الفصائل العراقية تتحرر من قيودها بعد تنصيب مجتبى خامنئي؟

بغداد تواجه التحول في التوجه الإسرائيلي تجاهها من سياسة التجاهل إلى سياسة الاختراق المباشر

رويترز
رويترز
مقاتلون أكراد، أعضاء في منظمة "النضال الكردي الإيراني" (سازماني خبات)، أمام جدار متضرر، في أعقاب هجوم بطائرة إيرانية على قاعدتهم القريبة من أربيل، في منطقة كردستان العراق ذات الحكم الذاتي في 9 مارس 2026

الفصائل العراقية تتحرر من قيودها بعد تنصيب مجتبى خامنئي؟

تحررت يد الفصائل العراقية بعد اختيار "المرشد" الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، خلفاً لوالده الذي اغتالته أميركا وإسرائيل نهاية الشهر الماضي، وتمكنت من مهاجمة القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، بعد قيود كانت مفروضة عليهم منذ حرب غزة 2023.

شُكّل "تحالف المقاومة الإسلامية في العراق" منذ حرب غزة، ويضم مجموعة من الفصائل؛ مثل، "كتائب حزب الله"، و"حركة النجباء"، و"كتائب سيد الشهداء"، و"أنصار الله الأوفياء"، وغيرها. ويعتمد التحالف أيضا على خبرات من الفصائل العراقية الأخرى، و"الحرس الثوري" الإيراني، و"حزب الله" اللبناني، وحركة "أنصار الله" المعروفة باسم الحوثيين في إدارة المعارك، ويمتلك عدداً كبيراً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ويتجاوز تعداد مقاتليه أكثر من 70 ألف شخص.

ونفذ "تحالف المقاومة الإسلامية في العراق"، منذ انطلاق العمليات العسكرية في 28 فبراير/شباط الماضي وحتى 17 مارس/آذار الحالي، 454 عملية ضد القوات الأميركية في العراق ودول المنطقة، استُخدمت فيها المئات من الصواريخ والطائرات المسيرة.

وبعد إعلان إيران تنصيب مجتبى خامنئي مرشداً لها، رحبت الفصائل المسلحة العراقية بذلك، واعتبرت تعيينه "امتداداً مباركاً لمسيرة الثورة وضماناً لاستمرارية الدعم"، مجددةً ولاءها العقائدي والسياسي له، وخصّ قائد إيران الجديد، في أول بيان له، الفصائل العراقية بشكر خاص، ووصفها بالشجاعة، قائلاً: "نحن نعتبر دول جبهة المقاومة أفضل أصدقائنا، وقضية المقاومة وجبهة المقاومة جزء لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية، وسارت مقاومة العراق بشجاعة في هذا الطريق".

وقال الأمين العام لـ"كتائب حزب الله" العراقي، أبو حسين الحميداوي، إن مجتبى خامنئي يمتلك المؤهلات القيادية والكفاءة وهو خير مؤتمن.

استعدادات مبكرة

وبدأت استعدادات الفصائل العراقية للحرب الحالية منذ انتهاء حرب الـ12 يوماً في يونيو/حزيران 2025؛ فتمكنت من ملء ترسانة أسلحتها، وتجنيد الآلاف من العراقيين، بإعلان صريح وواضح عبر فتح أبواب التطوع تحت اسم "ألوية الاستشهاديين"، للدفاع عن إيران والخطر الذي يواجهها.

صعود إدارة جديدة لـ"الحرس الثوري" الإيراني واعتزالها التواصل خوفاً على حياتها، جعل خطوط التواصل مفقودة مع السياسيين العراقيين الذين فشلوا في ضبط ملف الفصائل المسلحة وتجنيب العراق الانزلاق في الحرب

وأصيبت الفصائل العراقية بأزمة وجود، في بداية الحرب الحالية، بعد اغتيال خامنئي والقيادة العليا لإيران، حيث إن خسارة إيران تُعتبر موتاً لهذه الفصائل وإزاحتها من الوجود العسكري والسياسي داخل العراق، لذلك اعتبر رئيس "حركة النجباء"، أكرم الكعبي، أن هذه الحرب هي حرب وجودية، "فلن نتراجع عنها، وقرار المقاومة هو تطهير العراق من القوات الأميركية على كل المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية"، وأبدى استعداده لنقل الخبرات والإمكانيات التي تتمتع بها الفصائل العراقية لشعوب البلدان العربية من أجل تشكيل فصائل مسلحة لمقاومة أميركا.

