ظل العالم طول عام 2025 على سطح صفيح ساخن لا تُبرده تسويات سلمية عدة أُبرمت خلاله. عالم عالق في دوامة عنف لا تبدو لها نهاية في الأفق القريب. حروب إقليمية وأخرى داخلية، وحديث متكرر عن احتمال نشوب حرب عالمية. فالنيران المشتعلة، والقابلة للإشعال، تمتد في معظم مناطق العالم، والأزمات الإنسانية المزمنة منها والطارئة تفتك بملايين البشر. وفيما بدا قرب نهاية العام أن حرب أوكرانيا تقترب من ختامها، وصل التوتر إلى مستويات قياسية بين أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو). كما اتسمت التسويات السلمية التي أُبرمت خلال العام بالهشاشة والقابلية للانكسار لأنها لا تعالج جذور الصراعات المتعلقة بها.
وهكذا حرب في أوكرانيا يلوح ختامها وهي تقترب في مطلع 2026 من إتمام عامها الرابع، وتسويات سلمية لا يصنع أي منها سلاما مستداما أو قابلا للاستمرار إذ أُبرمت بسرعة ودون إعداد كاف، خاصة تلك التي تدخّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإبرامها في إطار سعيه إلى نيل جائزة نوبل للسلام بعد أن رشح نفسه، ورشحه آخرون، لها. وبغض النظر عن أحقيته في الحصول عليها، وهو ما يختلف فيه المختلفون، فالحاصل أنه لم يُحقق ما وعد به في خطاب تنصيبه يوم 20 يناير/كانون الثاني 2025 من أن صناعة السلام ستكون هي الإرث الذي يفخر به أكثر من أي أمر آخر. فقد ظل العالم أبعد ما يكون عن السلام رغم التسويات التي أُبرمت، بل أُضيف إلى الصراعات التي تُلهب أجواءه صراع أشعله الحصار الأميركي لفنزويلا ووصل في مطلع 2026 إلى مستوى بالغ الخطر، وحرب تجارية شنها ترمب فور دخوله البيت الأبيض على نحو فاقم التوتر الأميركي-الصيني الذي لم يلبث أن تراجع بعد الاتفاق الذي عُقد في قمة ترمب وشي جينبينغ في 29 أكتوبر/تشرين الأول في كوريا الجنوبية.
ومع ذلك استمرت الحرب التجارية حتى نهاية 2025، وإن بمعدلات أقل مما كان في بدايته. كما لاحت من بعيد نذر حرب كبرى بين روسيا وحلف "الناتو". ولا يقل خطرا عن ذلك، إن لم يزد، أن إدارة ترمب استخدمت قوة الولايات المتحدة لممارسة ضغوط من أجل إبرام تسويات سلمية في ظل شعار "السلام من خلال القوة". وهذا شعار يُنذر بخطر كبير. فالسلام المفروض بالقوة لا يدوم، إذا جاز اعتباره سلاما. وحين يكون التفاوت بين طرفيه كبيرا يصبح استسلاما يُفرض على الطرف الأضعف الذي يظل يتحين أية فرصة لتغيير الأمر الواقع الذي أدى إليه. كما أنه يغري كل من يملك القوة اللازمة لفرض أمر واقع هنا أو هناك بأن يفعل ذلك في الوقت الذي فقد القانون الدولي دوره نتيجة الانتهاكات المستمرة لقواعده وخاصة خلال الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة.
فقد صارت القوة هي الخيار الأول في إدارة الصراعات الجيوسياسية التي طغت على التفاعلات الدولية 2025، وغطت على أزمات كبرى أخرى مثل أزمة المناخ التي تراجع الاهتمام بها كما ظهر في مؤتمر "كوب-30" الذي استضافته مدينة بيليم البرازيلية في نوفمبر/تشرين الثاني. فكان هذا المؤتمر هو الأقل إثارة للاهتمام السياسي والإعلامي منذ عشر سنوات على الأقل، وانتهى دون جديد بعد فشل محاولة الاتفاق على خطة أكثر فاعلية لتقليل استخدام الوقود الأحفوري وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة من أجل وضع حد للاحترار الذي يهدد الكوكب وسكانه.
صارت القوة هي الخيار الأول في إدارة الصراعات الجيوسياسية التي طغت على التفاعلات الدولية 2025، وغطت على أزمات كبرى أخرى مثل أزمة المناخ
لذلك ولغيره، بدا في 2025 أن العالم يتجه صوب نظام دولي يقوم على القوة وليس القانون، ويعتمد على الغلبة لا القواعد، ويسمح بتغيير الحدود بالقوة العسكرية، ويتساهل مع جرائم الحرب والإبادة الجماعية. وانعكس هذا التطور على التسويات السلمية التي أُبرمت خلال العام ولم يضع أي منها أساسا لسلام حقيقي مستدام.
