أمستردام مدينة المياه والنوافذ وجاليات المهاجرين

(غيتي)
(غيتي)
قناة سينغل في امستردام
font

أمستردام مدينة المياه والنوافذ وجاليات المهاجرين

هي مدينة البرد أو الصقيع الشمالي، العائمة على مياه رُوِّضَ جبروتها حتى الركود. مدينة شمس الصيف الخفيفة بالنهارات الطويلة المشرعة تدفق السيّاح في شوارعها وفي قواربها المتهادية على الماء في شبكات أقنية تشبه شبكة المواصلات. وهي مدينة العمارة الفسيفسائية المتقشفة، والنوافذ الكبيرة المشرعة على الماء والشجر الدهري العاري في الشتاء، والمترائي مثل أشباح من خلف زجاج النوافذ. ومدينة الحرية والفردية الإرادية، وجاليات المهاجرين الكثيرة التي تعيش في الشمال الأوروبي، كأنها تقيم وتتوطّن مطمئنة من سنين كثيرة.

إيران: فيلم وندوة ومجلة

افتتحتُ نهاري الأول من أيامي العشرة في أمستردام - أنا الهاربُ من بيروت كلما سنحت لي فرصة الهرب من تعاستها وبؤسها - بحضور ندوة وعرض فيلم وثائقي عن "الرياضة والصوفية في إيران". أقيمت الندوة صبيحة نهار السبت 21 يناير/كانون الثاني المنصرم في مركز ثقافي - اجتماعي في حي من أحياء جنوب أمستردام الغربي. ودعاني إلى حضورها شاب هولندي عرفته في بيروت، حينما أقام وعمل فيها 4 سنوات (2010- 2014) مع زوجته اليمنية، بعد لقائهما في صنعاء أثناء إقامته فيها وعمله في منظمة دولية تُعنى بالتنمية الاجتماعية والثقافية وحقوق الإنسان. وهو يعمل حاليا في أمستردام منسقا في إدارة وتحرير مجلة Zemzem "زمزم" التي تصدرها باللغة الهولندية جامعة لايدن العريقة في مجال الدراسات الإسلامية.

قدّمت عرض الفيلم وأدارت المناقشة حوله المستعربة الهولندية والمدرّسة في جامعة لايدن جودت ناييف التي كتبت في "زمزم" دراسة عن "الرياضة القتالية والصوفية في إيران" وعن مصوّرة الفيلم الإيرانية الشابة مهرانة أتاشي التي كانت تعمل مصوّرة في طهران أثناء "الثورة الخضراء" ضد تزوير الانتخابات الرئاسية سنة 2009، فاعتُقلت وسُجنت، ثم هاجرت من بلدها إلى هولندا حيث تعمل وتقيم حتى اليوم.

يصوّر الفيلم رجالا وشبّانا في حلقات رقص كأنها لفتوّات الأحياء في استعراض قوتهم البدنية الذكورية المستمدّة من تقاليد التصوّف الإيراني. ترافق الحلقات الراقصة إيقاعات على الطبول ومن آلات النفخ والعزف الموسيقية النحاسية، كتلك التي كانت ترافق حلقات التصوف الشعبي. ذكّرتني مشاهد فيلم أتاشي بصور شاهدتها في بيروت من فيلم الفيديو الذي تناقلته وسائط التواصل الاجتماعي، ويصوّر بطل المصارعة القتالية الإيراني الشاب محمد كرامي (21 سنة) قبل إعدامه بتهمة قتل أحد رجال شرطة "الباسيج" أثناء ثورة "الحرية، المرأة، الحياة" في إيران خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من سنة 2022. ظهر والد كرامي في مشهدين من فيلم الفيديو: في الأول يتدرّب وابنه محمد في فتوّته على رياضة الكاراتيه في صالون منزله. وفي المشهد الثاني يجثو الوالد راكعا منتحبا على قبر ابنه الذي أُعدم شنقا في مدينة كرج الإيرانية.

شرحت جودت ناييف التطور الذي أصاب تقاليد التصوّف الإيراني ونَقَلها من حلقات الذكر والوجد الصوفية إلى حلقات رقص فتوات الأحياء الذي يكني عن رياضة تمجّد القوة البدنية. وهي ربطت هذا الانتقال بخنق الحياة العامة ونشاطاتها وكبتها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحويلها إلى الحيز الخاص. هذا يذكّر بما قاله لنا مرةً شاب إيراني التقيناه أثناء زيارتنا طهران في تسعينات القرن الماضي: قلبت الثورة الإيرانية معايير السلوك والتقاليد العامة رأسا على عقب. فبعدما كان الإيرانيون يمارسون شعائرهم الدينية في بيوتهم، ويخرجون للتفسح في الأماكن العامة، أجبرهم النظام الخميني على ممارسة شعائر الدين في الشوارع، وعلى ممارسة علاقاتهم وحياتهم العامة والنشاطات الفنية والثقافية والترفيهية في الحيز الخاص داخل البيوت.