ومنذ مقتل خامنئي وحتى الآن، فإن الأجواء العراقية مُسيطر عليها بشكل كلي من قِبل إسرائيل وأميركا، ويجري استهداف المدن الإيرانية من السماء العراقية، وكذلك استهداف مقرات الفصائل العراقية، التي أدت إلى مقتل عدد كبير من الشخصيات، من بينهم شخصية إيرانية معروفة باسم "الحاج حامد"، وهو ممثل "الحرس الثوري" داخل العراق ونقطة ارتباط الفصائل، والمسؤول الأمني لـ"كتائب حزب الله" أبو علي العسكري، وغيرهما.

أ ف ب
بحسب مسؤولين أمنيين، يسير شخص بالقرب من حريق مشتعل خارج أراضي السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد في 17 مارس 2026، في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة وصاروخ

ووفقاً لمصادر سياسية مطلعة تحدثت لـ"المجلة"، فإن انتخاب مجتبى خامنئي منح القوة للفصائل داخل السياسة العراقية، وأنهى مسألة القوة الناعمة التي كان يمثلها جهاز المخابرات الإيراني الرسمي المعروف عراقياً بـ"الاطلاعات"، مشيرة إلى أن "الحرس الثوري" الإيراني يركز على الساحة العراقية حالياً ويطلب تكثيف النيران فيها لأسباب عديدة، منها احتواؤها على معارضة إيرانية كردية وضرورة القضاء عليها أو تحجيمها خوفاً من استخدامها لأي عمل بري عسكري ضد النظام الإيراني، ووجود قواعد أميركية، بالإضافة إلى الحفاظ على نفوذ الفصائل في المؤسسات العراقية في المستقبل لمساعدة إيران اقتصادياً ومواجهة "المخططات الأميركية".

وأكدت المصادر أن إيران لا تريد خسارة العراق، لأنه البوابة نحو دعم "حزب الله" اللبناني المحاصر الذي يقاتل إسرائيل، لافتة إلى أن صراعاً كبيراً بين السياسيين الشيعة تولّد بعد اغتيال القيادة الإيرانية العليا، فالفريق الأول، الذي يمثله رئيس الوزراء محمد السوداني وعمار الحكيم وقيس الخزعلي، يطالب بضرورة عدم انزلاق العراق في الحرب، بينما الفريق الثاني، الذي يمثل الفصائل، أصبح أكثر قوة وتحرراً، ويطالب باختيار نوري المالكي رئيساً للحكومة المقبلة، رداً على التدخلات الأميركية وأسوة بإيران التي اختارت مجتبى قائداً لها رغم رفض ترمب.

وبيّنت المصادر أن صعود إدارة جديدة لـ"الحرس الثوري" الإيراني واعتزالها التواصل خوفاً على حياتها، جعل خطوط التواصل مفقودة مع السياسيين العراقيين الذين فشلوا في ضبط ملف الفصائل المسلحة وتجنيب العراق الانزلاق في الحرب التي أدت إلى استهداف مواقع "الحشد الشعبي" من قِبل إسرائيل وأميركا.

تقوم الفصائل العراقية بتوجيه ضربات شبه يومية إلى السفارة الأميركية والقنصلية الإماراتية في أربيل والحقول النفطية التي تشغلها الشركات الأجنبية

وقال السياسي العراقي مصطفى سند، إن مجتبى خامنئي يُعتبر متشدداً، مبيناً أن الساحة السياسية العراقية ستشهد صعوداً لنفوذ إيران، وأن اختيار رئيس الوزراء المقبل سيكون من قِبلهم، مشيراً إلى أن الأميركيين طلبوا من السياسيين العراقيين الإسراع حالياً باختيار رئيس حكومة جديد قادر على التطبيع مع إسرائيل.

وبدأ التخوف يسيطر على السياسيين بعد تبليغ أميركا لهم بإمكانية فرض عقوبات اقتصادية على العراق، نتيجة عدم القدرة على إنهاء ملف الفصائل والابتعاد عن إيران، وفقاً للمصادر.

وقالت السياسية المقربة من رئيس الحكومة، حنان الفتلاوي، إن الدولة العراقية ليست جزءاً من الصراع الحالي، فهي لم تتخذ حتى الآن قراراً من خلال البرلمان للدخول في الحرب.

ولكن المحلل السياسي، رمضان البدران، أكد في حديثه لـ"المجلة"، أن ارتباط الفصائل المسلحة في العراق بالوضع الإيراني هو ارتباط "مصيري"، مشيراً إلى أن ما تتعرض له طهران ينعكس بشكل مباشر على مستقبل هذه الفصائل التي باتت تدافع عن وجودها بكافة السبل المتاحة. وأوضح البدران أن النظام الإيراني يمر بمخاض صعب وخطير وسط ضبابية تكتنف توجهاته ومصيره المستقبلي، مما أصاب الفصائل بحالة من القلق والهلع، مضيفاً أن البيئة العراقية التي كانت حاضنة لهذه الفصائل بفضل النفوذ الإيراني قد تتغير؛ ففي حال انحساره، ستفقد الفصائل الغطاء الوطني الكافي لبقائها، خاصة وأن دورها يتعارض مع الكثير من المصالح الوطنية، مما سيؤثر سلباً على استمراريتها ومقبوليتها في الداخل العراقي.

