السلطة في إيران تتأرجح مع مقتل "المرشد الأعلى"

ضربة للنظام تعقبها حالة من الغموض

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
خامنئي يصل للإدلاء بصوته في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية في طهران، 5 يوليو 2024

السلطة في إيران تتأرجح مع مقتل "المرشد الأعلى"

خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوما بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو/حزيران من العام الماضي، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيبقي على حياة الزعيم الأعلى لإيران، علي خامنئي، "في الوقت الحالي"، حتى بينما كانت القاذفات الأميركية تدمر المنشآت النووية الإيرانية، وكانت الطائرات الإسرائيلية تحطم دفاعاتها الجوية وتقتل كبار مسؤوليها. وفي الفصل الثاني من الحرب، الذي بدأ في 28 فبراير/شباط، قتلت الولايات المتحدة وإسرائيل خامنئي. وكتب ترمب على شبكته "تروث سوشيال": "لقد مات أحد أكثر الأشخاص شرا في التاريخ". وأكدت إيران وفاته بعد ساعات قليلة.

تشكل الضربة القاتلة ذروة دامية لما يقرب من نصف قرن من العداء بين الولايات المتحدة والنظام الديني في إيران. فعلى مدى عقود، ردد أنصار الجمهورية الإسلامية هتافات "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل". ولكن الموت حاق اليوم بقائدهم وبعدد من أبرز قادتهم العسكريين. وعلى السطح يبدو ذلك نصرا لافتا لترمب، الذي دأب طويلا على توثيق ما يصفه بعدوانية النظام وجهوده لزعزعة استقرار المنطقة. ولعله وجه ضربة قاصمة لثيوقراطية إيران.

غير أن السؤال الملحّ يتعلق بقادم الأيام. فبموجب الدستور، يتولى "مجلس قيادة" يضم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية ورجل دين بارزا إدارة المرحلة الانتقالية ريثما يتم اختيار زعيم أعلى جديد. ولا يعرف ما إذا كان هؤلاء قد نجوا جميعا من الهجمات. وكان بعضهم يرجح أن يتولى مجتبى، نجل خامنئي، السلطة، غير أن تقارير تحدثت عن مقتله هو أيضا. وقد يعين ما تبقى من أركان النظام خليفة من رجال الدين، أو ربما هيئة جماعية منهم. إلا أن السلطة الفعلية ظلت منذ زمن طويل في يد "الحرس الثوري"، الحارس العقائدي للنظام. وتكمن المعضلة في أن عددا من أبرز قادته قتلوا كذلك. ووفقا لإسرائيل، من بين القتلى علي شمخاني، القيادي المخضرم في "الحرس الثوري" والمستشار البارز لخامنئي، وكذلك محمد باكبور، قائد الحرس الثوري.

(رويترز)
خامنئي خلال صلاة الجمعة في طهران، ويظهر خلف المنبر بندقية آلية، 17 يوليو 1989

ومع ذلك قد يستمر النظام. يقول تريتا بارسي من "معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول" في واشنطن: "هذا ليس نظاما ملكيا يؤدي فيه التخلص من الشاه وورثته الذكور إلى سقوط النظام. إنه نظام، حتى وإن لم يكن يتمتع بشعبية واسعة، يقوم على مؤسسة أمنية لا تعتمد على شخص واحد أو عائلة واحدة". ولعل النظام قد أخر إعلان وفاة خامنئي رسميا عن قصد لإتاحة الوقت لترتيب الخلافة. وإعلان قيادة جديدة من دون قبول ضمني من الولايات المتحدة قد يضعها مباشرة في مرمى الاستهداف.