سوريّة تكتشف الحرية

حضر عرض الفيلم والندوة وتوزيع مجلة "زمزم" عشرات من هولنديين/ات، بينهم مهاجرون من سوريا واليمن والمغرب وتركيا وإيران. وهذه غالبا بلاد نكبات تليها هجرات منها إلى أوروبا وأميركا. وكانت اللقاءات والأحاديث التي تلت عرض الفيلم والندوة دافئة بين الهولنديين والمهاجرين من بلاد النكبات، حيث يمتنع الكلام الحرّ أو يؤدي إلى القتل أو النفي أو الاعتقال.

فالشابة الفلسطينية - السورية دولت، المهاجرة من سوريا والمقيمة في مدينة هولندية منذ 6 سنوات، تتحدث بحيوية لافتة عن عملها في منظمة تُعنى بإقامة لقاءات بين نساء هولنديات ومهاجرات، لرواية تجارب حياتهنّ والكشف عما إذا كانت النساء المشاركات في اللقاءات يشعرن بدفء العيش والإقامة في المجتمع الهولندي، أم لا يشعرن بذلك.

تقول دولت إن مثل هذه اللقاءات كانت متعذّرة في سوريا قبل ثورة شعبها التي أغرقها نظامها في حروب أهلية. فالعيش والكلام في سوريا تخنقهما "السيطرة الغامضة" حسب عنوان كتاب الباحثة ليزا وادين الذي كشف أساليب "توظيف نظام حافظ الأسد الخطب البلاغية والعروض والرموز والشعارات والأنصاب للسيطرة على المجتمع والتحكّم به".

الخنق ذاك أدى إلى انكفاء السوريين إلى حصون الحياة العائلية الداخلية الآمنة وحدها، من دون خلوّها من القلق والخوف. فحتى الحياة العائلية هذه، تخنق بدورها الكلام عن الشؤون العامة وعن الحياة والتجارب الشخصية أو الفردية.

يمنية كطفلة بلا لغة

صديقة دولت اليمنية - وهي هاجرت من بلدها إلى أمستردام من طريق القاهرة منذ 3 سنوات رَوَت تجربتها المريرة مع الهجرة، فقالت: تركتُ ورائي كل شيء في عدن وصنعاء. لغتي، القراءة والكتابة في الصحف، دوري في منظمات المجتمع المدني والقضية اليمنية والثورة التي تركت فراغا ملأته الحرب الأهلية التي شنتها جماعة الحوثيين. أفتقد أيضا حرارة الشمس والعلاقات... وها أنا بلا لغة ولا دور ولا شبكة علاقات واسعة ومفتوحة، بلا قراءة ولا كتابة في برد أمستردام التي أتعلم لغتها الهولندية كطفلة بدأت تنطقها وهي في الأربعين.

على هذا النحو كانت صديقة دولت اليمنية تتكلم بحسرة مبتسمة على ما حصّلته هناك في بلدها، وتشعر أنه ذهب كله أدراج الرياح خلفها. وقالت متسائلة: ماذا أفعل بذاك الخزين من الخبرات والتجارب المكنوزة في صدري؟ اشعر أنها بدأت تصدأ هنا في هذه المدينة الباردة والشديدة التنظيم. يكاد يقتلني البرد وضآلة نور الشمس الزهيد، والتنقّل اليومي في حافلات النقل العام. غالبا ما أكافح البرد وضآلة الشمس البخيلة بطبخ أكلات يمنية. لا، لا أشعر بالوحدة، بل بثقل الماضي الضائع. مدرّسةُ اللغة الهولندية قالت لي مرة إن ما أريد التحدّث والكلام عنه يفيض كثيرا عما أحصّله من كلمات جديدة في اللغة التي أتعلمها. لذا أشعرُ بالاختناق، قلتُ لها، فصفّقت المدرّسة مسرورةً بقدرتي على التعبير عن فكرتي بلغة سليمة. واساني قولها وشجّعني على التكلُّم عما أفكر فيه ويتجاوز اللغة الوظائفية البدائية التي تشبه ما يتعلّمه الأطفال في سنواتهم المدرسية الأولى.

