"أنثروبيك" في مواجهة جديدة مع ترمب

شركة الذكاء الاصطناعي تعود إلى دائرة الاهتمام الحكومي في الولايات المتحدة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
شعار مساعد الذكاء الاصطناعي "كلود ميثوس" التابع لشركة "أنثروبيك" معروض على شاشة هاتف ذكي في بروكسل، 10 يونيو 2026

"أنثروبيك" في مواجهة جديدة مع ترمب

تواصل "أنثروبيك" عامها الحافل بالتقلبات.

ففي ساعة متأخرة من يوم الجمعة، أعلنت شركة الذكاء الاصطناعي أنها ستوقف العمل بأحدث نموذجين لغويين كبيرين لديها، بعد ثلاثة أيام فقط من إطلاقهما، مستندة في ذلك إلى ضوابط تصدير جديدة فرضتها الحكومة الأميركية للتو، وتحظر على أي رعايا أجانب استخدام هذين النموذجين.

زاد قرار ضوابط التصدير المفاجئ من حدة التوتر القائم بين شركة وادي السيليكون وإدارة ترمب، على خلفية مخاوف الأمن القومي المتعلقة باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التي تطورها "أنثروبيك"، وفتح الباب أمام مواجهة بارزة ثانية بين الجانبين في أقل من عام.

وتفيد تقارير بأن مسؤولين تنفيذيين في "أنثروبيك" أجروا، يوم الاثنين، محادثات مع مسؤولين في الإدارة في واشنطن سعيا إلى إيجاد مخرج، غير أن الجانبين لم يتوصلا إلى اتفاق حتى الآن. ولم يرد أي منهما على طلبات التعليق بشأن ما دار في تلك المحادثات.

(رويترز)
الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" داريو أمودي خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي، 19 فبراير 2026

إليكم أبرز ما ينبغي معرفته.

ماذا حدث؟

تلقت "أنثروبيك"، عند الساعة 5:21 مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم الجمعة، توجيها من الحكومة الأميركية بشأن ضوابط التصدير، استند إلى "سلطات الأمن القومي" لمنع أي رعايا أجانب، بمن فيهم موظفو الشركة غير الأميركيين، من استخدام نموذجيها "كلاود فايبل 5" و"كلاود ميثوس 5"، وفق ما قالت الشركة في بيان. وأضافت أن التوجيه "لم يورد تفاصيل محددة بشأن دواعي القلق المتعلقة بالأمن القومي".

قرار ضوابط التصدير المفاجئ زاد من حدة التوتر القائم بين شركة أنثروبيك والإدارة الأميركية

وقالت أنثروبيك إن الحكومة أعربت شفهيا عن مخاوفها بشأن ثغرات في النموذجين تسمح للمستخدمين بالتحايل على قيودهما أو تجاوز إجراءات الحماية الخاصة بهما. غير أن الشركة رأت أن هذه الثغرات "تبدو بسيطة نسبيا"، وأنه يمكن كشفها أيضا عبر نماذج أخرى متاحة للعموم، مثل "شات جي بي تي" التابع لشركة "أوبن إيه آي".

ولم يرد البيت الأبيض على الفور على طلب فورين بوليسي للتعليق بشأن طبيعة مخاوفه المحددة، التي أفادت تقارير بأن أمازون هي من نبهت الإدارة إليها. وبحسب شخص مطلع على المسألة، شاركت أمازون هذه المخاوف مع أنثروبيك قبل أن تطرحها على الحكومة الأميركية.

وتعد شركة التكنولوجيا العملاقة مستثمرا وشريكا رئيسيا في أنثروبيك، إلى جانب كونها مزودا أساسيا لخدمات الحوسبة السحابية للحكومة الأميركية. وقال متحدث باسم أمازون في بيان: "بوصفنا مزودا رائدا للخدمات السحابية، نقدم خدماتنا لعدد كبير من عملاء القطاعين الخاص والعام، فليس غريبا أن تلجأ الحكومات إلينا طلبا للمشورة بشأن مخاطر أمنية محتملة". وأضاف: "وعندما يحدث ذلك، فإننا لا نفصح عن تفاصيل هذه المناقشات".

(رويترز)
شعار شركة "أنثروبيك" إلى جانب لوحة مفاتيح ويد روبوتية في صورة توضيحية، 5 يونيو 2026

وبدلا من السعي إلى عزل الوصول إلى النموذجين وقصره على المستخدمين الأميركيين وحدهم، قررت أنثروبيك إيقافهما بالكامل. وقالت الشركة: "إن المحصلة النهائية لهذا القرار هي أننا مضطرون إلى تعطيل "فايبل 5" و"ميثوس 5" بصورة مفاجئة أمام جميع عملائنا لضمان الامتثال"، مشيرة إلى أن الوصول إلى نماذجها الأخرى سيظل متاحا من دون قيود.

