كلا... "حرب إيران" ليست مجرد سباق صواريخ

الطرف الذي تنجح استراتيجيته في التفوق على استراتيجية خصمه، هو الأرجح في حسم المعركة

أ ف ب
أ ف ب
فتى يلهو بجوار صاروخ لم ينفجر سقط في حقل مفتوح على مشارف مدينة القامشلي، شرق سوريا، في 5 مارس 2026

كلا... "حرب إيران" ليست مجرد سباق صواريخ

تشكل الصواريخ والطائرات المسيرة، ركنا أساسيا في القوة العسكرية الإيرانية. وقد اعتمدت عليها طهران اعتمادا كثيفا، يكاد يكون حصريا، في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فلا يعول على سلاح الجو الإيراني بسبب تقادم معداته العائدة إلى عهد الشاه، أما البحرية الإيرانية فعلى ما لديها من قدرات، لا تملك فرصة تذكر في مواجهة البحرية الأميركية.

لذلك، يبدو مفهوما أن يذهب كثيرون إلى القول إن إيران ستسقط، إذا نجح خصومها في استنزاف هذا المخزون من الأسلحة، شرط أن لا تنفد لدى هؤلاء الخصوم الصواريخ الاعتراضية أولا.

لكن تصوير المسألة على أنها سباق صاروخي فحسب، ينطوي على كثير من التضليل. فالحرب هنا ليست لعبة أرقام، وإنما صراع إرادات واستراتيجيات متقابلة، والطرف الذي تنجح استراتيجيته في التفوق على استراتيجية خصمه، هو الأرجح في حسم المعركة.

تعتمد الولايات المتحدة استراتيجية الصدمة والترويع، سعيا إلى نتائج سريعة وحاسمة تفضي إلى تغيير النظام

تعتمد الولايات المتحدة استراتيجية الصدمة والترويع، سعيا إلى نتائج سريعة وحاسمة تفضي إلى تغيير النظام، سواء بإسقاط القيادة بالكامل، أو بالإبقاء على بعض المسؤولين الأكثر ميلا إلى المساومة. أما إيران، فتسعى إلى توسيع رقعة النزاع وإطالة أمده، لكي تفرض على خصومها كلفة سياسية واقتصادية باهظة تدفعهم إلى وقف العمليات العسكرية. وفي هذا السياق الاستراتيجي والسياسي، ينبغي التدقيق في مخزونات السلاح لدى الجانبين، وفي كيفية استخدام كل منهما لها.

فرغم أن إيران تمتلك واحدا من أكبر مخزونات الصواريخ والمسيرات في العالم، ولديها القدرة على إنتاج المزيد منها، فإنها لن تقدم على استنزافه بإطلاق أعداد هائلة كل يوم من أجل البقاء، وهو في صدارة أولوياتها. فالتوزيع المدروس، وضبط الوتيرة، والدقة، والقدرة التدميرية، كلها أرجح من مجرد الكثرة العددية.

رويترز
تتناثر شظايا لامعة في السماء فيما وصفته وسائل الإعلام المحلية بأنه صاروخ برأس حربي انشطاري، وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران، كما شوهد من عسقلان، إسرائيل، في 5 مارس 2026.

فصاروخ واحد يصيب حقلا نفطيا في الخليج، أو قنصلية أميركية، أو مركزا عمرانيا إسرائيليا، أجدى بكثير وأشد أثرا سياسيا من عشرات الصواريخ التي تسقط في البحر أو الصحراء. والإيرانيون يملكون ما يكفي من الصواريخ والمسيرات الدقيقة والعصية على الاعتراض، لضرب أهداف من هذا النوع، وقد فعلوا ذلك بالفعل.

ومن الواضح أن المقاربة الأميركية-الإسرائيلية لا تقتصر على انتظار الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات حتى تخمد. فالمقاتلات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب القاذفات والقطع الحربية الأميركية، انتقلت إلى الهجوم، مستهدفة أكبر عدد ممكن من منصات الإطلاق الإيرانية، ومنشآت إنتاج السلاح حيثما أمكن العثور عليها. والغاية من ذلك حرمان إيران من القدرة على إطلاق تلك الصواريخ من الأصل، وعلى تصنيع المزيد منها. وقد تباينت التقديرات بشأن الوضع الراهن لمنصات الإطلاق الإيرانية وقدرات الإنتاج، ولنقر بأن الأطراف المتحاربة جميعا تجد مصلحة في الكذب، وتضخيم الأرقام بما يخدم أهدافها.