(ا ف ب)

الاستعمار وتأنيب الضمير

عندما خرجنا من قاعة المركز الثقافي الدافئة في جنوب أمستردام الغربي، كانت شمسُ الظهيرة ترسل أشعتها الخافتة من سماء صافية ينهمر منها رذاذ خفيف كحبيبات ضوء صقيعي تتدارك بعضَها حركةُ الأجسام المنكفئة الملتفّة بمعاطف سميكة واقية من الصقيع المشمس أثناء المشي على الأرصفة.

كأنما هذا الصقيع يصفّح أجسام البشر، ويرغمهم على الاكتفاء بمقاومته التي تخنق الكلام، أو تترك السائرين في الصقيع في غنى عن الكلام، قالت صديقة دولت اليمنية. أما منظّم الندوة ومحرر مجلة "زمزم" الهولندي، الذي كان يتقدّمنا في سيره على رصيف تصطفّ على جنباته أشجار باسقة، معمّرة وعارية، قرب قناة مياه فسيحة راكدة كأنما من دهر، فراح يتمهّل الخطى حتى أدركَنا، فأخذ يحدّثنا بعربيته الأعجمية الثقيلة نسبيا على لسانه. قال إنه درس العربية في دمشق. ويشتاق إلى إقامته في بيروت.

فجأة انتقل إلى الكلام عن فصول تاريخية من كفاح أمستردام وسائر الديار الهولندية لتدارك انبساطها وانخفاضها أمتارا عن بحر الشمال. وهو الكفاح المديد الذي صنع المعجزة الهولندية: السدود المائية، تجفيف المستنقعات، تخفيف قوة فيضانات بحر الشمال الغاضب بحفر أقنية طويلة كثيرة في الأرض الواطئة المنخفضة، تداركا لتخريب السدود. هذا كله مكّن بحارة هولندا وأمستردام وإسبانيا من سبقهم أوروبا منذ القرن السابع عشر في إنشاء مستعمرات تجارية، من الجزر الأندونيسية شرقا إلى الجزر الأطلسية القريبة من شواطئ أميركا الوسطى والجنوبية في الغرب.

لكن محدّثنا سرعان ما تدارك معتذرا - كأنما بتأنيب ضمير لا يخصّه وحده، بل يشمل هولندا كلها - عن الواقعة الاستعمارية الظالمة التي ارتكبتها في حق شعوب كثيرة، وخصَّ بها الأندونيسيين والسوريناميين في البحر الكاريبي، خاتما حديثه هذا بكلامه عن المطبخ السورينامي الرفيع المذاق في الديار الهولندية.

لستُ أدري ما الذي حملني على التفكير في أن كلامه عن الظاهرة الاستعمارية ينطوي على حقيقة تاريخية، قد لا تحتاج إلى الاعتذار وتأنيب الضمير. فهما لا يغيّران من تاريخ الاستعمار شيئا. اللهم سوى في أخلاقيات شعوب البلدان المستعمِرة الصغيرة مثل هولندا التي علّمها تاريخها الصاخب نبذ الحروب والرغبة الملحاحة في العيش بسلام واطمئنان ورخاء. وهذا شأن جارتها الكبيرة ألمانيا. فهولندا اليوم بلد مقتدر، صغير ومسالم، جزء من سكانه من المهاجرين الذين تهيأ لي، من انطباعات سريعة عابرة، أنهم يعيشون ويقيمون في أمستردام جاليات حرّة مطمئنة، قياسا إلى المهاجرين في البلدان الأوروبية الكبرى.

الماءُ عدوٌّ حتى العشق

أثناء سيرنا على الرصيف الطويل المستقيم كنا نبصر بيوتا استعارت من اليخوت تصميمها، وهي تصطفّ راسية ثابتة على ضفة القناة الشبيهة بنهر كبير راكد المياه. ممرات ثابتة مزينة بأحواض نبات وزهور، تمتد من الرصيف إلى مداخل البيوت الراسية في المياه. ومن النوافذ البيتية الواسعة تستطيع أن تلمح أثاث البيوت وأشكال حياة ساكنيها المطمئنة، الدافئة والرخيّة، في داخلها، فلا يفصلها عن الخارج العمومي سوى زجاج النوافذ، وأحيانا ستائر من قماش شفيف خلف الزجاج. حتى أنك تستطيع أن تلمح عبر النوافذ المتقابلة في هذه البيوت المائية ضفة القناة الأخرى البعيدة. وفيما أنت تشعر بقسوة البرد في الخارج، تلمح ظلال أو مشاهد الدفء والاسترخاء في داخل البيوت العائمة ثابتة في المياه الراكدة. لكن يُقال هنا في هولندا إن العابر في الخارج يغضُّ طرفه تلقائيا، فلا يحدّق إلى داخل البيوت المشرّعة نوافذها الزجاجية للبصر العابر.

