استراتيجية مزدوجة لعلاج سرطان البنكرياس

الخلايا المتغصنة

Grace Russell
Grace Russell

استراتيجية مزدوجة لعلاج سرطان البنكرياس

في أكتوبر/تشرين الأول من عام ٢٠١١، أعلنت لجنة نوبل اسم العالم الكندي رالف ستاينمان ضمن الفائزين بنوبل الطب، تقديرا لاكتشافه الخلايا المتغضنة ودورها في المناعة. لكن إعلان فوزه بالجائزة كان له طابع فريد من الحزن والدهشة، حيث جاء بعد ثلاثة أيام فقط من وفاته. فبينما كانت لجنة نوبل تعلن اسمه كفائز، لم تكن تعلم أنه قد فارق الحياة متأثرا بمرض سرطان البنكرياس.

ووفقا لقوانين مؤسسة نوبل، لا تمنح الجائزة بعد الوفاة، لكن اللجنة قررت إبقاء قرارها بعد مداولات، معتبرة أنه تم "بنية حسنة" قبل معرفة وفاة ستاينمان. ومما أضاف إلى درامية الموقف، هو ما ذكرته ابنته، حيث كان ستاينمان يمزح مع عائلته قبل أسبوع من وفاته بأنه يجب أن يبقى على قيد الحياة حتى إعلان الجائزة لأنها لا تمنح للمتوفين.

يعرف سرطان البنكرياس بسمعته القاسية، فهو من أكثر الأورام فتكا ومقاومة للعلاج، وغالبا ما يأتي تشخيصه متأخرا، بينما تفشل العلاجات المناعية التي أثبتت فعاليتها في سرطانات أخرى في إحداث فرق ملموس معه.

لكن دراسة حديثة نُشرت في مجلة "ساينس إيميونولوجي" قدمت بصيص أمل جديدا، حيث كشفت عن استراتيجيا علاجية مزدوجة تقوم على تنشيط الخلايا المتغصنة، وهي تلك الخلايا التي اكتشفها ستاينمان الذي توفي جراء النوع نفسه من السرطان.

الخلايا المتغصنة

حين نتحدث عن جهاز المناعة، غالبا ما يتبادر إلى الذهن صورة الخلايا القاتلة التي تهاجم البكتيريا والفيروسات أو تدمر الخلايا السرطانية. لكن قبل أن تبدأ أي معركة مناعية، هناك جنود مجهولون يعملون بصمت، مهمتهم ليست القتال، بل التعليم والإرشاد. هؤلاء هم الخلايا المتغصنة، التي تلقب أحيانا بـ"مدربي المناعة"، لأنها تعرف الخلايا الأخرى الى هوية العدو، وتضع خريطة الطريق لأي هجوم ناجح.

تتجاوز أدوار الخلايا المتغصنة حدود العدوى، ففي مواجهة البكتيريا والفيروسات، هي المفتاح الذي يمكن الخلايا التائية من التعرف الى الغزاة والتعامل معهم

الخلايا المتغصنة نوع متخصص من خلايا الدم البيضاء، تنتمي إلى عائلة "الخلايا العارضة للمستضد". سميت "متغصنة" لأن شكلها يشبه شجرة لها أذرع أو "تغصنات" طويلة، تستخدمها في التقاط جزيئات غريبة مثل بروتينات الفيروسات أو الطفرات السرطانية.

تعمل هذه الخلايا كـ"حساسات" منتشرة في أنسجة الجسم سواء في الجلد، أو العقد اللمفاوية، أو الرئة، أو لاأمعاء… أي مكان قد يتعرض لدخول ميكروب.

والخلايا المتغصنة تعد من أهم أبطال جهاز المناعة، وإن كانت تعمل غالبا خلف الكواليس. فهي تشبه ضابط الاستخبارات الذي يلتقط المعلومات عن العدو، ويحللها، ثم يرسلها إلى قيادة الجيش لتحديد خطة المواجهة.

تبدأ مهمتها بعملية الالتقاط، حيث تصطاد جزيئات غريبة أو بروتينات قادمة من ميكروبات أو خلايا سرطانية. بعد ذلك، تعالج هذه الجزيئات وتجزئها أجزاء صغيرة، ثم تعرضها على سطحها باستخدام جزيئات متخصصة تُعرف بـ"معقد التوافق النسيجي".

