فرصة خطرة لكرد إيران

لا يمكن للجماعات الكردية والمعارضة الإيرانية رسم مستقبل أفضل إلا بالعمل معا

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
مقاتل من البيشمركة التابعة لـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" يشارك في تدريب عسكري في مدينة كويا شرق أربيل بإقليم كردستان العراق، 22 أكتوبر 2017

فرصة خطرة لكرد إيران

مع احتدام الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أفادت تقارير بأن واشنطن قررت التعويل على دعم الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية. وتعتمد هذه الخطة، على ما يبدو، على أن تؤدي تلك الجماعات دور قوات برية داخل المنطقة الكردية في إيران، المعروفة لدى الكرد باسم روزهلات. واكتسبت هذه التقارير قدرا أكبر من المصداقية عقب اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومصطفى هجري، رئيس ائتلاف من أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية تشكل في أواخر فبراير/شباط. وعزز هذا الاتصال مكانة الكرد في إيران، ورفع مستوى حضورهم على نحو غير مسبوق، إذ بدا أن هجري القائد الوحيد لجماعة معارضة إيرانية الذي أجرى حديثا مباشرا مع ترمب خلال الصراع.

بالتوازي مع هذه التطورات، صعّدت الحملة الجوية الأميركية-الإسرائيلية ضرباتها على أهداف للنظام في مختلف أنحاء كردستان إيران. ويوحي اتساع هذه الضربات بأنها تستند إلى خطة مدروسة ترمي إلى تفكيك البنية الأمنية للنظام في المنطقة الكردية برمتها، بما يشمل منشآت الحرس الثوري، والجيش النظامي، وقيادات حرس الحدود، ومراكز الاستخبارات، وحتى مراكز الشرطة. ويبدو أن المقصود هو تقويض قدرة النظام على المواجهة إذا اندلعت انتفاضة شعبية، أو إذا دخلت قوات المعارضة الكردية الأراضي الإيرانية انطلاقا من إقليم كردستان العراق المجاور.

وتفيد متابعة ردود الفعل في الإعلام الكردي وفضاءات التواصل الاجتماعي، إلى جانب أحاديث مع مراقبين كرد في أنحاء المنطقة، بأن كثيرين من الكرد ينظرون إلى احتمال المشاركة في الصراع باعتباره مجازفة خطرة وفرصة تاريخية في الوقت نفسه. فإذا نجحت هذه المشاركة، فقد تفتح أمام الكرد آفاقا سياسية أفضل داخل إيران وتعزز موقعهم فيها. أما إذا أخفقت، فقد تكون كلفتها باهظة، إذ تلقي بأعباء كبيرة على المجتمعات الكردية في إيران والعراق معا. وفي هذه اللحظة المشحونة، فإن أفضل ما يمكن أن يفعله كرد إيران، وما يمكن أن يخدم أيضا قيام دولة ديمقراطية، هو أن تتعاون جماعات الأقليات العرقية مع المعارضة الإيرانية الأوسع.

(رويترز)
مقاتلون كرد إيرانيون من "حزب حرية كردستان" (PAK) خلال تدريب عسكري في قاعدة قرب أربيل، العراق، 12 فبراير 2026

لكي ينجح أي تدخل مسلح تنفذه الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية، على الأقل من المنظور الكردي، فلا بد من أن يحظى بغطاء عسكري أميركي-إسرائيلي مستدام. ولا يقل عن ذلك أهمية أن يتوافر له دعم سياسي لا يقتصر على المرحلة الراهنة من الصراع، بل يمتد إلى ما بعدها أيضا، سواء انهارت الجمهورية الإسلامية، أو بقيت قائمة وهي أكثر ضعفا، أو دخلت مرحلة تحول. وإذا رفع صناع القرار في واشنطن هذا الدعم بعد أن شجعوا الكرد على الانخراط ميدانيا، فقد تكون العواقب كارثية، إذ قد يترك ذلك المجتمعات الكردية في أنحاء المنطقة عرضة لعمليات انتقام واسعة تنفذها الدولة الإيرانية. وهذا الاحتمال ليس بعيدا، إذ سبق أن شهدت المنطقة حالة مشابهة في أعقاب حرب الخليج عامي 1990 و1991. ففي تلك المرحلة، انتفض الكرد على الرئيس العراقي صدام حسين بعدما حضهم الرئيس الأميركي آنذاك جورج إتش دبليو بوش على ذلك، لكنهم بقوا في مواجهة العمليات العسكرية التي شنها نظام حسين. ولم يتحرك المجتمع الدولي لوقف حملته الوحشية إلا بعد مشاهد النزوح الجماعي للمدنيين الكرد، وأطفال يموتون من البرد في الجبال.