وتقوم الفصائل العراقية بتوجيه ضربات شبه يومية إلى السفارة الأميركية والقنصلية الإماراتية في أربيل والحقول النفطية التي تشغلها الشركات الأجنبية، واستهدفت أيضا فندق الرشيد الذي يُعتبر مقراً لعدد من الدبلوماسيين العرب والأوروبيين، الأمر الذي جعل رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، يتحدث بشكل صريح قائلاً إن خطورة الاعتداء على البعثات الدبلوماسية تكمن أيضاً في كونه انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، مما يعرّض الدولة المقصّرة في الحماية للمساءلة الدولية، وقد تُفرض عليها عقوبات سياسية أو اقتصادية، أو تواجه عزلة دولية نتيجة تقصيرها في أداء التزاماتها.

وكان المتحدث العسكري باسم رئيس الحكومة، صباح النعمان، قال إن "استهداف مقار البعثات الدبلوماسية، بما يمثله من عمل غير مسؤول، يعد خرقاً خطيراً للاتفاقيات الدولية والعلاقات الخارجية، ويضع العراق في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، بما قد يدفع نحو إجراءات تهدد مصالح وطننا وشعبنا"، مبينا أنه لن يكون هناك تردد أو تراجع في التصدي لأي طرف يحاول العبث بأمن العاصمة، وباقي المدن العراقية، أو استغلال السلاح خارج إطار الدولة.

بدأت إسرائيل بتوجيه خطاب مباشر للعراق عبر المتحدث باسم جيشها، وصفحة "إسرائيل باللهجة العراقية"، لجمع معلومات حول الفصائل العراقية ومواقعها

وأشار البدران إلى وجود توجه واضح من قِبل الحكومة الحالية ومجلس القضاء الأعلى برفض ممارسات الفصائل باعتبارها تشكل خطراً على البلاد، وبيّن أن هذا التعارض في المصالح بين الدولة والفصائل يدفع الأخيرة لمحاولة إيجاد غطاء شرعي واستعراض قوتها في الوقت ذاته، معتبرةً أن هذه المرحلة تمثل إحدى أهم وآخر الفرص لإثبات وجودها. كما لفت إلى أن إيران ستستخدم ورقة الفصائل العراقية ضمن أوراقها التفاوضية للحرب الحالية.

عجز حكومي

من جهة أخرى، قال الأكاديمي خالد العرداوي لـ"المجلة"، إن العراق جبهة أساسية في الحرب الحالية، والكثير من البعثات الدبلوماسية والشركات والمصالح الدولية ستغادره بسبب مسلسل استهدافها، وعجز الحكومة عن فعل أي شيء، مشيراً إلى أن استمرار هذه العمليات سيؤدي إلى توسع استهدافات أميركا وإسرائيل للعراق. ورأى أن القوى السياسية تترقب نهاية الحرب، وعندها ستُشكل الحكومة المقبلة وفقاً لمخرجاتها، من حيث كونها مقربة من طهران أو واشنطن، أو حكومة متوازنة تنأى بنفسها عن سياسة المحاور الإقليمية والدولية.

أ ف ب
يقف مقاتلون أكراد، أعضاء في منظمة "النضال الكردي الإيراني" (سازماني خابات)، أمام جدار مبنى متضرر مثقوب بشظايا، في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة إيرانية على قاعدتهم بالقرب من أربيل، في منطقة كردستان العراق ذات الحكم الذاتي في 9 مارس 2026

وبدأت إسرائيل بتوجيه خطاب مباشر للعراق عبر المتحدث باسم جيشها، أفيخاي أدرعي، وصفحة "إسرائيل باللهجة العراقية"، لجمع معلومات حول الفصائل العراقية ومواقعها، ولكن الخبير الإعلامي، مصطفى الحديثي، قال: "لسنوات تتعامل إسرائيل مع العراق كتهديد ثانوي وغير مهم، لكن الآن يظهر أن هناك انتقالاً في السياسة الأمنية الإسرائيلية تجاه العراق، من خلال بناء نهج استباقي قائم على جمع المعلومات البشرية عبر فتح قنوات تواصل مباشرة مع الجمهور العراقي، وهذا يعكس معرفة متزايدة لأهمية هذه الساحة في معادلة الأمن الإقليمي".

وأضاف أن العراق يواجه التحول في التوجه الإسرائيلي من سياسة التجاهل إلى سياسة الاختراق المباشر، وهي مرحلة غالباً ما تسبق أي تصعيد أمني أو عمليات نوعية.

font change

مقالات ذات صلة