ديفيد هوكني العائد من النورماندي بانطباعية معاصرة

الفنان الذي تحدى الأعراف الفنية النخبوية

عمل لهوكني

ديفيد هوكني العائد من النورماندي بانطباعية معاصرة

ديفيد هوكني ليس كسواه من الرسامين البريطانيين الذين تمكنوا من اختراق حدود المحلية والوصول إلى العالمية، فهو الوحيد الذي أنصف فنه حين وضعه في متناول الناس العاديين محتفظا بقيمته الجمالية التي لا يخالطها الشك.

وهو من طريق ذلك الموقف نجح في فضح العقدة التي شيدت على الفكرة التي روج لها الكثيرون والتي تزعم أن الفن الحقيقي والأصيل يجب أن يكون غامضا وصعب الفهم ولا يتعامل مع تفاصيل الحياة اليومية وينأى بنفسه عن العالم المتاح بصريا للآخرين.

في بيانه الصحافي الذي أصدره لمناسبة معرضه الجديد "عام في النورماندي وبعض الأفكار الأخرى حول الرسم" الذي تشهده "قاعة سربنتين" بلندن يقول هوكني "أعتقد أن واجبي كفنان هو التغلب على جفاف اليأس وتخفيف وطأته. إن النظر إلى الأشياء من منظور جديد يعني الشعور بها". ولأنه قال في وقت سابق إن "الفن يجب أن يكون متعة عميقة"، لا يزال الفنان الذي يقترب من سن التسعين (ولد عام 1937) وفيا لمنهجه الذي هو في الوقت نفسه طموحه وتواضعه في مواجهة آلة الإعلام التي حاولت بغطرسة وتعال في مناسبات كثيرة أن تقلل قيمة تجربته الفنية، بحيث وهب أحد النقاد في صحيفة "غارديان" معرضه الحالي نقطتين من خمس نقاط وهو ما يعني فشله. ذلك لا يمت الى الحقيقية بصلة. لم أستطع تصوير لوحات ذلك المعرض بعناية بسبب كثافة الجمهور التي كانت تبدو عليه ملامح الشعور بالمتعة والإثارة والإنبهار لما يراه من مشاهد طبيعية أضفى عليها هوكني الكثير من عاطفته التي عدها الكثيرون من قبل عيبا.

ما فعله هوكني في هذا المعرض يتطلب فنانا من طراز خاص، عميق الرؤية قوي البنية ومسترسل في عاطفته

ما فعله هوكني في هذا المعرض يتطلب فنانا من طراز خاص، عميق الرؤية قوي البنية ومسترسل في عاطفته. على الطريقة الصينية التي تعود إلى القرن الحادي عشر، رسم جداريته التي تمتد على مساحة يبلغ طولها أكثر من 300 قدم. ذلك هو عمله الذي أنجزه عام 2000 عن الفصول الأربعة وعنوانه "عام في النورماندي" بتقنية الرسم على "الآيباد" حيث أنتج مئة لوحة رقمية على طريقة الانطباعيين في أسلوبهم في ملاحقة تغيرات الطبيعة حسب الفصول.

من معرض هوكني

أفكار أخرى عن الرسم

مع كل معرض جديد يقيمه هوكني، يعيد إلى الأذهان مقولة الفتى الذي أعاد إحياء الرسم الحديث من خلال ولعه بأشكال الجمال التقليدية. لم يلتفت إلى ما يحدث من حوله من حركات فنية متمردة كانت تهدف بشكل أساس إلى ربط الفن بالسياسة وشعاراتها. كانت ثقته بالجمال، وإن أكسبته نوعا من العزلة، مصدر طمأنينة إلى أن الفن النبيل قادر على مقاومة حالة الطوارئ التي فرضتها الحروب والصراعات الطبقية. أيعني ذلك أن هوكني نجا بفنه على حساب إنسانية وضعت رهان التغيير في سلة السياسة، من جهة كونها ممارسة للوصول إلى نوع من العدالة الاجتماعية؟ ذلك سؤال يحمل في طياته الكثير من الألغام التي ما كان لهوكني وفنه أن يتعرضا لخطرها لأنهما يقفان في مكان بعيد.

مشهد طبيعي لهوكني

في كل مراحله، كانت المرحلة التي أقام فيها بكاليفورنيا أهمها، احتفت أعماله بالمشاهد المنزلية بما تضمنته من حياة هادئة ومرفهة كانت انعكاسا لقفزة اقتصادية شملت تداعياتها الايجابية الجميع بعد خمسينات القرن الماضي على الرغم من أن هوكني نفسه لم يعبأ كثيرا بما كان الآخرون يعتبرونه كابوسا. علاقته بالرسام الإيرلندي البريطاني فرنسيس بيكون (1909 ــ 1992) كانت وثيقة وفي الوقت نفسه ربطته صداقة عظيمة بالرسام النمساوي البريطاني لوسيان فرويد (1922 ــ 2011)، وهما الرسامان اللذان انطوت أعمالهما على قلق وجودي حاد على الرغم من اختلافهما الأسلوبي في معالجته. نظر هوكني بإعجاب ومحبة إلى تجربتي صديقيه غير أنه لم يتأثر بهما. أسره أن يستمر في شفافيته ولم يكن استعراضيا في نقائه وهو ما يجعل من تجربته الشخصية بوصلة للتعبير عن طريقة نظره إلى العالم.

