هل تعيد روسيا تفعيل اتصالاتها مع "حماس"... أم تنتظر أكثر؟

تفتقر موسكو إلى أدوات تأثير حقيقية في المسار الفلسطيني

رويترز
رويترز
يجتمع كل من القياديين البارزين في حركة "حماس"، باسم نعيم وموسى أبو مرزوق، مع نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف لإجراء محادثات بشأن إطلاق سراح الرهائن الأجانب، وذلك في موسكو، 26 أكتوبر 2023

هل تعيد روسيا تفعيل اتصالاتها مع "حماس"... أم تنتظر أكثر؟

تكثف روسيا انخراطها في المسار الفلسطيني، بعدما علقت فعليا اتصالاتها مع حركة "حماس" في صيف عام 2025، في تطور لم يحظ باهتمام يذكر خارج موسكو.

وبحسب مصدرين قريبين من الأوساط الدبلوماسية، أسهمت ثلاثة عوامل مترابطة في تراجع اهتمام موسكو بالحركة الفلسطينية. أولها أن القيادة الروسية خلصت إلى أن الضغوط الإسرائيلية والأميركية على إيران، إلى جانب العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، أضعفت "حماس" وشتتت صفوفها إلى حد لم يعد معه دعمها مجديا.

وقال مصدر في وزارة الخارجية الروسية لقناة روسية بارزة على تطبيق "تليغرام" في فبراير/شباط 2025: "لقد أُضعفت (حماس) بشدة، وهي تسعى إلى الحصول على دعم موسكو. غير أن الكرملين سيختار على الأرجح الانتظار. وإذا توصل إلى اتفاقات مع دونالد ترمب، فسيتخلى عن دعمه لـ(حماس)".

أ ف ب
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (يمين) و المبعوث الخاص للرئيس الروسي، ميخائيل بوغدانوف، في بغداد يوم 16 مايو 2025، وذلك قبيل انعقاد القمة الرابعة والثلاثين لجامعة الدول العربية

علما أن فريق التفاوض الفلسطيني من "حماس"، قد توصل في الساعات الأولى ما بعد منتصف ليل الخميس- الجمعة، إلى اتفاق مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، بشأن الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي يتعلق بشكل أساسي بحصر سلاح الفصائل بقطاع غزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية. وهو اتفاق وصفه ترمب بـ"التاريخي".

أما العامل الآخر فكان إقالة ميخائيل بوغدانوف، أحد أبرز الخبراء الروس في شؤون العالم العربي، من منصبيه نائبا لوزير الخارجية ومبعوثا رئاسيا خاصا إلى الشرق الأوسط في 9 يوليو/تموز 2025، إثر فضيحة داخلية.

وعندما كان بوغدانوف في منصبه، حافظت موسكو على اتصالاتها مع "حماس" بشأن إطلاق سراح الرهائن الروس المحتجزين في غزة. كما أجرت مشاورات حول عدد من القضايا، من بينها التحضير لمؤتمر رفيع المستوى بشأن فلسطين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، أعيد تحديد موعده في نهاية المطاف ليعقد في 22 سبتمبر/أيلول 2025.

وبحسب المصدرين، لم تستأنف الاتصالات مع "حماس" إلا في يونيو/حزيران 2026، بمبادرة من جورجي بوريسينكو. وكان بوريسينكو قد عُين خلفا لبوغدانوف في فبراير/شباط 2026، وتولى مسؤولية ملفي الشرق الأوسط وأفريقيا في وزارة الخارجية الروسية.

وفي 10 يونيو/حزيران 2026، وصل موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي لـ"حماس"، إلى موسكو بدعوة من الوزارة، وحظي بما وصفه مصدر في وزارة الخارجية الروسية بأنه استقبال دافئ نسبيا.

بعد زيارة أبو مرزوق، ظهرت تقارير عن استياء مزعوم داخل وزارة الخارجية الروسية مما وُصف بنشاط المسؤول الحمساوي الشخصي و"الغريب"


وعقب المحادثات، قال أبو مرزوق لوسائل إعلام روسية إن "حماس" طلبت من موسكو عقد اجتماع جديد للفصائل الفلسطينية الرئيسة في العاصمة الروسية "لتسهيل المصالحة بينها".

غير أن مصدرا في وزارة الخارجية قال إن المبادرة جاءت في الحقيقة من موسكو، التي استخدمت أبو مرزوق لنقل مقترح يقضي باستئناف المفاوضات بين الفصائل الفلسطينية برعاية روسية.

وبعد زيارة أبو مرزوق، ظهرت تقارير عن استياء مزعوم داخل وزارة الخارجية الروسية مما وُصف بنشاط المسؤول الحمساوي الشخصي و"الغريب".