بمجرد أن تجهز هذه "البطاقات التعريفية"، تتحرك نحو العقد اللمفاوية لتعرضها على الخلايا التائية، وكأنها تخبرها بشكل مباشر "هذا هو الهدف، عليكم القضاء عليه". وبهذا، تصبح الخلايا المتغصنة حلقة الوصل الفريدة بين المناعة الفطرية السريعة والمناعة التكيفية الأكثر دقة وذكاء.

تتنوع هذه الخلايا في أشكالها ووظائفها، فهناك الخلايا المتغصنة الكلاسيكية، وهي الأكثر تخصصا في عرض المستضدات وتنشيط الخلايا التائية. إلى جانبها توجد الخلايا المتغصنة البلازمية، التي تكتسب شهرتها من قدرتها على إفراز كميات ضخمة من الإنترفيرون لمكافحة الفيروسات. وهناك أيضا الخلايا المتغصنة النسيجية، التي تستقر في الجلد والأعضاء لتشكل خط دفاع موضعيا ضد أي غزو محتمل.

الخلايا المتغصنة هي المخرج السينمائي لجهاز المناعة. فهي لا تخوض المعركة مباشرة، لكنها تختار السيناريو وتوزع الأدوار

وتتجاوز أدوار الخلايا المتغصنة حدود العدوى، ففي مواجهة البكتيريا والفيروسات، هي المفتاح الذي يمكن الخلايا التائية من التعرف الى الغزاة والتعامل معهم. أما في السرطان، فتظهر مفارقة لافتة، في أورام مثل البنكرياس يقل عدد هذه الخلايا، مما يعطل فاعلية العلاجات المناعية، بينما في أورام أخرى يمكن أن تكون نشطة بقوة وتساهم في تدمير الخلايا السرطانية.

مخرج سينمائي

غير أن الوجه الآخر لهذه الخلايا يظهر في أمراض المناعة الذاتية، حيث قد تضلل وتعرض بروتينات الجسم نفسه باعتبارها "عدوا"، وهو ما يؤدي إلى أمراض خطيرة مثل السكري من النوع الأول أو التصلب المتعدد. أما في مجال اللقاحات، فوظيفتها أساسية، إذ تدرب عبر اللقاح لتقديم المستضدات بشكل يهيئ جهاز المناعة للاستجابة بسرعة عند حدوث عدوى حقيقية.

Getty Images
متخصصة في الطب الجزيئي، تقسم خلايا سرطان البنكرياس لدى الفئران

وإذا أردنا تلخيص أهميتها، يمكن القول إن الخلايا المتغصنة هي المخرج السينمائي لجهاز المناعة. فهي لا تخوض المعركة مباشرة، لكنها تختار السيناريو وتوزع الأدوار: من يقاتل، ومن يساند، ومن ينسحب. وبدونها يتحول الجيش المناعي إلى قوة عمياء بلا هدف واضح، قد تهاجم في الاتجاه الخاطئ أو لا تتحرك على الإطلاق.

يعد سرطان البنكرياس من أكثر الأورام صلابة في مقاومة العلاج. السر لا يكمن فقط في طبيعة الورم نفسه، بل في البيئة الميكروية المحيطة به، أي الوسط الخلوي والأنسجة التي تلتف حول الخلايا السرطانية. تعمل هذه البيئة كحصن منيع، لا يحمي الورم من العلاج الكيميائي فقط، بل يعطل كذلك قدرة جهاز المناعة على أداء وظيفته.

داخل أورام البنكرياس، تقل أعداد الخلايا المتغصنة بشكل ملحوظ مقارنة بأورام أخرى مثل الرئة. هذه الخلايا تعتبر بمثابة "المعلم الأول" لجهاز المناعة، إذ تعرض شظايا من بروتينات الورم على سطحها وتقدمها للخلايا التائية القاتلة، لتعلمها كيفية التعرف الى السرطان ومهاجمته.

غياب هذه الخلايا في البنكرياس يعني أن الخلايا التائية تدخل المعركة بلا تدريب، فلا ترى الورم بوضوح ولا تتعرف اليه كعدو، وهنا تفقد العلاجات المناعية التقليدية مثل مثبطات نقاط التفتيش فعاليتها، لأنها ببساطة لا تجد خلايا جاهزة للقتال.