تشكل الضربة القاتلة ذروة دامية لما يقرب من نصف قرن من العداء بين أميركا والنظام الديني في إيران

وهنالك كثير ممن يخشون اضطرابات في مجتمع أنهكته سنوات من العقوبات وسوء الإدارة. فإيران، التي يزيد عدد سكانها على تسعين مليون نسمة، دولة متعددة القوميات وقابلة للتشقق. العرب والكرد والأذريون والبلوش لديهم طموحات متفاوتة نحو الحكم الذاتي إذا نشأ فراغ في السلطة. وقبل الضربات بأيام، زار توم باراك، مبعوث ترمب، كردستان العراق، وقيل إنه حث الكرد الإيرانيين على الاستعداد للانتفاض. ولا تزال ذكريات الفوضى الدامية التي أعقبت إسقاط صدام حسين في العراق عام 2003 ومعمر القذافي في ليبيا عام 2011 حاضرة بقوة في ذاكرة المنطقة.

قد يأمل ترمب في سيناريو شبيه بفنزويلا، حيث تطيح الولايات المتحدة برأس النظام ثم تتفاوض مع ما تبقى منه من أجل انتقال إلى نظام أكثر توافقا مع مصالحها. وهو قال إن هناك عدة "مرشحين جيدين" لتولي السلطة، ولكنه أحجم عن تسميتهم. ويعتقد أن بعض رموز النظام ما زالوا على قيد الحياة، من بينهم محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وعلي لاريجاني، سلفه في المنصب. غير أن كليهما غارق في تاريخ النظام، وقد يواجه صعوبة في كسب الدعم خارج قاعدته المتآكلة. وقد يكون حسن روحاني مرشحا أكثر قبولا، إذ انتخب رئيسا مرتين وتفاوض على الاتفاق النووي عام 2015 سعيا إلى تهدئة مع الغرب.

وإذا مضت الولايات المتحدة وإسرائيل نحو اقتلاع أعمق، فقد تدعمان قائدا أقل شهرة، أو تحاولان تنصيب رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير، الذي يحظى بدعم صريح من إسرائيل، غير أن ترمب لم يظهر حماسا يذكر لعودة الملكية.

(أ.ف.ب)
خامنئي يسير إلى جانب قادة عسكريين أمام عناصر من ميليشيات الباسيج خلال تجمع في طهران، 26 نوفمبر 2007

تكمن المخاطرة بالنسبة إلى ترمب في أن يجد نفسه عالقا في حملة عسكرية مفتوحة المعالم هدفها احتواء نظام أضعف لكنه ما زال قائما وعدائيا، وهو النمط ذاته من النزاعات الممتدة في الشرق الأوسط الذي طالما انتقده. والحال أن الإيرانيين لم يستجيبوا على نطاق واسع لدعوة ترمب للنزول إلى الشوارع، على الرغم من انتشار مقاطع فيديو تظهر بعض المحتفلين في طهران بمقتل خامنئي. وأطلقت القوات المسلحة الإيرانية مئات الصواريخ والطائرات المسيرة نحو إسرائيل والدول العربية التي تستضيف قوات أميركية، كما أعلنت إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث صادرات النفط العالمية المنقولة بحرا. وبدأت ناقلات النفط بالفعل تغيير مساراتها.

تأمل واشنطن في سيناريو شبيه بفنزويلا، يزاح فيه رأس النظام وتتفاوض مع بقاياه على انتقال إلى نظام أكثر ملاءمة

في يونيو/حزيران الماضي، انضم ترمب إلى الحملة الجوية الإسرائيلية في مراحلها الأخيرة، فأرسل قاذفات "بي-2" لتحييد منشآت التخصيب وفرض وقف إطلاق النار وتعزيز موقعه التفاوضي. وعندما واصلت إسرائيل ضرباتها، عبر عن غضبه قائلا إن الطرفين يقاتلان "منذ وقت طويل وبشراسة إلى حد أنهما لم يعودا يعرفان ما الذي يفعلانه". وهذه المرة دخلت الولايات المتحدة الحرب إلى جانب إسرائيل منذ بدايتها، وهي تعلن عزمها على إسقاط النظام الديني. ويقول الرئيس إن القصف سيستمر "طالما كان ذلك ضروريا لتحقيق هدفنا المتمثل في السلام في الشرق الأوسط، بل وفي العالم بأسره". وإذا أخفقت هذه المقامرة، فلن يكون ترمب أول رئيس يرى نصرا مبكرا يتبدد في رمال الشرق الأوسط.

font change