ما حجم التهديد الذي يمثله "ميثوس"؟

أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي من "أنثروبيك" يشعل جدلا جديدا

(المجلة)
(المجلة)

ما حجم التهديد الذي يمثله "ميثوس"؟

يخيل إليك أن المشهد يفتتح فصلا يمهد لكابوس يحذر منه المتوجسون من الذكاء الاصطناعي طويلا. فقد أعلنت شركة "أنثروبيك"، ومقرها وادي السليكون، هذا الشهر أنها طورت نموذجا شديد الخطورة، إلى حد أنها قررت عدم إتاحته للعامة.

ويعرف هذا النموذج باسم "Claude Mythos Preview"، وهو نموذج لغوي عام الأغراض على غرار "Claude" الذي تطوره "أنثروبيك" أو "ChatGPT" من "OpenAI". غير أنه أظهر أثناء الاختبارات قدرة على العثور على ما يعرف بثغرات اليوم الصفري واستغلالها، وهو مصطلح شائع في القطاع يشير إلى ثغرات لم تكتشف سابقا في برمجيات الأنظمة. وقالت "أنثروبيك" إن هذا النموذج "يمكنه إعادة تشكيل الأمن السيبراني كله"، لعثوره على "آلاف الثغرات عالية الخطورة" في "كل نظام تشغيل رئيس ومتصفح ويب رئيس".

وأوضحت الشركة في تدوينة أن "ميثوس" لن يطرح على نطاق واسع في الوقت الراهن، بل سيقتصر استخدامه على بضع عشرات من الشركات ومشغلي البنى التحتية الحيوية. ويضم هذا الإطار، الذي سمته "أنثروبيك" باسم "بروجكت غلاسوينغ" شركات مثل "أمازون ويب سيرفيسز"، و"آبل"، و"غوغل جي بي مورغان تشايز مايكروسوفت" و"انفيديا"، على أن يُمنح لهذه الجهات وصول مبكر إلى النموذج كي ترصد الثغرات في أنظمتها وتسارع إلى سدها.

ومن بين ما أظهره النموذج أيضا قدرته على الإفلات من بيئة رقمية مغلقة، بعدما طلب منه تحديدا أن يحاول ذلك. وأضافت "أنثروبيك" أنه حاول، في عدد محدود من الحالات النادرة، طمس آثاره بعد مخالفته الضوابط المحددة له.

(رويترز)
صورة تعبيرية لرجل ملثم يستخدم حاسوبا محمولا مع إسقاط شفرات رقمية في إشارة إلى الهجمات السيبرانية، 13 مايو 2017

وفي تقييم مستقل، أفاد معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني بأن "ميثوس" كان أول نموذج ذكاء اصطناعي ينجح في اجتياز اختبار يحاكي هجوما ينتهي بالسيطرة على شبكة كاملة، مع إظهاره في الوقت نفسه "بعض القيود في قدراته السيبرانية". لكن المعهد سارع إلى تقييد هذا التقدير، مشيرا إلى أن بيئات الاختبار التي استخدمها لا تضاهي، من حيث الخصائص الأمنية، كثيرا من الأنظمة العاملة في الواقع. وكتب في تدوينة: "هذا يعني أننا لا نستطيع الجزم بما إذا كان (ميثوس بريفيو) قادرا على مهاجمة أنظمة محصنة جيدا".

"ميثوس پريڤيو" أظهر مخاطر الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني، مع قدراته على اكتشاف الثغرات واستغلالها، وسط مخاوف من سوء الاستخدام رغم محاولات التقييد

وأثار الإعلان عن "ميثوس" نقاشا واسعا في أوساط الأمن السيبراني، إذ شكك بعض المنتقدين في حجم القدرات التي نسبت إلى النموذج، ورأوا مبالغة في إبراز "أنثروبيك" للقضية وذلك بهدف أغراض تسويقية. فشركات التكنولوجيا لها تاريخ طويل في التحذير من أخطار منتجاتها نفسها. وكانت "OpenAI" حذرت منذ عام 2019 من أن نموذجها اللغوي "GPT-2" شديد القوة، وامتنعت آنذاك عن إتاحته كاملا للعامة. وكان داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ"أنثروبيك"، واثنان من مؤسسيها المشاركين، ضمن فريق "OpenAI" الذي اتخذ ذلك القرار. وحتى في عام 1999، لجأت "آبل" إلى تحذيرات مشابهة بشأن قدرات حاسوبها الشخصي "Power Mac G4" في حملة دعائية أظهرته محاطا بطوق من الدبابات العسكرية.

وبنت "أنثروبيك" علامتها على أنها شركة ذكاء اصطناعي تتعامل مع مسألة السلامة بقدر كبير من التشدد، إلى درجة أنها انخرطت هذا العام في مواجهة قانونية عالية المخاطر مع وزارة الحرب الأميركية، بسبب مخاوف من احتمال إساءة الجيش استخدام تقنياتها. وزار أمودي البيت الأبيض الأسبوع الماضي، فيما وصفه الطرفان بأنه اجتماع "مثمر"، سعيا إلى تسوية أوسع بين الشركة والحكومة. كما أفاد موقع "أكسيوس"، يوم الأحد، بأن وكالة الأمن القومي الأميركية باتت تستخدم "ميثوس".