مهلا، لماذا يبدو اسم "ميثوس" مألوفا؟

دقت أنثروبيك ناقوس الخطر في أبريل/نيسان الماضي، عندما كشفت عن نسخة أقدم من أحد نماذجها الجديدة حملت اسم "كلاود ميثوس بريفيو". وحذرت الشركة آنذاك من أن النموذج أقوى من أن يطرح للجمهور بشكل كامل، بعدما أظهر قدرة استثنائية على اكتشاف الثغرات السيبرانية في أنظمة الحاسوب، بما يسهل نظريا على القراصنة اختراقها. وعوضا عن ذلك، أتاحت أنثروبيك الوصول إلى "ميثوس" لبضع عشرات من الشركات والوكالات الحكومية، مع اتساع هذه الدائرة تدريجيا، كي تستخدمه في بيئة مغلقة وتصلح ثغرات أنظمتها قبل طرحه على نطاق أوسع.

بدلا من عزل الوصول إلى نموذجي برامج للذكاء الاصطناعي وقصرها على المستخدمين الأميركيين قررت أنثروبيك إيقافهما بالكامل

وجاء ذلك الطرح الأوسع يوم الثلاثاء الماضي، حين أعلنت أنثروبيك عن إطلاق "كلاود فايبل 5"، وهو نموذج قالت إنه بني على أساس "ميثوس"، لكن مع ضمانات إضافية وقيود على أنواع معينة من الطلبات، جعلته "آمنا للاستخدام العام". كما أعلنت إطلاق "كلاود ميثوس 5"، وهو نسخة معدلة قليلا من النموذج نفسه، من دون بعض تلك الضمانات، ولا يقتصر استخدامه إلا على "مجموعة صغيرة من خبراء الأمن السيبراني ومزودي البنية التحتية".

لكن هذا الإطلاق الكبير لم يعمر طويلا، إذ أوقفت إدارة ترمب النموذجين كليهما بعد ثلاثة أيام فقط.

هذه ليست المرة الأولى التي تدخل فيها إدارة ترمب في صدام مع أنثروبيك، أليس كذلك؟

صحيح. ففي فبراير الماضي، خاضت أنثروبيك مواجهة كبيرة مع وزارة الحرب الأميركية على خلفية استخدام الجيش الأميركي لنماذج الشركة. وطالبت أنثروبيك بأن يلتزم البنتاغون بعدم استخدام تلك النماذج في الأسلحة ذاتية التشغيل أو في المراقبة الداخلية.

وردّ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بتوجيه إنذار نهائي: إما أن تمنح أنثروبيك الجيش وصولا غير مقيد إلى تقنيتها، وإما أن تصنف "خطرا على سلسلة الإمداد"، وهو توصيف كفيل بمنعها من خدمة أي عملاء يتعاملون مع البنتاغون.

ومضى هيغسيث لاحقا في تنفيذ تهديده، ما دفع الشركة إلى مقاضاة الحكومة الأميركية ردا على ذلك. ولا تزال الدعوى القضائية جارية، في وقت تخوض فيه أنثروبيك وإدارة ترمب مواجهة جديدة هذا الأسبوع.

(رويترز)
شعارا شركتي "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" في صورة توضيحية، 11 يونيو 2026

وكتب هيغسيث في منشور على منصة إكس يوم السبت: "قبل ثلاثة أشهر، طردت وزارة الحرب الأميركية شركة أنثروبيك للذكاء الاصطناعي من مبنانا إلى الأبد. وكل يوم يمر يثبت أن ذلك القرار كان صائبا".

ماذا يعني ذلك لبقية العالم؟

أضافت المواجهة بين أنثروبيك وترمب مزيدا من الضغط على علاقة عبر أطلسية مضطربة أصلا، في وقت تحاول فيه الدول الأوروبية انتزاع استثناءات تتيح لها مواصلة استخدام أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية تقدما.

قبل 3 أشهر، طردت وزارة الحرب شركة "أنثروبيك" للذكاء الاصطناعي من مبنانا إلى الأبد. وكل يوم يمر يثبت أن ذلك القرار كان صائبا

بيت هيغسيث، وزير الحرب الأميركي

وأفادت صحيفة "فايننشيال تايمز" أن دبلوماسيين أوروبيين أجروا محادثات مع وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا هذا الأسبوع، سعيا إلى التفاوض على صيغة وصول بصفتهم "شركاء موثوقين". كما طلبت المملكة المتحدة إعفاء خاصا، غير أن مسؤولا في إدارة ترمب قال لصحيفة "نيويورك بوست" إن استثناء أي دولة من ضوابط التصدير، حتى الحلفاء، سيكون "غير منطقي على الإطلاق".

دونالد ترمب يعرض مبادرة للذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي، بحضور مسؤولين، 11 ديسمبر 2025

وحذر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من أن ضوابط التصدير الأميركية تكشف مخاطر اعتماد العالم المفرط على التقنيات الأميركية. وقال كارني خلال زيارة إلى أيرلندا قبيل قمة مجموعة السبع: "إن الوضع الذي نمر به جميعا الآن مع (ميثوس) و(فايبل) يمكن أن يحدث نتيجة الاعتماد المفرط على نماذج بعينها". وأضاف: "لم يرتكب أحد خطأ في هذا الوضع". ثم تابع: "لكننا سنكون قد ارتكبنا خطأ إذا استسلمنا، ولم نستخلص العبرة من هذا الدرس، ولم نطور وننوع مصادرنا".

font change

مقالات ذات صلة