خطة تعول على دعم الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية. معتمدة على أن تؤدي تلك الجماعات دور قوات برية داخل منطقة الكرد في إيران

ولا تزال صدمة الحرب السورية ماثلة بقوة في وعي الكرد في أنحاء المنطقة. ففي سوريا، بدا في أكثر من مرة أن القوى الدولية توشك أن تترك القوات الكردية تواجه وحدها هجمات شنتها قوات الحكومة السورية وميليشيات حليفة لها في يناير/كانون الثاني الماضي. ومن هنا، يتزايد تشكك المراقبين الكرد فيما إذا كان الدعم الأميركي في الحالة الإيرانية سيصمد فعلا، أم إنه لن يكون سوى دعم عابر تحكمه حسابات اللحظة. ومن دون التزام طويل الأمد من الولايات المتحدة وحلفائها بدعم المجتمعات الكردية في إيران والعراق، يبدو الانخراط في هذا الصراع، في نظر كثير من الكرد، محفوفا بعواقب بالغة الخطورة.

في الواقع، لا يهدد هذا المسار كرد إيران وحدهم. فانخراط الجماعات الكردية الإيرانية في الصراع الحالي قد يفضي إلى تداعيات إقليمية واسعة، وقد يدفع كرد العراق أيضا ثمنه إذا اتسعت رقعة المواجهة. ولا تزال منطقة كردستان العراق تواجه ضغوطا وهجمات من إيران، ومن ميليشيات شيعية عراقية متحالفة مع طهران. وتدل تصريحات قيادة كردستان العراق على أن قدرتها على التأثير في القرارات الاستراتيجية الكبرى التي تتخذ في واشنطن تظل محدودة. كذلك، يبدو أن التعاون بين القوات الأميركية وجماعات المعارضة الكردية الإيرانية سيستمر بصرف النظر عن موقف سلطات أربيل. كما أن منطقة كردستان، التي يعيش فيها أكثر من ستة ملايين نسمة، شديدة الاعتماد على الولايات المتحدة في الأمن والإسناد السياسي، وهو ما يحد من قدرتها على معارضة المبادرات الأميركية علنا. ومنذ 28 فبراير/شباط، مع بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، تعرضت كردستان العراق بالفعل لهجمات متصاعدة نفذتها إيران وميليشيات عراقية حليفة لها. ويرجح أن يتسع نطاق هذه الهجمات وتشتد إذا دخلت قوات المعارضة الكردية الإيرانية على خط المواجهة.

ومن المرجح أن يثير هذا التطور قلق تركيا، بما يضيف مزيدا من التعقيد إلى المشهد. فأنقرة تنظر منذ وقت طويل بعين الريبة إلى أي مكاسب سياسية تحرزها الجماعات الكردية في المنطقة، لأنها تربطها على الدوام بمسألتها الكردية في الداخل. ومن هذا المنطلق، يرجح أن يعارض صناع القرار الأتراك اتساع الدور السياسي الكردي في إيران. كذلك، فإن احتمال انخراط جماعات بلوشية في جنوب شرق إيران قد يفتح الباب أمام دخول باكستان على الخط أيضا، لأن إسلام آباد تتحسب بدورها من أي حراك قومي بلوشي.

(رويترز)
مقاتلون من "حزب حرية كردستان" (PAK) خلال تدريبات في قاعدة قرب أربيل بإقليم كردستان العراق، 12 فبراير 2026

ومع ذلك، تنطوي لحظة التعاون الراهنة مع واشنطن على جاذبية كبيرة لدى كرد إيران. فبالنسبة إلى مجتمع عانى طويلا من التهميش السياسي، ومن القيود المفروضة على حقوقه الثقافية واللغوية، ومن التهميش الاقتصادي، تمثل هذه اللحظة فرصة نادرة للمطالبة بحقوق سياسية استعصت على التحقيق طوال قرن من تاريخ إيران الحديث.

في سوريا بدا أكثر من مرة أن القوى الدولية توشك أن تترك القوات الكردية تواجه وحدها

في حين تصور بعض التعليقات في الإعلام الغربي ودوائر صنع القرار، على نحو مضلل، الحراك الكردي وغيره من حركات الأقليات العرقية على أنه نزعة انفصالية، أو تلمح إلى أنه مجرد أداة في يد قوى خارجية، فإن انخراط الكرد في الحرب الدائرة يعكس دينامية سياسية أعمق داخل إيران لا يستقيم فهمها من منظور عسكري صرف. ويتعامل الكرد مع هذه اللحظة في سياق تاريخهم ومظالمهم المشروعة.

وخلال العقد الماضي على وجه الخصوص، تزايدت أهمية الانتماء العرقي بوصفه عاملا مؤثرا في السياسة الداخلية الإيرانية. وبرز هذا التحول في موجات الاحتجاج المتعاقبة منذ عام 2017، إذ غدت المناطق ذات الغالبية غير الفارسية، ولا سيما الكردية والبلوشية والعربية، من أبرز ساحات الحراك. ومع أن إيران لا تنشر إحصاءات رسمية عن تركيبتها العرقية، فإن تقديرات كثيرة تشير إلى أن ما يقارب نصف سكان البلاد ينتمون إلى جماعات غير فارسية، مثل الأتراك الأذريين والكرد واللور والعرب والبلوش والتركمان وغيرهم. وتتركز هذه الجماعات إلى حد كبير في المناطق الحدودية، فتطوق جغرافيا قلب البلاد. أما الفرس، ومعظمهم من الشيعة، فما زالوا يشكلون الجماعة المهيمنة سياسيا داخل مؤسسات الدولة.