وقال الرئيس دونالد ترمب إن الإيرانيين "ينفد ما لديهم، كما تنفد لديهم المواقع التي يطلقون منها، لأنهم يتعرضون للتدمير، ولأنهم يفقدون منصات الإطلاق". وأضاف: "لدينا كميات غير محدودة من الذخائر المتوسطة وفوق المتوسطة وغير ذلك. نحن نوفرها ونصنعها". أما مستشاروه العسكريون، فكانوا أكثر تحوطا في تعبيرهم، وإن اتفقوا معه في الجوهر. ومن جهتها، استهدفت إسرائيل مئات من منصات الصواريخ الإيرانية، كان بعضها يحمل صواريخ متطورة وبعيدة المدى من طراز "قدر".

ونفت إيران جميع المزاعم الأميركية والإسرائيلية، مؤكدة أنها قادرة على مواصلة مجهودها الحربي. غير أن صحة هذا الادعاء ستتوقف على جملة من المتغيرات، التي تتجاوز مجرد حجم المخزونات الإيرانية.

تكيف إيران تكتيكاتها وتقنياتها وإجراءاتها العملياتية بما ينسجم مع استراتيجيتها

أولا: تكيف إيران تكتيكاتها وتقنياتها وإجراءاتها العملياتية بما ينسجم مع استراتيجيتها، فهي توظف صواريخ ومسيرات أقل كلفة وأقصر مدى، في محاولة لإرباك منظومات الدفاع الجوي والصاروخي في إسرائيل ودول الخليج وإغراقها، تمهيدا لموجات لاحقة تستخدم فيها صواريخ أشد فتكا. وحتى الآن تبدو مسيرات "شاهد" والصواريخ فرط الصوتية من بين الأصعب اعتراضا، نظرا إلى خصائص مسارها الجوي، إذ تحلق الأولى ببطء وعلى ارتفاع منخفض، فيما تعتمد الثانية على سرعتها الهائلة.

ثانيا: تراهن إيران أيضا على أن الكلفة المالية ستضعف الرغبة السياسية لدى خصومها في مواصلة الحرب. فهم ينفقون مليارات الدولارات لاعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية، في حين أن تصنيع هذه الأسلحة يكلف طهران مبالغ أقل بكثير. ويشكل استنزاف اقتصادات الخصوم جزءا أصيلا من الاستراتيجية الإيرانية. صحيح أن الصواريخ الإيرانية الأكثر تطورا أعلى كلفة، وأن أعدادها أكثر محدودية، ولهذا تحديدا تتعامل طهران معها بكثير من الحذر في توقيت استخدامها واختيار أهدافها.

أما العامل الثالث، فهو احتمال انخراط قوى خارجية، بما قد يغير الديناميات العسكرية للحرب. فإذا انضمت بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، في مسعى إلى تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، فقد لا تتمكن طهران من الصمود بالقدر الذي تأمله. وكان قادة هذه الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي قد أصدروا بالفعل بيانا مشتركا، قالوا فيه إنهم يدرسون توجيه ضربات "لتدمير قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيرات من مصادرها". كذلك، قد تتحول دول الخليج إلى أطراف فاعلة في القتال، إذا كثفت إيران ضرباتها ضدها، ولا سيما أنها تملك قدرات جوية معتبرة.

القوة القتالية في الحرب عنصر لا غنى عنه، لكن الحسابات السياسية، والقدرة على تحمل الكلفة الاقتصادية والخسائر البشرية، ولا سيما في الأنظمة الديمقراطية، تبقى أشد أثرا في ترجيح الكفة

لكن الصين وروسيا قد تنخرطان أيضا في المشهد دعما لإيران. وروسيا، على وجه الخصوص، لن تمانع في استنزاف الولايات المتحدة على نحو يشبه ما فعلته واشنطن مع موسكو في حرب أوكرانيا. أما الصين، فهي شديدة القلق من أن ينعكس اضطراب الإقليم على وارداتها النفطية، غير أن إبقاء الولايات المتحدة منشغلة، وربما مستنزفة، في حرب أخرى في الشرق الأوسط، يحقق لها أيضا مكاسب استراتيجية واضحة.

أ ب
أطلق "الحرس الثوري الإيراني" صاروخاً باليستياً أرض-أرض بعيد المدى من طراز "قادر إتش" خلال مناورة في موقع غير معلن في إيران، في 9 مارس 2016

وفي المحصلة، سيتقرر مآل هذه الحرب بفعل مجموعة واسعة من العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية والنفسية، وهي عوامل تتجاوز كثيرا مسألة مخزونات السلاح. فالقوة القتالية في الحرب عنصر لا غنى عنه، لكن الحسابات السياسية، والقدرة على تحمل الكلفة الاقتصادية والخسائر البشرية، ولا سيما في الأنظمة الديمقراطية، تبقى أشد أثرا في ترجيح الكفة.

font change

مقالات ذات صلة