوائل سبعينات القرن العشرين تفاصيل محاولات اغتيال كاسترو، ضمن سلسلة فضائح طالت جهاز الاستخبارات الخارجية الأميركي، أصدر الرئيس جيرالد فورد عام 1976 الأمر التنفيذي رقم 11905، الذي حظر على وكالات الحكومة الأميركية الانخراط في الاغتيالات السياسية في أي مكان من العالم. ثم أصدر الرئيسان اللذان خلفاه، جيمي كارتر ورونالد ريغان، صيغتين خاصتين بهما من الحظر نفسه.

جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 لتطيح بما تبقى من قيود على الاغتيالات التي تقوم بها الدولة الأميركية

لكن السؤال الأهم هو إلى أي حد استطاعت هذه القرارات فعليا كبح محاولات الاغتيال. ففي مارس/آذار 1985، انفجرت سيارة مفخخة في بيروت استهدفت تصفية رجل دين شيعي بارز على صلة بـ"حزب الله". وقد أخطأت العبوة هدفها المقصود، لكنها أودت بحياة 80 شخصا. وقد زعم الصحافي بوب وودوارد في كتابه "الحجاب" أن وكالة الاستخبارات المركزية كانت وراء رعاية الهجوم.

وبعد ثلاثة عشر شهرا من كارثة بيروت، وجّه سلاح الجو الأميركي ضربات إلى ليبيا ردا على ما قيل إنه تورط ليبي في هجوم إرهابي استهدف أفرادا من القوات الأميركية في برلين الغربية. وكان من بين الأهداف مقر إقامة الزعيم الليبي معمر القذافي، بعدما أقرت إدارة ريغان بأن إمكانية مقتله في الهجوم كانت كبيرة، إلى حد أن بيانا صحافيا أُعد مسبقا تحسبا لإعلان وفاة الزعيم الليبي.

رويترز
امرأة تحمل صورة المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، إلى جانب صورة المرشد الراحل علي خامنئي، في طهران، إيران، 11 مارس 2026

ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 لتطيح بما تبقى من قيود على الاغتيالات التي تقوم بها الدولة الأميركية. وحتى قبل تلك الهجمات، كانت إدارة كلينتون قد أطلقت عام 1998 صواريخ كروز في محاولة لقتل أسامة بن لادن في أفغانستان. وبعد 11 سبتمبر، تحول "القتل المستهدف" إلى ممارسة معتادة في السياسة الأميركية، شملت ضربات بطائرات مسيرة وعمليات خاصة من النوع الذي أنهى في نهاية المطاف حياة بن لادن عام 2011.

وبالنظر إلى شيوع الاغتيالات التي تنفذها الدول، بما في ذلك اغتيال شخصيات ذات ثقل سياسي، قد يبدو أن هذه الأساليب تحقق أثرا استراتيجيا. غير أن إثبات هذا الافتراض ليس سهلا. فحجم الاغتيالات الإسرائيلية، إلى جانب استمرار إسرائيل في خوض حرب على جبهات متعددة في عام 2026، يجعل من الصعب معرفة ما إذا كانت عمليات القتل هذه قد أحدثت فارقا فعليا. فبدلا من أن يؤدي قتل العدو إلى إزالة التهديد، قد لا يفضي إلا إلى مضاعفته وخلق مزيد من الأعداء.

font change