البرازيلية بياتريس ميلازس في ما وراء الأفق

تستعين بثقافة بلدها لتؤسس جماليات عالمية

White Cube
White Cube
من أعمال بياتريس ميلازس في معرض "ما وراء الأفق"

البرازيلية بياتريس ميلازس في ما وراء الأفق

لدى النظر إلى أعمال الفنانة التشكيلية البرازيلية بياتريس ميلازس Beatriz Milhazes، تنبعث في الذاكرة مشاهد صارت جزءا من التاريخ الخيالي للرسم حول العالم، بدءا من لوحات البورتريه الخشبية للفنان الياباني هوكوساي (1760-1849) وانتهاء بزهور الأميركي سي نومبلي، مرورا بدوائر التجريدي الفرنسي روبرت ديلوني (1885 ــ 1941) وزهرة عباد الشمس لفنسنت فان غوغ (1853 ــ 1890)، إضافة إلى ما فعله هنري ماتيس (1869 ــ 1954) حين لجأ من خلال عمليات القص واللصق إلى اختراع عالم نباتي يتشبه بالزخرفة من غير أن يكون زخرفيا، وبالأخص حين صمم كيمونو يابانية تُذكر بهوكوساي.

وضعت ميلازس ذاكرتها البصرية في المنجم الذي تستخرج منه مفردات إلهامها، فغزت المتاحف والصالات العالمية، مطمئنة إلى أنها تضع قدميها على أرض صلبة. فهي أولا تنعم برؤية الفائض الجمالي في أعمال من سبقها من الفنانين، وهي ثانيا تسعى إلى تطوير مصادر إلهامها من خلال تقنية جديدة. كل شيء في عالمها يخضع للهندسة، لكنها هندسة لا تتخلى عن خيالها. فالرياضيات ليست كل شيء، هناك شيء من الشعر يُلحَق بها.

ترسم ميلازس أشكالا بيضاوية، ودوائر متحدة المركز، وخطوطا متموجة. ينفذ هذا الحوار بين الشكل والأرضية من خلال عملية النقل الأحادي المميزة التي تعتمدها الرسامة، حيث تُرسم الزخارف على ألواح من البلاستيك الشفاف، ثم تُنقل، بعد جفافها، بشكل معكوس على القماش. يمثل هذا الحوار بين الشكل والأرضية، انعطافا جديدا في وساطة ميلهازس بين اللون والشكل، كأنها تحمل عصا عصرية تضرب بها الأشكال لتصبح جزءا من الصورة التي تنسج إيقاعها المندفع بقوة مفرداتها.

White Cube
من أعمال بياتريس ميلازس في معرض "ما وراء الأفق"

لن تكون حسابات العين الخبيرة ملزمة، حين يكون النظر إلى الأعمال الفنية ممتعا إلى حد كبير، وهو ما تفعله أعمال ميلازس.

جماليات الفوضى المغيبة

تؤكد بياتريس ميلازس من خلال معرضها، "ما راء الأفق"، الذي يقيمه "وايت كيبوب" في "ماسونز يارد" بلندن، أنه يمكن إضفاء الطابع الشخصي على أية مفردة مستعارة، إذا ما عولجت في سياق خيالي مختلف. وقد اعترفت المتاحف العالمية، وفي مقدمها متحف "غوغنهايم" بنيويورك، بأصالة أعمالها، وهذا ما أهلها من وجهة نظر نقاد الفن أن تكون أكثر فنانات البرازيل نجاحا. فما معنى ذلك؟

لوحات ميلازس تسر النظر وتأثيرها لا يتوقف عند حدود لحظة المشاهدة، ذلك لأنها تتحول إلى سؤال

في صالة العرض الرئيسة، غطت الفنانة ثلاثة جدران، من الأرض حتى السقف بعمل واحد، تكررت مفرداته في لعبة مرايا كانت حاضرة على هيئة أوراق، في حين تُرك الجدار الرابع، بما يذكر بدوائر ديلوني التي رسمها قبل أكثر من مائة عام. سيكون ذلك حكما نقديا لا قيمة له، مقابل قوة التأثير البصري التي تنطوي عليه اللوحة التي تتمدد على الجدران الثلاثة. 

يمكن المرء أن يخرج من المعرض مكتفيا بدهشته التي ستهبه نهارا سعيدا. لوحات ميلازس تسر النظر وتأثيرها لا يتوقف عند حدود لحظة المشاهدة، ذلك لأنها تتحول إلى سؤال.

ففي الوقت الذي يشعر المرء فيه بأنه محاط بعالم نباتي، مادته مستعارة من غابات البرازيل البدائية، يتمتع بكل الخلاصات التي انتهى إليها الفن الحديث في الغرب. تتمتع ميلازس بقدرة لافتة على توليد الأشكال، بعضها من بعض، مع الحرص على ألا تتداخل الأشكال إلا نادرا. وهو ما ساعد في أن تتأمل الأشكال بطريقة مريحة وصافية تثير الكثير من المتعة البصرية.

نحن نتأمل أشكالا التقطت سليمة من فوضى وجودها، من غير أن يلحق بها ضرر. أما دور الفنانة فيبدأ بطريقة النظر إلى تلك الأشكال وتوظيفها في سياق حداثوي.