احتفت أعماله بالمشاهد المنزلية بما تضمنته من حياة هادئة ومرفهة كانت انعكاسا لقفزة اقتصادية شملت تداعياتها الايجابية الجميع بعد خمسينات القرن الماضي

إلى جانب جداريته الرقمية "عام في النورماندي"، قدم هوكني في معرضه الحالي عشر لوحات رسمها عام 2025 هي ما عبر عنها في عنوان المعرض بـ"أفكار أخرى حول الرسم". الأعمال التي تميزت ببساطة ساحرة، كانت صادمة من جهة كونها تمثل مشهدا واحدا لم تتغير فيه سوى الألوان وهي ألوان الغطاء الذي فرش على المنضدة. أعاد هوكني رسم الطاولة نفسها عشر مرات من غير أن تكون اللوحة نفسها. ستكون دعابته المرحة بمثابة إنكار لسخرية الآخرين بكل ما انطوت عليه تلك السخرية من كوابيس.

هوكني الذي لا يقلَّد

في اللوحات المربعة العشر يظهر المشهد نفسه. طاولة مغطاة بقماش مقَلَّم. ذلك هو العنصر الثابت الذي يحتل الجزء الأكبر من اللوحة. الاختلاف بين لوحة وأخرى لا يكمن في تفاصيل صغيرة بل في المزاج الذي يجعل منها مناسبة لاحتفال هادئ غير أنه مفعم بالعاطفة. ذلك هو أسلوب هوكني في التعبير عن حبه لأصدقائه وجيرانه والأشياء المحيطة به والتي تشكل عالمه الحسي. كل لوحة هي أشبه بقصيدة لا تقول الشيء نفسه على الرغم من أن شاعرها قد استعمل الكلمات نفسها كلما كتبها من جديد. يغير الفنان الوان غطاء الطاولة مثلما يفعل حين يغير ملابسه. أما الشخص الجالس بحياد وراء الطاولة فإنه لا يقلق الفضاء بحضوره بقدر ما يضفي على المشهد شيئا من الدعابة التي يحتاجها المرء من أجل أن يفهم سر تلك البساطة التي استطاع هوكني من خلالها أن يخلق عالما آسرا بعاطفته التي ظلت رفيعة المستوى ولم تهبط إلى مستوى التودد إلى الجمهور.

عمل لهوكني

كان هوكني قد أمضى زمنا طويلا في تأثيث عزلته الوجودية بأشياء عادية مستعارة من حياته اليومية، وهذا ما جعل من لوحاته مفردات في فلسفة عيش صارت بالنسبة لمحبي أعماله مفتاحا لإدراك الجمال الذي تنطوي عليه حياتهم في يومياتها التي تتكرر. هوكني في لوحاته التي نفذها بالأكريليك على القماش يقدم عينة من محاولته البصرية في تحويل اللمسات العاطفية الصغيرة إلى مفاهيم، سيكون من اليسير الوصول من خلالها إلى فهم أسرار السحر والفتنة التي تنطوي عليها أعماله. هوكني بسيط غير أنه لا يُقلَّد.

العين التي لا تنسى بهجتها

بدأ ديفيد هوكني الرسم من خلال "الآيباد" عام 2010. أثار يومها حيرة جمهوره الذي لم ير في ذلك الأسلوب نوعا رفيعا من الممارسة الفنية، حتى أن البعض وصفه بالمبتذل. في معرض كبير أقامه في ما بعد، كشف هوكني عن كفاءة ذلك الوسيط الفني ومهارته في التعبير الغني بجماليات جديدة. منذ ذلك اليوم بدا واضحا أن الفنان الذي أغرق عالمه بالمرح والخفة، قد اهتدى إلى تقنية، هي ابنة القرن الحادي والعشرين غير أنها في الوقت نفسه ساعدته كثيرا في استنطاق نزعته الانطباعية التي عبر من خلالها عن انهماكه في تصوير المحيط بكل عناصره المتغيرة.

من معرض هوكني

كان هوكني يرسم كمن يرعى أحلامه الشخصية، فحول كل ما رآه إلى خزانة ثيابه الشخصية. ذلك ما يحسب له كونه الفنان الذي تصرف بالطبيعة على هواه مخالفا كل الأساليب الفنية التي سادت في عصره مخلصا لنزعة شخصية، أخضعت الموضوع للذات المتأملة.

ذلك ما يحسب له كونه الفنان الذي تصرف بالطبيعة على هواه مخالفا كل الأساليب الفنية التي سادت في عصره

في معرض "عام في النورماندي"، تبدو الطبيعة من خلال تحولاتها ما بين الفصول الأربعة كأنها من تأليف هوكني. لا شيء يسر مثل تلك النتيجة التي تؤكد حضور روح الرسام في لحظة التحول تلك. صحيح أن هوكني تتبع ما يتركه الانتقال من فصل إلى آخر من أثر على الطبيعة كما فعل الانطباعيون تماما، غير أنه لم ينس أن يترك أثره على كل تفصيل من تفاصيل المشهد الطبيعي، وهذا ما لن تخطئه العين التي تستغرق في تأمل ذلك العالم المبهج.

font change