حرب إيران… مقامرة ترمب الكبرى

نهايات حرب إيران ستحدد حجم تأثيرها في الداخل الأميركي

(أسوشييتد برس)
(أسوشييتد برس)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة حول الحرب مع إيران من البيت الأبيض، 1 أبريل 2026

حرب إيران… مقامرة ترمب الكبرى

صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغوط على إيران، بعدما تجاوزت الحرب الإطار الزمني الذي كان قد رسمه لها في البداية. وقال ترمب إنه قادر على "القضاء على إيران في ليلة واحدة"، ولوّح أيضا بتدمير جسور البلاد ومحطات توليد الكهرباء إذا لم تستجب بقايا النظام الحاكم لجملة من المطالب، من بينها فتح مضيق هرمز الحيوي.

حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يتضح بعد ما إذا كانت الحملة العسكرية المشتركة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل تمضي نحو مزيد من التصعيد والدمار، أم إن فرصة بلوغ تسوية دبلوماسية باتت أقرب من أي وقت مضى. وفي كلتا الحالتين، تظل الحرب على إيران أخطر مقامرة سياسية في الولاية الثانية لترمب، وهي مقامرة استنزفت قسطا كبيرا من رصيده السياسي في الداخل منذ اندلاع هذا الصراع.

يحرص الرئيس الأميركي الحالي على تقديم نفسه بوصفه قائدا يتحرك خارج المألوف، ويتبع نهجا غير تقليدي لفرض النتائج التي يسعى إليها. لكن تآكل دعمه السياسي، وتصدع قاعدته نفسها بفعل حرب إيران وما خلّفته من تداعيات سلبية على الاقتصاد الأميركي، قد يدفعان ما تبقى من رئاسته إلى منطقة الخطر، بل قد يهزان قبضة حزبه على السلطة. ولعل هذا ما يفسر لماذا بدت تصريحات ترمب العلنية، ومنها منشور حافل بالشتائم على وسائل التواصل الاجتماعي تضمّن تهديدا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أقرب إلى صوت يعكس يأسا منه إلى نبرة واثقة ومتماسكة.

من هنا تكتسب المرحلة المقبلة من الحرب على إيران أهمية استثنائية، إلى جانب ما تثيره من أسئلة استراتيجية شديدة الحساسية: من سيمسك بزمام السلطة في إيران، وماذا يعني ذلك لمستقبل الشرق الأوسط، وكيف يمكن لهذه التطورات أن تعيد رسم المشهدين الجيوسياسي والجيواقتصادي على نطاق أوسع.

تزيد حرب إيران هشاشة موقع ترمب السياسي المتعثر في الداخل

يبدي أكثر من ستة بين كل عشرة أميركيين رفضهم لأداء ترمب في منصبه حاليا، فيما تشير بعض استطلاعات الرأي إلى أن نسبة الرافضين اقتربت في الأسابيع الأخيرة من الحرب من حدود الثلثين. وفي هذه المرحلة من ولايته الثانية، يبدو موقع ترمب لدى الرأي العام الأميركي أضعف مما كان عليه خلال ولايته الأولى، كما يظهر في وضع أكثر هشاشة مقارنة بالمكانة التي تمتع بها ثلاثة من أسلافه، وهم جو بايدن وباراك أوباما وجورج دبليو بوش، خلال الفترات المماثلة من ولاياتهم الأولى.

قدمت إدارة ترمب أخيرا مشروع ميزانيتها للسنة المالية المقبلة، واضعة الإنفاق العسكري في صدارة الأولويات على حساب برامج شبكة الأمان الاجتماعي التي تحظى بتأييد واسع بين ناخبي الحزبين الديمقراطي والجمهوري

وكان الدعم السياسي لترمب قد بدأ يتآكل بالفعل قبل اندلاع الحرب، بفعل الانطباعات السلبية عن طريقته في إدارة الاقتصاد والتضخم. وأظهر استطلاع حديث أن أغلبية واضحة من الأميركيين، بلغت 56 في المئة، ترى أن حرب إيران ستنعكس على الأرجح سلبا على أوضاعهم المالية الشخصية، بينما قال 25 في المئة آخرون إنهم غير متأكدين من ذلك. وفي ظل تصدر الهواجس الاقتصادية قائمة اهتمامات معظم الأميركيين هذه الأيام، جاء ارتفاع أسعار الوقود بفعل الحرب ليضاعف حدة تلك المخاوف.

كما كشفت الحرب عن تصدعات داخل القاعدة السياسية لترمب، مع بروز مواقف متباينة حيال إيران خلال مؤتمر العمل السياسي المحافظ أواخر الشهر الماضي، إذ بدا المحافظون الأصغر سنا أكثر تشككا بشأن هذه الحرب من الجيل الأكبر.

ومع استمرار الحرب على إيران، أخذ التأييد الشعبي يتراجع، إذ قال 67 في المئة من الأميركيين إن ترمب يفتقر الآن إلى خطة واضحة للتعامل مع الوضع الإيراني. وهذه مؤشرات تثير القلق لدى أي قائد في زمن الحرب.