لعبة معقدة مادتها الأشباح

تكسر بياتريس ميلازس الحدود بين التجريدي والتصويري والفن الرفيع والباهت. تشير لوحات ميلازس الكبيرة الحجم إلى مجموعة متنوعة من الأنماط الجمالية يعود بعضها إلى المنسوجات التقليدية المستعارة من ثقافات مختلفة، إضافة إلى ما تكشف عنه من فهم عميق لعناصر بناء اللوحة الحديثة.  

White Cube
من أعمال بياتريس ميلازس في معرض "ما وراء الأفق"

بالنسبة إلى الفنانة التي احتفت بأعمالها متاحف عالمية عديدة كما أشرنا، فإن هياكلها المعقدة تخلق مصدرا رائعا للزخارف استنادا إلى الحقيقة التي تؤكد الانتظام الداخلي للطبيعة. وفي ذلك تتقاطع ذخيرتها البصرية الخاصة من الدوائر والخطوط والأمواج والزهور مع الألوان والأنماط المستمدة من تلك المنسوجات.

ذلك ما يكشف عمق علاقة الرسامة بالممارسات السحرية السائدة في بلدها التي يلجأ من خلالها إلى استعمال علامات ورموز وجدت طريقها إلى النسيج التقليدي

تتكون مجموعات الألوان المذهلة من ضربات فرشاة قصيرة على حقول ألوان أحادية الطباعة. وتنتج هذه التركيبات النابضة بالحياة من شبكة أساسية وقرارات مدروسة، تعكس محاولة التقاط المرجعيات التشكيلية التي تستمد منها المفردات طاقتها الجمالية في التأثير البصري.

تلك لعبة معقدة سعت الفنانة إلى تفكيك عقدها لكي تنفرد بالأشكال التي تنتج منها وتضفي عليها طابعها الشخصي. فهي ترسم أشكالها التجريدية كأنها تستحضر الكائنات البشرية التي سبق لها تقمصها على هيئة ثياب، وهو ما يسميه النقاد بالسلوك الظني، بمعنى الإيحاء بالتشخيص من غير ملامسته أو الاقتراب منه.

ذلك ما يكشف عمق علاقة الرسامة بالممارسات السحرية السائدة في بلدها التي يلجأ من خلالها إلى استعمال علامات ورموز وجدت طريقها إلى النسيج التقليدي. ولعل ميلازس لم تكن في حاجة إلى تأكيد هوية فنها الوطنية حين جلبت تلك العلامات والرموز إلى اعمالها، بقدر ما كانت مدفوعة بقوة رغبتها في أن تكسب عالمها الداخلي سمة عالمية. في هذه الحالة سيكون مفهوما لمَ أعتبرت الفنانة البرازيلية الأكثر شهرة في العالم.

فضاء عالمي

"لطالما كان التحدي الذي أواجهه هو نفسه. أنا مهتمة بالحياة وبيئتي، ولكن لجعلها لوحة فنية، أحتاج إلى التفكير كفنانة هندسية ومفاهيمية في ممارستي الفنية في المرسم"، تقول ميلازس. في ثمانينات القرن الماضي، قادت جيلا جديدا من الفنانين ("جيراساو 80" أو جيل الثمانينات) الذين تبنوا الرسم في سياق الممارسات المفاهيمية في السبعينات.

White Cube
من أعمال بياتريس ميلازس في معرض "ما وراء الأفق"

تميزت هذه العودة إلى الرسم بمعرضها الرائد، "كيف حالك يا جيل الثمانينات؟"، عام 1984. تميزت تلك العودة بحرية في الحركة وتطوير فكرة المساحات الكبيرة للعمل، وأيضا في شكلٍ فني ثري ومتكامل من الفن البرازيلي المتأثر بالحداثة الأوروبية والباروك وحركات التمرد الحداثوي في أواخر عشرينات القرن العشرين.

"الهندسة اللونية الحرة"، هي ما فتنت به ميلازس وكان طريقها إلى ما أسمته لاحقا بالمفاهيمية، في محاولة للانتقال من الحداثة إلى ما بعدها

فنانة من نوع ميلازس، تختصر المسافة بين ما هو محلي وما هو عالمي، ليست في حاجة إلى بيان لتؤكد برازيليتها. فالمساحة التي يحتلها فنها عالميا تكشف أن ارتباطها بالتقاليد الفنية الأوروبية ما كان يمكن أن يكون بهذا الغنى لو لم تجلب من خلال فنها أسرار حياة عظيمة عاشتها شعوب وهي تفتش عن أسرار جمالها.  "الهندسة اللونية الحرة"، هي ما فتنت به ميلازس وكان طريقها إلى ما أسمته لاحقا بالمفاهيمية في محاولة للانتقال من الحداثة إلى ما بعدها، أي إلى الفنون المعاصرة، وهذا ما صارت الفنانة تنجزه من خلال طريقة العرض.

White Cube
من أعمال بياتريس ميلازس في معرض "ما وراء الأفق"

ففي معرضها الحالي على سبيل المثل، تتجاوز مفهوم اللوحة وتتخلى عن الرسم التقليدي، أو على الأقل طريقة عرضه. هناك غرفة كبيرة هي عبارة عن لوحة واحدة. لوحة تنعكس مفرداتها بطريقة مرآتية، على الرغم من أن الفنانة استعملت المرايا على نحو مباشر، لكن بعدما وضعتها في أشكال بيضاوية ألصقت بتقنية الكولاج.  

يليق ببياتريس ميلازس أن يُقال عنها إنها ابنة البرازيل في فضائها العالمي.  

font change