نحن لا نزرع الشوك (2).. حجر في الماء الراكد

نحن لا نزرع الشوك (2).. حجر في الماء الراكد

لما كانت مشكلة المشاكل في العالم الإسلامي هي التمزق والتشرذم منذ الفتنة الكبرى وقتل الخليفة الراشدي عثمان بن عفان رضي الله عنه على يد ثائري الأمصار أو متمرديهم في قول آخر، ودور عبد الله بن سبأ، اليهودي الأصل، ومروان بن الحكم سليل الأمويين.

وإن اختلفت الروايات في طريقة وأهداف تآمرهم، ولكن المحصلة كانت ولا تزال هي انقسام المسلمين. ولأننا لا يجوز لنا ولا ينبغي الإستسلام لنظرية المؤامرة، وإن وجب عدم إهمالها نهائيا، ولكنها ليست في محل بحثنا في هذه المقالات، وما يهمنا هنا هو الأسباب التي أدت إلى ضعف المسلمين وإبراز مظاهرها ليسهل العلاج ونبدأ مرحلة الإعداد، وهي تتلخص في هدم المعتقدات الفاسدة التي تشوب التراث الإسلامي؛ بقذف حجر في الماء الراكد حتى لا يأسن الفكر الإسلامي بعد أن تجمد لقرون طويلة.

والخطوه الأولى يجب أن تكون تعريف التراث الديني حتى لا يتم استخدام كلمة التراث لإضفاء هاله مقدسة أغلبها مزيف. فتراثنا يضم القرآن الكريم وهو المدون في اللوح المحفوظ وقد تكفل الله عز وجل بحفظه ولم ولن يأتيه الباطل من أي اتجاه، ثم السنة المطهرة وكتب السيرة وكتب الفقه الإسلامي وكتب العقيدة والعلوم التي فسرت القرآن من أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وعلم المناسبات الذي يهتم بكيفية ترتيب الآيات والسور ثم يأتي علم الحديث الذي يأتي بعد القرآن أهمية في الفتوى والتشريع، ثم يأتي علم القراءات وعلوم أصول الدين ويخدمهم في ذلك علوم النحو والصرف والبلاغة لأهميتهم في فهم كلام الله عز وجل.ثم توسع الانشقاق في العلوم الدينية دون تمحيص في إضفاء كلمة علم على هذه المعارف وهل هي علم أم لا ومدى أهميتها للمسلمين أو لا وللبشرية ثانيا.

وكان الأولى إطلاق كلمة معارف إسلامية بدلا من علوم ثم يجب الاعتراف بأن معظم هذه المعارف هي عمل بشري قابل للأخذ والرد وعُرضة للنقد والتقريظ ولا وجود لأي حصانة طالما هو عمل بشري مع الاعتراف بالفضل والجميل للسابقين من الشيوخ والأئمة وأصحاب السير ورواة الأحاديث ولكن بعد شكرهم على ما قدموه للأمة الإسلامية من جميل. علينا بإخضاع هذا الجهد البشري المحمود والهائل لأدوات بحث ومراجعة لم تكن متوفرة في عصور التأليف والتدوين والشروح والحواشي التي احتاجتها الكتب الأولية لتتضخم نفس الكتب في عصور تالية بعد إضافة الحواشي والشروح مثل الشروحات المتعددة للبخاري وحاشية ابن عابدين على شرح الدر المختار للإمام الحصفكي وحاشية الصاوي على تفسير الجلالين وحاشية الباجوري على متن أبي شجاع والمثال الأبرز لظاهرة تورم التراث هي السيرة النبوية لابن إسحاق التي تعتبر عمدة كتب السيرة فضلاًعن أنها الأقدم وتقع في كتاب من الحجم المتوسط لا يزيد على 315 صفحة بينما سيرة ابن هشام اللاحق على ابن إسحاق تقارب 600 صفحة فهل وضعت روايات غير دقيقة، وما هو مدى التساهل في قبول ما لم يذكره ابن إسحاق مع ملاحظة أن هناك جهدا بشريا كبيرا مر بعصرين، عصر التدوين وعصر الشروح أو الحواشي، وفي كلتا الحالتين هو مجهود بشري يمكن اختصاره وتنقيته باستخدام أصغر لابتوب وهو من أدوات العصر الحديث كما يجب تطوير أدوات الفقه، لشدة حاجة المسلمين لفقه جديد فهل لو جدلا سألنا أحد الأئمة الكبار من أصحاب المذاهب الأربعة عن فوائد البنوك لأسرع بالسؤال وما هي البنوك؟ فنخلص هنا لنتيجة مفادها أن ليس كل التراث مفيد ولا نافع ولا يجوز أخذ الحجة على الأقل من بعضه.

