لم يعد يجدي القول إن العالم يحبس الأنفاس لمعرفة ما إذا كانت إسرائيل قد نجحت في اغتيال أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي" الإيراني علي لاريجاني، وربما لاحقا أي شخصية قيادية إيرانية بما في ذلك "المرشد" الإيراني الجديد مجتبى خامنئي. فعمليات الاغتيال الإسرائيلية لم تعد تحمل عنصر مفاجأة كبيرا بعد أن بات يسود اعتقاد بأن تل أبيب باتت تستطيع أن تصل إلى أي كان من خصومها لمجرد أن تضعه على قائمة أهدافها ولمجرد أن تختار التوقيت المناسب ولمجرد أن تتوفر فرصة لتنفيذ العملية. فمنذ اغتيال الأمين العام السابق حسن نصرالله في سبتمبر/أيلول 2024 أعلنت إسرائيل أنها "قوة اغتيال" لا تضاهى ولا ينافسها أحد في هذا المضمار حتى الولايات المتحدة نفسها، وهي كرّست هذا الانطباع وهذه الصورة مع إعلان اغتيال "المرشد" الإيراني الراحل علي خامنئي والعشرات من أركان القيادة الإيرانية صباح السبت 28 فبراير/شباط 2026.
غير أن هذه الاغتيالات التي تعلن بوضوح التفوق الاستخباري والتكنولوجي الإسرائيلي لا تحسم الحرب وإن كانت تضعف "هيبة" الخصم وتمسّ كبرياءه وتربكه في إدارة المعركة. فحسم الحرب مسألة أكثر تعقيدا ولاسيما عندما يكون الخصم مثل إيران أو مثل "حزب الله" اللذين يمتلكان تعريفا خاصا للانتصار والهزيمة، بحيث إن مجرد صمودهما ومنع أعدائهما من القضاء عليهما يمثل بحد ذاته انتصارا لهما، أيا تكن الأكلاف البشرية والمادية والسياسية للمواجهة، وأيا يكن حجم الاختلال في موازين القوى العسكرية الناشئ عن المواجهة وانعكاسه على "توازن الردع". والأهم أنهما يحددان بأنفسهما أهداف أعدائهما بحيث يظلان قادرين على إعلان إفشالها. ولكنها أهداف لا تعكس بالضرورة الأهداف الحقيقية للحرب بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل وهي أهداف متحركة حكما بحسب طبيعة المعركة ونتائجها. فمثلا يروج النظام في إيران أن هدف واشنطن وتل أبيب الآن إسقاطه، لكن في الواقع فإن كلتا الدولتين لم تعلنا أن هذا هو هدفهما النهائي من الحرب أو أنهما لن تنسحبا منها إلا بعد تحقيقه. فقد تكتفي الدولتان في المرحلة الراهنة بـ"احتواء" البرنامج النووي الإيراني، وتحجيم قدرات طهران العسكرية، وبالتالي منعها من تشكيل تهديد خطير ومستمر لإسرائيل ودول المنطقة من غير حلفائها، وهو ما يجعل النظام الإيراني يركّز، بالضرورة، على البقاء داخليا عوض التفكير في التوسع خارجيا كما كانت عليه الحال منذ أكثر من عشرين عاما، وتحديدا منذ إسقاط نظام صدام حسين في العراق.