ونقلت قناة روسية على "تليغرام"، يتجاوز عدد مشتركيها نصف مليون، عن مصدر قوله: "على مدى ثمانية أشهر، واصل أبو مرزوق السعي بإلحاح للحصول على دعوة إلى موسكو، مدعيا أن لديه معلومات مهمة يريد نقلها إلى الجانب الروسي. غير أنه اتضح خلال الاجتماع الرسمي أن ممثل (حماس) لم يحمل معه أي جديد. وأعرب عن رغبته في فتح حوار مع محمود عباس، وطلب من موسكو التوسط بينهما... كما ناشد روسيا التدخل كدولة ضامنة في مسألة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، قائلا إنها لا تعترض على تسليم أسلحتها. وذكّره الممثل الروسي بأن روسيا عارضت مشروع القرار في مجلس الأمن لأنه يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة، وقال إنه لا يفهم لماذا يطلب أبو مرزوق من موسكو دعمه".

أ ف ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (الثاني من اليمين) ووزير الخارجية سيرغي لافروف (يمين) خلال لقائهما في مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس والأمين العام للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حسين الشيخ (يسار) في موسكو في أب 2024

وبحسب مصدر في وزارة الخارجية الروسية، أثار التسريب حيرة الدبلوماسيين العاملين على الملف الفلسطيني، لأنه لا يمت بصلة إلى ما حدث فعلا.

وقال المصدر: "بطبيعة الحال، يوجد داخل الوزارة من يؤيد قطع الاتصالات مع (حماس) تماما بسبب طبيعة الحركة. غير أن ما حدث يبدو أقرب إلى تسريب متعمد يخدم المصالح الإسرائيلية. ومن الواضح أن المنشور لم يغب عن انتباه الجانب الفلسطيني".

ولم يستبعد مصدر آخر أن تكون حركة "فتح" قد دبرت التسريب، ولا سيما شخصيات مقربة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس. ولا يزال عباس نشطا في اتصالاته مع موسكو، وقد زار العاصمة الروسية في يناير/كانون الثاني 2026 للقاء الرئيس فلاديمير بوتين.

وقالت المصادر إنه حتى إذا وافق الفلسطينيون على عقد جولة جديدة من المحادثات في موسكو، فإن معالجة المسائل البيروقراطية ستستغرق وقتا طويلا. ولذلك من غير المرجح أن يعقد الاجتماع قبل أواخر الخريف.

افتقار موسكو إلى أدوات تأثير حقيقية في مجرى الأحداث، إلى جانب استمرار تداعيات الحرب في أوكرانيا، يقوض فعليا أي محاولة للاضطلاع بدور مؤثر في المسار الفلسطيني


وفي 28 يوليو/تموز 2026، قالت آنا إيفستينييفا، نائبة الممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة، إن "خطة دونالد ترمب" ما تزال على الورق، وإن "مجلس السلام" لم يبدأ عمله بعد، فيما لم تُنشأ "قوة الاستقرار الدولية".

وقالت إيفستينييفا: "في جوهر الأمر، فإن جهود القيادة الأميركية لإحلال السلام على المسار الفلسطيني معلقة في الوقت الراهن".

غير أنه سيكون من الخطأ القول إن تجدد انتقادات موسكو للجهود الغربية وتشديدها على حال الجمود في الدبلوماسية الفلسطينية يشكلان غاية قائمة بذاتها.

رويترز
مشهد لمقر وزارة الخارجية الروسية ومركز موسكو الدولي للأعمال -المعروف أيضاً باسم "موسكو-سيتي"- من قبة كاتدرائية المسيح المخلص في موسكو، روسيا، 20 أكتوبر 2025

فقد بذلت روسيا في السابق جهودا دبلوماسية كبيرة تجاوزت التصريحات العلنية، وشملت مشاورات مع الكثير من أبرز الفاعلين في المنطقة. غير أن افتقار موسكو إلى أدوات تأثير حقيقية في مجرى الأحداث، إلى جانب استمرار تداعيات الحرب في أوكرانيا، يقوض فعليا أي محاولة للاضطلاع بدور مؤثر في المسار الفلسطيني.

وقال دبلوماسي روسي متقاعد عمل أكثر من عشرين عاما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: "بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، غدت (الوساطة بحسب الطلب)- في ظل حالات مطولة من عدم الاستقرار منخفض الحدة- إحدى أدوات الدبلوماسية الروسية في الشرق الأوسط".

ويصعب استخدام هذه الأداة في صراع محتدم، حيث تخاطر موسكو بإساءة التقدير والعجز عن تلبية التوقعات. كما يصعب توظيفها في الصراعات شديدة الاستطالة، حيث يتطلب تحقيق أي نتيجة، كما في سوريا، انخراطا مباشرا في مجريات الأحداث على الأرض.

وقال الدبلوماسي السابق: "إن رغبة الكرملين في مساعدة الفلسطينيين صادقة بالفعل. غير أن الظروف تجعل أي جهد في هذا الاتجاه يُفسر دائما، وسيظل يُفسر، على أنه محاولة لصرف الانتباه عن الحرب في أوكرانيا، والعمل ثقلا موازنا للولايات المتحدة، وإظهار تفكك النظام العالمي الليبرالي لمصلحة التعددية القطبية".

font change

مقالات ذات صلة