تساهم الخلايا المتغصنة في تعزيز فاعلية العلاجات المناعية الأخرى، مثل مثبطات نقاط التفتيش أو العلاجات الخلوية، حيث تضيف طبقة إضافية من التنشيط المناعي تجعل الجهاز الدفاعي أكثر استعدادا لمهاجمة الورم

وسط هذا المشهد القاتم، ظهر العلاج باللقاح القائم على الخلايا المتغصنة كأحد أكثر الحلول الواعدة. هذا النهج يقوم فعليا بـ"إيقاظ" الجهاز المناعي لمهاجمة الورم، وقد أثبتت التجارب السريرية أنه يساعد على تثبيت المرض ويحدّ من انتشار النقائل. وبذلك يمكن أن يحدث تحولا جذريا في علاج سرطان البنكرياس، المعروف تاريخيا بارتفاع معدل الانتكاس حتى بعد استئصال الورم جراحيا.

العلاج الإشعاعي

في تلك الحالة، تلعب الخلايا المتغصنة أدوارا متعددة وحاسمة في مواجهة الورم، فهي لا تقتصر على تحفيز جهاز المناعة فحسب، بل تعمل أيضا كجسر يربط بين استراتيجيات علاجية مختلفة لتعزيز فعاليتها.

وقد أظهرت الدراسات المخبرية والتجارب السريرية أن لهذه الخلايا القدرة على تحفيز الاستجابة المناعية الطبيعية بشكل مباشر ضد الورم، من خلال تعريف الجهاز المناعي الى المستضدات السرطانية وتنشيط الخلايا التائية لتهاجم الخلايا الخبيثة. هذه العملية تجعل من الخلايا المتغصنة خط الدفاع الأول الذي يطلق الشرارة الأولى في معركة القضاء على الورم.

إلى جانب ذلك، تساهم الخلايا المتغصنة في تعزيز فاعلية العلاجات المناعية الأخرى، مثل مثبطات نقاط التفتيش أو العلاجات الخلوية، حيث تضيف طبقة إضافية من التنشيط المناعي تجعل الجهاز الدفاعي أكثر استعدادا لمهاجمة الورم.

أما في ما يتعلق بالعلاج الإشعاعي، فإن دور الخلايا المتغصنة يصبح أكثر وضوحا. فالعلاج الإشعاعي التقليدي وحده غالبا ما يعجز عن إثارة استجابة مناعية قوية عند تحلل الخلايا السرطانية، مما يحد من فعاليته. لكن عند دمجه مع الخلايا المتغصنة، يعاد تنشيط المناعة المضادة للورم، ويصبح الإشعاع أكثر قدرة على القضاء على الخلايا الخبيثة ومنع تجددها، ويفتح هذا التكامل بين الإشعاع والمناعة آفاقا جديدة لعلاج سرطانات مقاومة مثل سرطان البنكرياس.

لا يتوقف الأمر عند نقص الخلايا المتغصنة، فأورام البنكرياس غنية بخلايا مناعية "منحرفة الدور"، مثل الخلايا التائية التنظيمية والبلاعم المرتبطة بالورم، وهي خلايا تعمل على تهدئة الاستجابات المناعية بدلا من تحفيزها. وبدلا من أن تكون ساحة الورم مملوءة بخلايا مقاتلة، تتحول إلى منطقة حياد أو حتى منطقة محمية للورم، حيث يتم كبح أي محاولة للهجوم المناعي.

كما أن هناك أيضا جانبا فيزيائيا لا يقل خطورة هو النسيج الليفي الكثيف الذي يحيط بالورم ويشبه جدارا سميكا من ألياف الكولاجين والخلايا الداعمة، يمنع الأدوية من الوصول بفعالية إلى قلب الورم، ويعيق كذلك حركة الخلايا المناعية. تخيّل مقاتلين يحاولون اقتحام مدينة محاطة بالأسوار والمتاريس، حتى لو وصلوا إلى البوابة، يظل اختراق الداخل شبه مستحيل.