إن تصوير الكرد وغيرهم من الجماعات العرقية المعارضة الأخرى على أنهم انفصاليون يعملون لحساب قوى أجنبية يتجاهل البنية الأعمق التي أفرزت هذه الجماعات وحددت مسارها. فكثير من هذه القوى نشأ في الأصل ردا على عقود من السياسات التمييزية الممنهجة والراسخة التي انتهجتها الدولة. ومع امتداد سنوات الحراك من دون أن تفضي إلى تغيير يذكر، ترسخ لدى كثيرين داخل هذه المجتمعات شعور بأن فرص الإصلاح الجاد من داخل النظام السياسي الإيراني القائم باتت محدودة.

(أ.ف.ب)
مقاتل من "الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" (KDPI) يتفقد الأضرار بمعسكر آزادي بعد هجوم إيراني في كويسنجق شرق أربيل، بإقليم كردستان العراق، 3 مارس 2026

ويتجلى ذلك بوضوح أكبر حين لا تبدي حتى أبرز شخصيات المعارضة خارج إيران استعدادا جديا للتجاوب مع المطالب السياسية والثقافية للأقليات العرقية. فولي العهد السابق رضا بهلوي، مثلا، لم يقدم ما يدل على مرونة سياسية أو خطابية حقيقية في ما يخص حقوق الأقليات. كذلك، دأب مسؤولو الجمهورية الإسلامية، ومعهم قطاعات من المعارضة في المنفى، على وصم نشطاء الأقليات بالانفصال، وهي تهمة ثقيلة العواقب داخل إيران. وعلى مر السنين، أعدمت الدولة في عهدَي ملكية بهلوي والجمهورية الإسلامية أعدادا كبيرة من الناشطين السياسيين الكرد وغيرهم من أبناء الأقليات العرقية تحت هذه التهمة.

تصوير المعارضين من الكرد وغيرهم من الجماعات العرقية على أنهم انفصاليون يعملون لحساب قوى أجنبية أمر يتجاهل البنية الأعمق التي أفرزت هذه الجماعات وحددت مسارها

ومن المرجح أن يقتضي أي انتقال سياسي مستدام في إيران إعادة تصور الهوية الوطنية على أسس جديدة. فالسردية الرسمية السائدة ما زالت تمنح اللغة والثقافة الفارسيتين، إلى جانب الإسلام الشيعي، موقع الصدارة في تعريف الهوية الإيرانية. لكن إيران، في واقعها الاجتماعي، بلد تتداخل فيه جماعات عرقية ودينية متعددة، الأمر الذي يجعل ترسيخ تصور أكثر شمولا وتعددا للهوية الوطنية شرطا ضروريا لاستقرار طويل الأمد. ومن دون إطار سياسي جامع يعكس هذا التنوع، سيصعب على هذه المجتمعات أن ترى نفسها ممثلة بحق في مستقبل الدولة الإيرانية.

وحتى إذا اتجهت واشنطن وحلفاؤها إلى إضعاف النظام الحالي أو إزاحته في نهاية المطاف، فلن يكون في مقدور الجماعات الكردية وحدها أن تحدد مستقبل إيران السياسي. ففاعلية هذه التنظيمات تبقى متركزة أساسا في الإقليم الكردي، في حين أن أي تحول أوسع في النظام الإيراني يحتاج إلى تعاون بين طيف واسع من قوى المعارضة. لذلك، فإن دفع التنسيق بين جماعات المعارضة العرقية والقوى السياسية الإيرانية الأكثر حضورا يظل شرطا ضروريا لأي انتقال سياسي مقبل. وأبدى الكرد مرارا استعدادهم للحوار مع سائر قوى المعارضة، وأعلنوا دعمهم لإطار سياسي يقوم على الديمقراطية والتعددية والشمول.

ويبدو أن الفاعلين الكرد يدركون جيدا حجم المخاطر التي ينطوي عليها الانخراط في الصراع الحالي، ولذلك يرجح أن يتصرفوا بحذر. لكن العامل الأعمق وراء عدم الاستقرار في إيران، وفي جزء واسع من الشرق الأوسط، يظل متمثلا في بنى الدولة السلطوية العنيفة شديدة المركزية، التي حرمت شرائح واسعة من السكان، على امتداد عقود، حقوقا سياسية وثقافية فعلية. وأي نقاش عن مستقبل هذه الدول ومسألة الأقليات، من دون مواجهة هذه الحقائق البنيوية، لن يفضي إلا إلى تكرار دوامات القمع وعدم الاستقرار والمغامرات السياسية اليائسة التي أنهكت المنطقة على مدى عقود.

font change

مقالات ذات صلة