أما علم النحو والصرف فهو أحق بالاجتهاد والتبسيط إذا أردنا حقا نشر قواعد اللغة العربية حتى يمكن فهم القرآن بسهولة. وقد حدث ذلك إبان عصر الموحدين على يد العالم الأندلسي ابن مضاء الذي هدم نظرية العامل فهدم بذلك نحو سيبويه ولكن الناس أخلدت إلى الراحة وفضلت النظريات التقليدية ورفضت التجديد فعلم النحو هو علم رواية وليس دراية. فتم فيه اعتماد روايات الكوفيين والبصريين وأهملت باقي النظريات فانحسرت قواعده في ألفية جمال الدين ابن مالك، ويأتي دور علم الحديث وهو أخطر المعارف الإسلامية التي حيرت العلماء قبل الجهلاء ولم يتفق العلماء بعد على طريقة لتطوير هذا العلم وتولى الكلام عنه إما جاهل أو موتور أو حاقد لا تخطئهم العين فمعظمهم من صبيان العلماء ويبدأون حديثهم دائما بالتهكم على الشيوخ الأجلاء مثل البخاري ومسلم وابن حنبل متناسين أن هؤلاء العلماء أفنوا حياتهم لتدوين تراث يساعدنا على فهم الأحكام الدينية وكيفية العبادة وكيفية الحساب لأصحاب الفروض. فبذلوا أحسن ما عندهم في وقت كان الحصول فيه على ريشة ومحبرة عملا فوق طاقة البشر. أما النسخ فكان من المهن الشاقة التي يمتهنها فقراء طلاب العلم لكسب قوت يومهم والاستمرار في الدراسة وهذا قليل من الكثير من المشقة التي تؤهلهم للالتحاق بزمرة العلماء. ومع ذلك عندما انتشرت الأحاديث قام بعض العلماء بوضع ضوابط لقبولها بداية بعلم الجرح والتعديل، ثم التصنيف، فمن الأحاديث ما هو متواتر أو متفق عليه أو حسن أو ضعيف وهو جهد لا يجب أن يتوقف أبدا فكل يوم يخرج جديد الأدوات والاختراعات التي تستطيع أن تفرز وتجنب أحاديث دون طعن في أصحاب الصحاح، فهذا كان مبلغهم من العلم وقتئذ. ومع تطور الطب والرياضة والأحياء يمكن إعادة التمحيص لمعرفة صدق متن الحديث فنحن نعلم علم اليقين من الطب أن حمل الجنين لن يتعدى 9 أشهر فلا يجوز لبعض آراء التراث من إجازة الحمل الساكن لأكثر من 3 سنوات وهذا قليل من كثير من الفتاوى الشاذة التي يمكن باستخدام المنهج التجريبي دحضها فلن يقتنع عاقل بفتوى إرضاع الكبير وللعلم المنهج التجريبي هو ابتكار إسلامي بحت اعتمده فلاسفة المسلمين وقتما كانت أوروبا تسبح في بحور الجهل والظلام واستعارته أوروبا لتبدأ عصر النهضة كما يمكن باستخدام قواعد المؤرخين معرفة مدى صدق الإسناد. وبين هذا وذاك نستطيع أن نخرج بصحيح القرن الواحد والعشرين وقد يأتي القرن القادم بأدوات جديدة يمكن بها التنقية بشكل أفضل.

فالتصحيح ضرورة ديناميكية أقرها جميع العلماء وآخر محاولة قام بها المعاصر الشيخ الألباني وإن اختلف البعض معه واتفق معه البعض، ولا غبار في ذلك طالما الهدف هو ابتغاء وجه الله وامتلاك أدوات البحث. فنحن نعلم أن الأحاديث الموضوعة كثيرة معظمها كانت إما للدعوة أو السياسة. فالأحاديث الدعوية تساهل فيها الشيوخ لأنها تحض على مكارم الأخلاق وتزجر المفسدين والزنادقة. أما الأحاديث السياسية فبدأت بالأمويين لتوطين الحكم لأحفادهم، ولم يتأخر العباسيون في هذا المضمار فردوا التحية بأحسن منها وجاءت الأحاديث التي تبين فضل العباس وولده فماذا نحن فاعلون حتى لا نزرع الشوك؟

font change
مقالات ذات صلة