أظهرت التجارب على نماذج الفئران المصابة بـسرطان البنكرياس الغدي أن هذا العلاج المزدوج عزز بشكل واضح أعداد الخلايا المتغصنة من النوع الأول وأدى إلى ظهور فئة أكثر نشاطا تعرف بالخلايا المتغصنة المهاجرة

وقد كشفت الدراسة الجديدة عن استراتيجيا علاجية مزدوجة قد تغير قواعد اللعبة في التعامل مع سرطان البنكرياس، تعتمد الفكرة على استهداف الخلايا المتغصنة مباشرة.

توصل العلماء إلى أن الدمج بين عامل يسمى Flt3L، المسؤول عن بقاء وتكاثر الخلايا المتغصنة، ومحفز معروف باسم CD40، الذي ينشط الخلايا المناعية داخل الورم، يمكن أن يعيد التوازن المناعي في سرطان البنكرياس.

العلاج المزدوج

العامل Flt3L هو بمثابة إشارة نمو وبقاء للخلايا المتغصنة. فعندما يتوفر بكميات مناسبة، فإنه يحفز إنتاج أعداد كبيرة من هذه الخلايا من نخاع العظم، ويساعدها على الاستمرار في الحياة والتمايز إلى صورها الناضجة، وبذلك يساهم في زيادة حجم "المخزون المناعي" الذي يمكن الاستعانة به لاحقا في مواجهة الورم أو الاستجابة للقاحات العلاجية.

على عكس العامل السابق، فإن تنشيط مستقبل "سي دي 40" لا يهتم بزيادة عدد الخلايا المتغصنة، بل يركز على رفع كفاءتها. فهو يحوّل الخلايا المتغصنة من حالة غير نشطة إلى حالة نشطة قادرة على عرض المستضدات بقوة وتحفيز الخلايا التائية القاتلة، مما يؤدي إلى استجابة مناعية هجومية أشد على الورم.

يمكن القول إن عامل " Flt3L" يعمل على زيادة الكمّ من الخلايا المتغصنة، أي تكثير الجيش المناعي، بينما محفز "سي دي 40" يعمل على رفع الكيف، أي جعل هذا الجيش أكثر تدريبا وقوة في مواجهة السرطان. ومن هنا تأتي فكرة الجمع بين الاثنين: الأول يوفر العدد، والثاني يشعل الفاعلية.

وقد أظهرت التجارب على نماذج الفئران المصابة بـسرطان البنكرياس الغدي أن هذا العلاج المزدوج عزز بشكل واضح أعداد الخلايا المتغصنة من النوع الأول وأدى إلى ظهور فئة أكثر نشاطا تعرف بالخلايا المتغصنة المهاجرة القادرة على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وتقديم المستضدات للخلايا التائية وتنشيطها لمهاجمة الورم.

يعمل العلاج المزدوج عبر تنشيط الخلايا المتغصنة المهاجرة التي عززت قدرتها على عرض المستضدات، مما حفز الخلايا التائية القاتلة ودفعها للتسلل إلى الورم ومهاجمته، فيما ساعدت هذه الخلايا التائية بدورها على إطالة عمر الخلايا المتغصنة من خلال إشارات مادة الإنترفيرون، لتتشكل حلقة مناعية قوية أعادت إحياء الاستجابة ضد سرطان البنكرياس.

بعد ذلك، استخدم العلماء مزيجا من "عامل نضوج الخلايا المتغصنة" وعلاج بخلايا متغصنة معدلة معمليا، مما أدى إلى تنشيط أكبر للخلايا التائية الجذعية المساعدة التي تتعرف الى الخلايا السرطانية وتدميرها.

وعند اختبار العلاج على البشر ضمن تجربة سريرية من المرحلة الثانية شملت مرضى سرطان البنكرياس، ظهرت نتائج مشابهة لما لوحظ في النماذج الحيوانية، حيث سجل ارتفاع في أعداد الخلايا المتغصنة من النوع الأول إلى جانب زيادة ملحوظة في نشاط الخلايا المتغصنة المهاجرة والخلايا التائية، وهو ما يعكس تنشيطا ملموسا للمناعة المضادة للورم.

