عن تريسي أمين التي بيع سريرها بربع مليون جنيه

فنانة مفاهيمية تقول كل شيء وتتحدى صورة الضحية

ADRIAN DENNIS / AFP
ADRIAN DENNIS / AFP
الفنانة البريطانية تريسي أمين إلى جانب عملها "نهاية الحب" خلال عرض تمهيدي لمعرضها "تريسي إمين: حياة ثانية" في "تيت مودرن" بلندن، 23 فبراير 2026

عن تريسي أمين التي بيع سريرها بربع مليون جنيه

عام 1999 حين عرضت الفنانة البريطانية تريسي أمين عملها "السرير" باعتباره واحدا من الأعمال الفنية الخمسة المرشحة لنيل "جائزة تيرنر"، كبرى الجوائز الفنية في بريطانيا، فوجئ الجميع بل صدموا. كان السؤال الأهم الذي أجابت عنه امين بالنفي الشفاف هو: "أليس هناك مسافة معلومة بين ما هو شخصي وما هو عام؟".

"حياة ثانية" هو عنوان المعرض الاستعادي الذي يقيمه "تيت موديرن" بلندن لتريسي أمين ويمكن الاسترشاد به من أجل فهم المعاني الخفية التي تستمد منها الظاهرة عناصر قوتها بجملة كتبتها تريسي أمين: "إذن، حياتي الثانية هي هذه، الآن. أحيانا أعتقد أنني مت، وهذه هي الجنة. وجنتي هي ما أصنعه".

بغض النظر عن الخلافات بين نقاد الفن ومروجيه التي سببها ظهور تريسي أمين (1963)، فإنها اليوم تعد ظاهرة ثقافية تشير إلى مزاج فني معاصر وصولا إلى أن إحدى الصحف البريطانية وصفتها لمناسبة معرضها الاستعادي بـ"إنها أيقونة، أشهر فنانة في بريطانيا. لقد شكلت جيلا. وصدمت أمة وغيرت مفهوم الفن. منذ أوائل التسعينات، وهي تصنع فنا خاما، عميقا وصادقا وعاطفيا إلى درجة أنه يجبرك على الشعور بما تشعر به".

استفادت من ثغرة في الفن المعاصر اكتشفت من خلالها واقعا رخوا صنعه فكر ما بعد الحداثة الذي أحل الفكرة محل الجمال

إذا كان المرء يبحث عن الجمال في الفن فإنه لن يجده في هذا المعرض. لا تنتمي تريسي أمين إلى الفنانين الذين يثقون بجمال الحياة أو أنهم يؤمنون بأن في إمكان الفن أن يقلل شعورنا بعبث العيش. في سياق الفن المفاهيمي الذي ينتمي إلى الفنون المعاصرة، فاجأت الفنانة التي صنعت خيمة لخلواتها العاطفية جمهور الفن ونقاده باعترافها بتفاصيل حياتها الشخصية التي كانت عبارة عن فضائح لطالما عمد الآخرون إلى طمسها في محاولة للدفع بها إلى النسيان. ما فعلته أمين أنها جعلت من فضائحها الشخصية مادة لفنها.

بين الأيقونة والظاهرة الدعائية

ما الذي يبحث عنه الجمهور وهو يقف في طابور من أجل قراءة مذكرات تريسي امين التي صفت أوراقها على الحائط كأنها لوحات؟ ذلك المشهد الافتتاحي يهبنا أفكارا مهمة عن عالم الفنانة الذي يبدو مركبا من الخارج كأنه علبة تغص بالمفاجآت. ليس ذلك العالم صعبا على الفهم إذا ما تمكن المرء من تفكيك عناصره من خلال العودة إلى الرؤية الفنية التي تبنتها الفنانة التي تشغل مكانا مهما في الأكاديمية الملكية للفنون، من أجل أن تضع الفن في خدمة حياتها الشخصية. وقد لا يكون كل شيء حقيقيا، لكن الحكايات التي ترويها أمين يمكن تصديقها بدءا من ظاهرة التنمر الذي تعرضت له في طفولتها ومراهقتها، هي التي تنتمي إلى عائلة، الأب فيها تركي قادم من قبرص والأم بريطانية من أصول غجرية، وانتهاء بتداعيات عمليات الاجهاض بعد علاقات حب فاشلة، مرورا بإدمان الكحول والمخدرات الذي كان سائدا بين أوساط الفنانين الشباب في تسعينات القرن الماضي.

ADRIAN DENNIS / AFP
الفنانة البريطانية تريسي أمين إلى جانب أحد أعمالها خلال عرض تمهيدي لمعرضها في "تيت مودرن" بلندن، 23 فبراير 2026

"حولت المعاناة إلى منحوتات والإهانات إلى شعر والألم إلى فن"، ذلك ما يقوله منسقو المعرض، وهو ما يصدقه الجمهور المندفع بفضول للإنصات إلى صوت الضحية مستعيدا بإعجاب مسيرة الفنانة التي كافحت من أجل أن يصل صوتها لا من طريق جمعيات حقوق الإنسان أو المحاكم بل من طريق الفن المعاصر، اذ استفادت من ثغرة فيه اكتشفت من خلالها واقعا رخوا صنعه فكر ما بعد الحداثة الذي أحل الفكرة محل الجمال، وهو ما سمح للكثيرين من ذوي المواهب الضعيفة والناقصة في التحول إلى فنانين من خلال استعراض رؤاهم الفلسفية المتواضعة التي تقوم على تجارب العيش المباشر. بالنسبة إلى أتباع ذلك الفكر، فإن تريسي أمين تعد أيقونة، أما بالنسبة للباحثين عن الجمال فإنها لن تكون سوى ظاهرة دعائية يراد من خلالها تسويق اللافن على حساب الفن الحقيقي.