وتحدثت مجلة "فورين بوليسي" إلى عدد من المسؤولين السابقين في الحكومة الأميركية وخبراء الأمن السيبراني، الذين دعوا جميعا إلى مقاربة متوازنة، لا تتعامل مع "ميثوس" كما لو أنه إنذار كارثي من الدرجة القصوى، ولا تستخف في الوقت نفسه بما حققه من تقدم.

(رويترز)
شعار شركة "أنثروبيك" المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في صورة توضيحية، 1 مارس 2026

ويعتبر جو ساندرز، الرئيس التنفيذي لشركة "RunSafe Security" المتخصصة في الأمن السيبراني، ومؤسس منظمة غير ربحية أن "ثمة جانبا من الجاذبية التسويقية في الأمر. فقد استحوذ على قدر كبير من الانتباه، كما أن الإطلاق المحدود وسيلة فعالة لإثارة الحماسة والاهتمام حول أي منتج. لكنني أرى أن وراء ذلك نية سليمة، ولا أعتقد أنه مجرد حيلة".

"أنثروبيك" بنت علامتها على أنها تتعامل مع مسألة السلامة بقدر كبير من التشدد، وهي انخرطت في مواجهة قانونية عالية المخاطر مع وزارة الحرب الأميركية

وفي واشنطن الأسبوع الماضي، سعى جاك كلارك، الشريك المؤسس لـ"أنثروبيك"، إلى ضبط المخاوف المرتبطة بتداعيات "ميثوس" من دون التقليل من دلالاته الأوسع. وقال خلال قمة "سيمافور" للاقتصاد العالمي: "هذا ليس نموذجا استثنائيا. ستظهر خلال بضعة أشهر أنظمة أخرى شبيهة به من شركات أخرى، وبعد عام إلى عام ونصف ستظهر في الصين نماذج مفتوحة الأوزان تمتلك هذه القدرات، ما يعني أن العالم عليه أن يستعد لوجود أنظمة أشد قوة". والمقصود بهذه النماذج تلك التي تتيح للعموم معايير التعلم الخاصة بها، أي ما يعرف بالأوزان.

ويبدو أن المنافسين يسيرون في الاتجاه نفسه. فبعد أسبوع واحد من إعلان "أنثروبيك" عن "ميثوس" ومشروع "غلاسوينغ"، أعلنت "OpenAI" بدورها طرحا محدودا مشابها لأحدث نماذجها الموجهة للأمن السيبراني.

وفي بعض الوجوه، لا يمثل "ميثوس" سوى الحلقة الأحدث في مسار متصاعد منذ سنوات، قوامه استخدام منفذي الهجمات السيبرانية للذكاء الاصطناعي لتعزيز جوانب مختلفة من عمليات التسلل. وقالت سينثيا كايزر، وهي نائبة مساعدة سابقة لمدير قسم الجرائم السيبرانية في مكتب التحقيقات الفيدرالي، وتدير حاليا أبحاث برمجيات الفدية في شركة "Halcyon" للأمن السيبراني: "نتحدث منذ زمن طويل عن الكيفية التي جعل بها الذكاء الاصطناعي الوصول الأولي أسهل كثيرا أمام الخصوم". مضيفة أن القدرة على اكتشاف الثغرات الخفية واستغلالها بصورة ذاتية تجعل هذا المسار أكثر سهولة لمصلحة القراصنة المعادين، غير أن هناك أيضا وسائل مباشرة نسبيا لعزل أكثر بيانات المؤسسات حساسية، بما يحول دون وقوع كارثة.

ونبهت إلى أن "مجرد تمكن جهة ما من الاختراق لا يعني أنها حصلت على كل شيء. نعم، الأمر مقلق، وهو جزء من اتجاه رأيناه من قبل. لكنه ليس وضعا ميؤوسا منه".

(رويترز)
مبنى البنتاغون في أرلينغتون بولاية فرجينيا كرمز للمؤسسة العسكرية الأميركية، 9 أكتوبر 2020

وما يثير قلق "أنثروبيك" على نحو خاص، ويدفعها إلى إشراك الحكومة الأميركية، هو احتمال أن تقع القدرات التي يتيحها "ميثوس" في أيدي دول أكثر تقدما واحترافا في هذا المجال، ما يمكنها من اختراق الأنظمة الأميركية بسهولة أكبر. ويقول خبراء إن هذا الاحتمال تسارع بعض الشيء بعد الإعلان عن ميثوس. وقال جيف ويليامز، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة "Contrast Security" للأمن السيبراني، إن "أنثروبيك" تحجب الوصول إلى هذا النموذج بعينه في الوقت الراهن، "لكنني لا أظن أنها ستنجح فعلا في الدفاع عن هذا الخط طويلا. ففي غضون ستة إلى تسعة أشهر، ستعمد دول أخرى إما إلى تطوير نماذجها الخاصة، وإما إلى إيجاد سبل للوصول إلى هذا النموذج، أو إلى تجاوز الضوابط التي تقول (أنثروبيك) إنها تحاول فرضها عليه. ويبدو لي أن المارد خرج من القمقم هنا".