تعمل الخلايا التائية التنظيمية مثل "المكابح" داخل الجهاز المناعي. فعندما يبدأ الجسم في مهاجمة الميكروبات أو الخلايا السرطانية، تسرع هذه الخلايا للتأكد أن الرد المناعي لا يتجاوز الحدود المطلوبة


لكن في المقابل، تبين أيضا ارتفاع نشاط الخلايا التائية التنظيمية ذات الدور المثبط، الأمر الذي يقلل كفاءة الاستجابة الكاملة للعلاج، ويؤكد أن الاستراتيجيا الحالية تحتاج إلى تحسينات إضافية للحد من هذا الكبح المناعي.

مكابح الجهاز المناعي

الخلايا التائية التنظيمية، أو ما يعرف اختصارا بـ"الخلايا المنظمة"، هي من أكثر مكونات الجهاز المناعي إثارة للاهتمام. فهي جزء من عائلة الخلايا التائية، لكن وظيفتها ليست القتال أو الهجوم مثل بقية زملائها، بل على العكس تماما، فدورها الأساس كبح الاستجابات المناعية المفرطة وحماية الجسم من الانزلاق نحو فوضى مناعة ذاتية.

Getty Images
بنكرياس سليم لشاب صغير

تتكوّن هذه الخلايا في الغدة أثناء مرحلة النضج المناعي، ومنها تنطلق لتنتشر في الدم والأنسجة. وتمتاز بوجود مستقبلات معينة على سطحها تساعد العلماء على تمييزها، وأهمها البروتين المعروف باسم "فوكس بي 3"، الذي يعمل بمثابة "مفتاح جيني" يحدد هويتها ويضمن بقاءها في حالة مثبطة.

تعمل الخلايا التائية التنظيمية مثل "المكابح" داخل الجهاز المناعي. فعندما يبدأ الجسم في مهاجمة الميكروبات أو الخلايا السرطانية، تسرع هذه الخلايا للتأكد أن الرد المناعي لا يتجاوز الحدود المطلوبة. فإذا كان النشاط قويا أكثر من اللازم، فإنها تفرز جزيئات مثبطة مثل "إنترلوكين 10" و"عامل النمو المحول"، وتطلق إشارات توقف لبقية الخلايا المناعية بهدف حماية الأنسجة السليمة من التدمير العرضي ومنع الجهاز المناعي من مهاجمة نفسه.

وللخلايا التائية التنظيمية وجه مزدوج يجمع بين الحماية والخطر. ففي حالات الصحة السليمة تلعب دور الحارس الذي يحافظ على التوازن، حيث تمنع ظهور أمراض المناعة الذاتية مثل السكري من النوع الأول أو التهاب المفاصل الروماتويدي، فغيابها يجعل الجهاز المناعي أشبه بجيش بلا قائد يهاجم كل ما أمامه من عدو وصديق.

لكن في السرطان تنقلب الآية، إذ تتحول هذه الخلايا إلى "حليفة للورم"، فهي تكبح نشاط الخلايا القاتلة وتحرمها من فرصة القضاء على السرطان، مما يمنح الورم القدرة على الاختباء والنمو بعيدا من رقابة المناعة. أما في العدوى المزمنة مثل التهابات الكبد الفيروسية، فإنها تضعف الاستجابة المناعية ضد الفيروس وتطيل أمد بقائه في الجسم، لتصبح عاملا معقدا يزيد صعوبة العلاج.

يقول الباحثون إن استهداف الخلايا المتغصنة قد يفتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات المناعية لسرطان البنكرياس، بعد سنوات من الإخفاقات مع العلاجات الموجهة مباشرة للخلايا التائية. إلا أن التحدي الأكبر سيكون في السيطرة على نشاط الخلايا التائية التنظيمية دون أن ينهار التوازن المناعي.

وتقدم الدراسة أملا جديدا لمرضى سرطان البنكرياس، المرض الذي لطالما كان رمزا للمقاومة ضد العلاج المناعي. وقد يشهد المستقبل بروتوكولات علاجية أكثر ذكاء، تجمع بين تنشيط الخلايا المتغصنة وتعطيل الخلايا الكابحة، لفتح ثغرة طال انتظارها في جدار هذا السرطان القاسي، كما تمثل خطوة واعدة نحو تطوير علاجات مناعية فعالة لهذا النوع من السرطان، المعروف بمقاومته الشديدة للعلاجات التقليدية.

font change

مقالات ذات صلة