فقد شهد هذا العام عددا غير مسبوق من التسويات في عام واحد. تسويات سلمية متفاوتة في أهميتها، ولكنها متماثلة تقريبا من حيث إنها كلها هشة وقابلة للانكسار في أي وقت. لم يعالج أي من هذه التسويات أصول الصراع وجذوره، الأمر الذي يجعلها مجرد هُدن مؤقتة كان بعضها موجودا بالفعل بحكم الأمر الواقع، ولكن الاتفاق الذي حدث بشأنها قنَّنها وأضفى عليها طابعا تعاقديا.
كما أن وقف إطلاق النار، الذي هو أبسط ما تؤدي إليه أية تسوية سلمية، لم يتوقف بشكل كامل في بعضها. فقد خُرقت الاتفاقات المتعلقة به، أو لم يُحترم بعض بنودها أصلا، كما حدث مثلا في الاتفاق على وقف الأعمال العدائية في لبنان، والاتفاق على خطة ترمب بشأن قطاع غزة والاتفاق بين تايلند وكمبوديا، فيما ظلت التسويات الهشة الأخرى تنتظر مصيرها سواء الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان، أو الاتفاق بين الهند وباكستان، أو الاتفاق بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، أو الاتفاق بين باكستان وأفغانستان.
ولنضرب مثلين من صراعات منطقة الشرق الأوسط التي بقيت هي الأكثر اشتعالا خلال العام، إلى جانب منطقة شرق أوروبا حيث الحرب الروسية-الأوكرانية. فلا يرقى اتفاق وقف الأعمال العدائية في لبنان الذي أُبرم في آخر نوفمبر/تشرين الثاني 2024 إلى مستوى اتفاق لوقف إطلاق النار أو هدنة مؤقتة ناهيك عن أن يكون تسوية سلمية يمكن البناء عليها لتحقيق سلام مستدام، أو على الأقل وقف الحرب. فهو اتفاق مع وقف التنفيذ، أو قل إنه موقوف تنفيذه بقرار من حكومة نتنياهو دعمته الولايات المتحدة عبر إعطاء إسرائيل حرية الحركة للتدخل عسكريا في أي وقت.
مشكلة التسوية المتضمنة في الاتفاق على خطة ترمب لا تعود فقط إلى انتهاكها المستمر من الجانب الإسرائيلي، بل يرتبط أيضا، وأكثر، بغموض الأفق السياسي لحل الصراع
ومع مرور الأيام تحولت الغارات وأعمال القصف الإسرائيلية إلى أمر اعتيادي لا يثير سوى ردود فعل سياسية في صورة تصريحات أو بيانات تصدر عن مسؤولين لبنانيين على مستويات مختلفة.
أما الاتفاق على خطة ترمب الذى دخل حيز التنفيذ مع عقد قمة شرم الشيخ للسلام في 13 أكتوبر/تشرين الأول، فهو الأكثر هشاشة بين التسويات التي عُقدت عام 2025. احتاج الحفاظ على هذا الاتفاق جهودا كثيرة، وتدخلات أميركية عدة لتجنب انهياره بفعل تفضيل حكومة بنيامين نتنياهو استئناف الحرب.
فالخطة التي اتُفق عليها مليئة بالثغرات والنقائص بدرجة أكبر من المقترحات والمشاريع السابقة، التي طُرحت لإنجاز صفقة لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار. واستغلت إسرائيل هذه الثغرات لمواصلة القصف الانتقائي بشكل يومي تقريبا، فيما بدا أنها محاولة للاحتفاظ بحرية حركة للتدخل العسكري "عند الضرورة"، أي استنساخ ما فعلته، وتفعله، في لبنان.
لكن مشكلة التسوية المتضمنة في الاتفاق على خطة ترمب لا تعود فقط إلى انتهاكها المستمر من الجانب الإسرائيلي، بل يرتبط أيضا، وأكثر، بغموض الأفق السياسي لحل الصراع. فما ورد عن هذا الأفق في البندين الأخيرين (19 و20) عام جدا وغائم سواء النص على إمكان تهيئة الظروف لفتح مسار نحو تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية، أو النص على أن الولايات المتحدة ستنظم حوارا بين إسرائيل والفلسطينيين للاتفاق على أفق سياسي لتعايش سلمي ومزدهر.