Daniel LEAL / AFP
زائر يلتقط صورة لعمل بعنوان "أريد وقتي معك" للفنانة تريسي أمين في محطة سانت بانكراس في لندن، 11 أبريل 2018

صورة الضحية خارج جغرافيا الفن

يضم هذا المعرض الاستعادي صورا فوتوغرافية شخصية التقطتها الفنانة والتقطها الآخرون لها، كما أنه يضم مخطوطات مذكراتها وهي تعترف بأشد الأفعال والوقائع حميمية، بالإضافة إلى لوحاتها ومنحوتاتها وأفلامها القصيرة التي تروي جزءا من حياتها، وهناك جناح لمحترفها الذي نقل بكل ما فيه من مواد وأدوات، وفي الحديقة الخارجية عرض عمل نحتي ضخم يمثل امرأة ممددة على العشب.

يعبر ذلك السياق الذي ارتبط بفضاء مزاج عصر عن روح متمردة على القيم الجمالية التي أرستها الحداثة الفنية

غير أن القاعة التي خصصت لعرض سريرها، هي الأكثر إثارة بالنسبة للجمهور. ليس في الإمكان اعتباره عملا فنيا محايدا. فالبعض قد لا يعتبره عملا فنيا أصلا. غير أنه ينتمي إلى الفن الجاهز الذي ابتكره مارسيل دوشان مع مبولته الشهيرة التي وقعها عام 1917.

NIKLAS HALLE'N / AFP
الفنانة البريطانية تريسي أمين وعملها الشهير "سريري"، خلال عرض في "دار كريستيز" بلندن، 27 يونيو 2014

حين يكون الحديث عن سرير تريسي، فإن ذلك يتعلق بعمل اشتراه "تيت مودرن" قبل سنوات بربع مليون جنيه إسترليني. واقعيا، يمكن شراء ذلك السرير بكل ملحقاته بألفي جنيه لا غير. لكنها معادلة ظالمة ومضحكة من وجهة نظر خبراء الفن الجاهزين للدفاع عن الفنون المعاصرة. ذلك السرير هو حاضنة حياة شخصية كانت مجالا حيويا لاعترافات لا يمكن تجاهلها، وفي الأخص أنها جاءت في سياق ثقافي. ذلك السياق الذي ارتبط بفضاء مزاج عصر، يعبر عن روح متمردة على القيم الجمالية التي أرستها الحداثة الفنية.

لذلك فإن النظر إلى أعمال الفنانين المعاصرين ومنها سرير تريسي من خلال معايير حداثوية، لا ينفع في الوصول إلى أحكام نقدية إيجابية، مع أو ضد تلك الأعمال. تلك مشكلة عبرت عنها الحيرة التي تتوزع بين الفن واللافن. ما الحل إذن؟ ليس في الإمكان الحديث هنا عن ذائقة جمالية شعبية سائدة. صحيح أن هناك وعيا جماليا شعبيا كرس الاهتمام بالعابر والزائل بحجة الدفاع عن فكرة العيش المباشر على حساب القيم الفنية المكرسة منذ عصر النهضة، غير أن الصحيح أيضا أن الفنانين المعاصرين ومنهم تريسي أمين، اخترعوا منطقة جديدة لممارساتهم ليست جزءا من الجغرافيا التي شهدت تحولات الفن في القرن العشرين على الأقل.

حكاية المرأة التي لا تخجل

ما يجب فهمه، أن التعاطف الذي عبر عنه الجمهور العريض مع أعمال تريسي أمين في معرضها "حياة ثانية"، إنما يدور حول كيف كشفت تريسي عن حياتها وفضحت نفسها ووضعت لحظاتها الحميمية تحت الضوء. سيقال إن ذلك الجمهور لا يعتد به في الحكم على قيمة الفنان. لقد وصف فن أمين بأنه فن اعترافي. ووصفه آخرون متبعين تصريحا لتريسي نفسها بأنه "مضاد للخجل". في الحالين تظل المبالغة في تكريس الفنانة من خلال حملة الدعاية التي أوصلتها إلى الأكاديمية الملكية للفنون، وهي من أرقى المؤسسات الفنية في بريطانيا، تمثل ظاهرة لا يستهان بخطورتها.

لا أحد ممن كتبوا عن معرضها قال كلمة واحدة عن الفن إلا باعتباره مناسبة للتعرف الى ما عانته في حياتها

لا تخفي تريسي شيئا. ذلك هو الأهم بالنسبة لمروجي فنها. لا أحد ممن كتبوا عن معرضها قال كلمة واحدة عن الفن إلا باعتباره مناسبة للتعرف الى ما عانته في حياتها. وقد بدا نوعا من المجازفة الخوض في مسألة القيم الفنية في مواجهة ذلك الاسترسال في تعظيم ظاهرة الاعتراف التي صنعت من تريسي أمين نجمة تلفزيونية. المرأة التي تقول كل ما يرد على لسانها من غير خجل. تلك الهالة الاجتماعية هي التي مهدت الطريق أمام الفنانة لكي تكون من هي عليه اليوم. قبل سنوات أقيم في لندن معرض مشترك جمع تريسي بلويزا بورجوا، وهي واحدة من أهم ما تبقى من المدرسة السوريالية. كانت لويزا (1911 ــ 2010) يومها ميتة وهو ما يسر لتريسي أمين أن تقف معها على خط واحد. كان ذلك المعرض جزءا من الحكاية.  

font change

مقالات ذات صلة