يمثل "ميثوس" حلقة في مسار متصاعد، قوامه استخدام منفذي الهجمات السيبرانية للذكاء الاصطناعي لتعزيز جوانب مختلفة من عمليات التسلل

وأشارت كايزر إلى أن الصين، على وجه الخصوص، أظهرت قدرة واضحة على اللحاق السريع بالتكنولوجيا الأميركية المتقدمة وإعادة إنتاجها، مضيفة أن "معرفة أن أمرا ما ممكن تجعل بلوغه أسهل كثيرا".

غير أن القراصنة الصينيين المدعومين من الدولة يملكون بالفعل قدرا كبيرا من التطور في حد ذاته، إلى جانب موارد هائلة لمهاجمة الأنظمة الأميركية، فضلا عن جيش من المتخصصين في الاستخبارات السيبرانية والقراصنة العسكريين القادرين على تنفيذ الاختراقات نفسها يدويا، وهي اختراقات قد يتيحها "ميثوس" بصورة أسرع أو على نطاق أوسع. ويكفي النظر إلى "Volt Typhoon" و"Salt Typhoon".

وقال آدم ماروياما، وهو مستشار أمني مستقل سبق أن عمل في وزارة الحرب ووكالة الأمن القومي: "لا أشك في أن الصين طورت شيئا من هذا القبيل بالفعل، أو أنها باتت على مسافة قريبة جدا من تطويره اليوم. ولعل لديها أدوات بالغة الدقة ونفوذا شديد الإحكام تستخدمهما على نحو لا نعرفه". وأضاف أن "ميثوس" يمثل "اختراقا في السرعة، لا في مستوى التعقيد".

(رويترز)
مبنى القيادة السيبرانية الأميركية "USCYBERCOM" داخل مجمع وكالة الأمن القومي في فورت ميد بولاية ماريلاند، 25 مايو 2020

ولفت ماروياما إلى أن إيران وكوريا الشمالية قد تكونان من أكثر خصوم الولايات المتحدة السيبرانيين استفادة من قدرات شبيهة بـ"ميثوس". فكلتاهما أظهرتا قدرة على اختراق الأنظمة الأميركية وسرقة البيانات وإحداث قدر من الاضطراب، غير أنهما لا تملكان ما لدى الصين من موارد وإمكانات لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي مماثلة. وقال: "لم نعتد تصنيف هاتين الدولتين في خانة الند القريب، ويعود ذلك إلى حد بعيد إلى محدودية قدرتهما على تنفيذ سلاسل هجوم معقدة، وتطوير هجمات اليوم الصفري، ثم تحويلها إلى أدوات فعالة ضدنا". وأضاف: "ومع انتقال (ميثوس) من المعاينة الخاصة إلى نطاق أوسع، فإن تمكن تلك الدول من تجاوز الضوابط المفروضة عليه وكسر قيوده سيمكنها من توظيف العمليات السيبرانية بفاعلية أكبر كأداة من أدوات القوة الوطنية".

قراصنة الصين المدعومون من الدولة يملكون قدرا كبيرا من التطور في حد ذاته، إلى جانب موارد هائلة لمهاجمة الأنظمة الأميركية

ورأى الخبراء أن "أنثروبيك"، مهما تكن الفوائد التسويقية المحتملة، تصرفت بقدر من الحكمة حين قيدت إتاحة "ميثوس" في بدايته بعدد محدود من الشركات قبل أن تفتحه على نطاق أوسع. فتمكين مشغلي الأنظمة الحيوية من استخدام النموذج لاكتشاف الثغرات ومعالجتها مبكرا من شأنه أن يرفع مستوى الأمان في تلك الأنظمة مع الوقت، في صورة تشبه، في المجال السيبراني، تغيير الأقفال قبل أن يتمكن الخصوم من استنساخ المفاتيح. لكن "ميثوس" يسلط الضوء أيضا على دقة هذه المرحلة وما يحيط بها من قلق وضبابية.

(رويترز)
داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" يتحدث خلال قمة المطورين في بنغالورو بالهند، 16 فبراير 2026

وقالت كايزر: "ما زلت أرى أن فوائد الذكاء الاصطناعي سترجح، في نهاية المطاف، لمصلحة المدافعين، لكن ذلك لا يزال بعيدا، لأن الخصوم قادرون على استيعاب هذه الأدوات فورا والبدء في استخدامها واستثمارها". وأضافت: "التكنولوجيا التي طورتها (أنثروبيك) قد تفتح الطريق، على المدى البعيد، أمام برمجيات تشفي نفسها وعتاد يصلح نفسه... لكن هذا أفق يحتاج إلى نحو عشر سنوات". وختمت بقولها: "نحن في مرحلة ستصبح فيها الأمور أكثر هشاشة".

font change

مقالات ذات صلة