في يوليو/ تموز 2025، وقّعت شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة "أنثروبيك" (Anthropic)، ومقرها سان فرانسيسكو، عقدا بقيمة 200 مليون دولار أميركي مع وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، لتزويد الجيش بتقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة. وبموجب الاتفاق، تقرر نشر نموذج "كلود" (Claude)، الذي طورته الشركة، داخل الأنظمة العسكرية السرية، ويعتبر من بين أكثر المنصات تقدما في هذا المجال. وجاء هذا العقد في إطار توجه متصاعد للشركة، التي كانت تستعد لطرح عام أولي وتسعى إلى توسيع حضورها في قطاع الأمن القومي. وأبدى مسؤولوها التنفيذيون حماسا واضحا لهذه الشراكة، مؤكدين أن العقد "يفتح فصلا جديدا" في مسيرة الشركة.
غير أن الخلافات برزت سريعاً بشأن الاستخدامات المستقبلية لأنظمة "أنثروبيك" داخل المؤسسة العسكرية. فقد أعرب مسؤولو الشركة عن قلقهم من احتمال توظيف التكنولوجيا في تنفيذ عمليات عسكرية ذاتية قاتلة. ورد البنتاغون مؤكدا أن القرارات المتعلقة بالنماذج لا تعود إلى الشركة، وأن تحديد أوجه استخدامها يدخل ضمن صلاحيات الجيش، أسوة بأي تقنية أخرى تحصل عليها الحكومة. ويتباين موقف "أنثروبيك" مع شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى مثل "Google"، و"xAI" التابعة لإيلون ماسك، و"OpenAI"، فبينما وافقت الشركات الأخرى جميعها من حيث المبدأ على إتاحة نماذجها لأي استخدام يجيزه القانون، بنت "أنثروبيك" سمعتها على الترويج لمبادئ سلامة الذكاء الاصطناعي، مؤكدة وجود خطوط حمراء لا تنوي تجاوزها. وتشمل إرشادات الاستخدام الخاصة بها قيودا صارمة تحول دون تمكين نموذج "كلود" من تسهيل أعمال العنف أو تطوير الأسلحة أو تصميمها أو تنفيذ عمليات مراقبة جماعية.
وبعد أشهر من التوتر، بلغ الخلاف ذروته في يناير/كانون الثاني. فبعد عملية عسكرية أميركية استهدفت القبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، أثار أحد موظفي "أنثروبيك" مخاوف بشأن كيفية استخدام "كلود" خلال العملية لدى شركة "Palantir Technologies"، التي توفّر المنصة التقنية لدمج نموذج "أنثروبيك" في الأنظمة التشغيلية. وسارعت الشركة إلى التواصل مع البنتاغون، معربة عن قلقها من احتمال اعتراض "أنثروبيك" على استخدام تقنيتها في مهمات مماثلة مستقبلا. ووصل الأمر إلى وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أبدى رد فعل غاضبا.

وبعد أيام، أصدر هيغسيث مذكرة وجه فيها شركات الذكاء الاصطناعي إلى إزالة القيود المفروضة على تقنياتها. ودفع ذلك "أنثروبيك" إلى إعادة التفاوض حول العقد، إذ طلب مسؤولوها من البنتاغون وضع حدود واضحة لكيفية استخدام أدواتها. وأثار الطلب غضبا في وزارة الحرب. ونقل موقع "أكسيوس" أن هيغسيث كاد ينهي الشراكة مع الشركة، ودرس تصنيفها "خطرا على سلسلة التوريد"، وهو توصيف يُستخدم عادة بحق خصوم أجانب وليس شركات أميركية. ويعني ذلك أن أي شركة ترغب في التعامل مع الجيش ستجد نفسها مضطرة إلى قطع علاقاتها مع "أنثروبيك". وقال هيغسيث في خطاب ألقاه في ولاية تكساس: "لن نعتمد نماذج ذكاء اصطناعي لا تتيح لكم خوض الحروب".