لماذا قد يشكل تراجع الدعم السياسي عائقا أمام الولاية الثانية لترمب؟

في النظام السياسي الأميركي، تؤثر مكانة القادة في الرأي العام مباشرة في قدرتهم على الإنجاز. وقد شهد العام الأول من عودة ترمب إلى البيت الأبيض سلسلة متلاحقة من التحركات على المستويين الداخلي والخارجي، تصدرت فيها قضايا الهجرة والرسوم الجمركية وخفض الضرائب قائمة أولوياته. لكن ترمب، شأنه شأن أي رئيس آخر، استنزف قسطا كبيرا من رصيده السياسي وهو يدفع بهذه المبادرات قدما، حتى في وقت كان يلوي فيه الأعراف المعمول بها في الولايات المتحدة، بل ويتجاوزها في بعض الأحيان.

أ.ف.ب
"الحرس الثوري" الإيراني ينفذ مناورة في الخليج تتضمن استهدافات مباشرة، بالتزامن مع بدء تدريبات في مضيق هرمز قبيل المحادثات مع واشنطن، 16 فبراير 2026

ومع تقلص رصيده السياسي وتراجع تأييده، أخذ يواجه صعوبة متزايدة في تمرير ما يريد عبر الكونغرس، وهو ما تجلى في الإغلاق الجزئي المستمر للحكومة، الذي أفضى هذا الربيع إلى طوابير انتظار أطول في مطارات الولايات المتحدة. ويكمن جانب أساسي من مأزق ترمب داخل حزبه نفسه، إذ أفرزت الانقسامات بين الجمهوريين في الكونغرس عقبات جديدة في وجهه. وفي هذا السياق، لا تبدو الحرب غير الشعبية على إيران، التي ينظر إليها على أنها تمضي في مسار مضطرب، خيارا قادرا على احتواء هذه الأزمات السياسية أو تخفيف وطأتها.

وقدمت إدارة ترمب أخيرا مشروع ميزانيتها للسنة المالية المقبلة، واضعة الإنفاق العسكري في صدارة الأولويات على حساب برامج شبكة الأمان الاجتماعي التي تحظى بتأييد واسع بين ناخبي الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وبوجه عام، يقترح المشروع زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 42 في المئة، مقابل خفض الإنفاق غير الدفاعي بنسبة 10 في المئة. وإلى جانب ذلك، أفادت تقارير بأن إدارة ترمب تستعد لطلب 200 مليار دولار إضافية من الكونغرس لوزارة الدفاع ضمن ما يعرف بمشروع قانون المالية التكميلي، وهو ما أثار انتقادات علنية من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء.

من المرجح أن تحمل الأيام والأسابيع القليلة المقبلة لحظات فاصلة بين الحياة والموت لكثيرين داخل إيران، فيما ستواصل التداعيات المتلاحقة لهذه الحرب امتدادها عبر الشرق الأوسط الأوسع والعالم

واللافت في قرار ترمب خوض الحرب مع إيران أنه جاء في لحظة بلغ فيها موقعه السياسي بالفعل أضعف مراحله. كما أن عجزه حتى الآن عن تحقيق مكاسب واضحة وملموسة من هذه الحرب تنعكس على حياة الأميركيين العاديين قد ينقلب عليه سلبا، ولا سيما في وقت تشتد فيه حاجته إلى دعم سياسي يسانده في تمرير أجندته الأوسع.

من المرجح أن تحمل الأيام والأسابيع القليلة المقبلة لحظات فاصلة بين الحياة والموت لكثيرين داخل إيران، فيما ستواصل التداعيات المتلاحقة لهذه الحرب امتدادها عبر الشرق الأوسط الأوسع والعالم. وهناك، على أرض الواقع، سيتجلى الأثر الحقيقي لهذه الحرب.

(أ.ف.ب)
لقطة لترمب خلال خطابه الأول على مستوى البلاد بشأن الحرب مع إيران، 1 أبريل 2026

لكن الكلفة السياسية التي يتحملها الرئيس ترمب في الداخل بسبب هذه الحرب تبدو باهظة. فإذا أخفق في تبديل الانطباعات السلبية السائدة عن مسارها، فسيواجه صعوبة أكبر بكثير في حشد الأصوات داخل الكونغرس لتمرير معظم ما يسعى إلى إنجازه خلال العام المقبل، بما في ذلك تأمين الموارد اللازمة لمواصلة الحرب على إيران.

وحده الوقت كفيل بكشف ما إذا كان ترمب سيمضي في تنفيذ تهديداته ضد إيران. لكن التاريخ الحديث نادرا ما عرف تصعيدا عسكريا أميركيا في الشرق الأوسط انتهى إلى تحسين الموقع السياسي لرئيس يفتقر إلى الشعبية.

font change

مقالات ذات صلة