ليس سهلا الجواب عن السؤال المتعلق بنتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية الجارية. الخسائر الإيرانية تزداد كل يوم. وقدرة النظام في طهران على الصمود تبدو على المحك. ومع ذلك يظل تحديد ما سيحدث في نهاية الحرب سواء في جولتها الحالية أو في جولة تالية صعبا، لأنه يتعلق بهذه القدرة على الصمود. وهي تتوقف على عوامل عدة لعل أهمها استمرار تماسك النواة الصلبة للنظام الإيراني. فهذه النواة، التي تضم "الحرس الثوري" والجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية وقوات "الباسيج"، هي عصب النظام. واستمرار تماسكها ووحدتها هو كلمة السر في قدرة هذا النظام على الاستمرار والصمود أياً تكن الخسائر التي يتكبدها كل يوم.
أما انكسار هذه النواة بسبب خلافات على كيفية التعامل مع أي جانب من جوانب الحرب، أو حدوث انشقاق ربما لوصول أحد مكونات هذه النواة إلى استنتاج مفاده أن الوضع لم يعد يتحمل الانتظار، فقد يفتح الباب أمام تفاعلات ربما تُيسّر محاولات تغيير النظام من داخله. وقد نجحت هذه النواة في عبور اختبار اختيار "المرشد الأعلى" الجديد مجتبى خامنئي، ولكنه لم يكن سهلا. فالمعطيات التي تتوافر عن التفاعلات التي أحاطت ذلك الاختبار تشي بأن الجناح الأكثر تشددا في النظام مارس ضغوطا قصوى لتمرير هذا الاختبار ثم للتعجيل بإعلانه.
ويعني هذا أن الحرب على إيران قد لا تُحسم إلا من خلال حالة النظام تماسكا أو تخلخلا لأن إسقاطه بواسطة ضربات جوية وصاروخية واستنزاف يومي يبدو أصعب ما لم يحدث اختلال ما في داخله. وإذا صح هذا الاستنتاج فهو قد يعني أن تغييرا كاملا للنظام ليس ممكنا. فهذا نظام أيديولوجي يقوم على عقيدة صلبة ولديه أتباع في كل مكان من البلاد. ولذا يصعب تصور حدوث تغيير في طبيعته، أي إبطال مفعول العامل الأيديولوجي الذي يرجح أن يستمر في صورة ما حتى في حالة تحقق هذا التغيير.
لم تُحسن القيادة الإيرانية باتجاهيها المتشدد والإصلاحي قراءة التغيير الذي يحدث فى الوضع الدولي منذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزة ثم فوز الرئيس دونالد ترمب بالرئاسة
أما إذا حافظت النواة الصلبة للنظام على تماسكها مهما اشتدت الضربات وازدادت الخسائر، وواصلت الصمود الصعب في مواجهة قوى عاتية، فستخرج إيران من الجولة الحالية خاسرة ولكن غير مهزومة بشكل كامل. وسيكون في إمكان التحالف الأميركي-الإسرائيلي إعلان النصر على إيران. ولكنه لن يكون نصرا حاسما يلغي الرقم الإيراني فى المعادلات الإقليمية، وإن استطاع إضعافه والحد من قدرته على التأثير. ومع ذلك ستكون خسارة إيران أكبر مما كان متوقعا، وخاصة حين تتضح تفاصيل ما فقدته في قدراتها النووية والصاروخية وغيرهما من الخسائر التي كان ممكنا تجنبها لولا الحسابات الخاطئة التي قادت إليها أو قُل حالت دون تفاديها.
فلم تكن هذه الحرب مفاجئة بأي حال. كان نشوبها متوقعا سواء في الوقت الذي اندلعت فيه أو بعده بقليل. فقد كان الإعداد لها مستمرا على قدم وساق فيما المفاوضات تُجرى حول برنامج إيران النووي. وعندئذ لم يعد في إمكان النظام الإيراني أن يتفاداها لأن حساباته كانت خاطئة منذ البداية.
لم تُحسن القيادة الإيرانية باتجاهيها المتشدد والإصلاحي قراءة التغيير الذي يحدث فى الوضع الدولي منذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزة ثم فوز الرئيس دونالد ترمب بالرئاسة ودخوله البيت الأبيض ودعمه اللامحدود واللامسبوق لإسرائيل التي اتخذت قرار شن الحرب على إيران وأخذت الولايات المتحدة معها فى ظل صمت دولي شامل تقريبا.
ولو أن القيادة الإيرانية أحسنت قراءة هذا التحول الكبير لربما سعت في وقت مبكر إلى التحرك لتفادي الحرب أو جعل شنها أصعب. وكان أمامها طريق واحد في هذا الاتجاه، وهو التفاهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على صيغة تقدم فيها تنازلات على صعيد إتاحة تفتيش مفاعلاتها النووية وفتحها أمام مفتشي الوكالة سعيا إلى انتزاع اعتراف منها بسلمية البرنامج النووي المتذرَّع به لشن الحرب. فعندما تكون العاصفة شديدة عاتية يحسن الانحناء لها كي تمر. وهي ستمر لا محالة، لو أن الحسابات كانت في محلها، وقادت إلى تفاهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقدمت إيران التنازل الضروري للوصول إليه، حتى إن كان تنازلا مجانيا.
ووفقا للحسابات الرشيدة التي افتقرت القيادة الإيرانية إليها، فإن التنازل المجاني يمكن التراجع عنه حين يتغير الوضع ويصير هذا ممكنا دون المخاطرة بحرب تدمر الكثير مما بنته إيران في عقود. ولكن طهران، التي لم تحسن قيادتها قراءة الوضع، ضيعت فرصة الحصول على "شهادة براءة" من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولو أنها حصلت على هذه الشهادة في وقت مبكر، أي في أوائل العام الماضي أو منتصفه، لصار شن الحرب الشاملة عليها أصعب، ولربما تمكنت من تفاديها والحفاظ على قدراتها التي بنتها في عقود وادخارها للحظة تستطيع فيها استخدامها في إطار استراتيجيتها الإقليمية دون التعرض لمخاطر كبيرة.