ليست هذه البيوت الراسية في المياه، وحدها تجاور الماء. فأمستردام كلها تصطفُّ بناياتها وبيوتها وتنتظم بين أقنية المياه الراكدة. كأنها مدينة تعوم على الماء، ويقول تاريخها وعمرانها إنها عاشت وتعيش في خوف دائم من قوة سلطان المياه وتسلّطها الوحشي على البشر. لذا عاشوا في خوف داهم، وفي كفاح مستمر ضد تسلُّط المياه، فحفروا لها شبكات من الأقنية لترويض وحشيتها الطبيعية.

كأن المياه في أمستردام وفي سائر الديار الهولندية المنبسطة الواطئة عدوٌّ قدريّ يحاول البشر ترويضه باللين والأناة والصبر، حتى مؤاخاته وكسب صداقته، كي لا نقول حتى وقوعهم في غرامه. فهل في طبع الهولنديين الهادئ، المسالم والمنكفئ والبارد - على ما تقول كثرة من المهاجرين - شيء من صبرهم وأناتهم المديدين أثناء ترويضهم عداوة المياه الوحشية، حتى وقوعهم في غرامها وجرّها بالأقنية صاغرةً الى عتبات بيوتهم؟

نوافذ الحياة والكلمات

ليست المياه وتاريخ ترويضها الملحمي وحدهما ما يميّز طبيعة العمران والحياة في أمستردام وهولندا كلها. فهناك أيضا نوافذ أمستردام، أو تلك الغابة الفسيفسائية من النوافذ. وهناك أيضا وأيضا طبيعة السكن والإقامة داخل البيوت خلف غابة نوافذها. أما البيوت في ضاحية أمستردام الشمالية (النورد) الجديدة، فتكاد تكون فكرة هندسية للحياة، لهندسة حياة هانئة رضيّة، مستقلة وحرّة، خلف النوافذ. حياة أو إقامة في بيوت لا تعلو ولا ترتفع عن الأرض بين شبكات أقنية المياه.

كأنما هذه البيوت، وحتى البنايات في وسط أمستردام، قصائد هايكو يابانية صامتة، كتبها أو ترجمها إلى العربية الشاعر اللبناني الراحل بسام حجار (1955- 2009). وهو اختطّ كلماتها في بيته بالطبقة السادسة من بناية كريهة في مدينة صيدا، جنوب لبنان. والأرجح أنه كره تلك البناية، واعتزل الحياة في ذاك البيت، حدادا على ولادته وحياته في بلاد الركام التي أقام فيها مكرها، صامتا، خائفا، فاعتزل الحياة وأقام في الكلمات ولغاتها الكثيرة. شخص طيفيّ أعزل مثله، لا يملك سوى معاندة قوة الحياة وبشر الركام، ولا يقوى على المغادرة والرحيل، إلا في إقامته في الشعر والرواية، وصحبة الظلال.

في أمستردام، كم لمحتُ أو تخيلتُ طيف بسام حجار واقفا خلف زجاج نوافذ تلك البيوت، خلف ستائرها المسدلة في حركات راقصة تجمّدت أبديا، لا لتحجب، بل لتعلن حياة الخلوة والدعة، تلك التي كان بسام يتخيّلها ويصنعها ليلا، بعد عودته من مهن القسوة النهارية المسنّنة في بلاد الركام اللبنانية.

خلف زجاج النوافذ في أمستردام ورقصات ستائرها الشفيفة، تنصرف حواس ساكني البيوت والبنايات عن العالم الخارجي، المنظّم بدوره تنظيما فسيفسائيا راقصا بالبشر كلما أشرقت شمس البرد والصقيع الواهنة. تنظيم راقص كالنباتات، كالمطر، كالغيوم، كالعابرين القلائل في الطرق في أيام الزمهرير. والعابرون في قسوة الصقيع مرئيون من أهل دواخل البيوت المستغرقين في دعة الدفء. لكن المقيمين في دفء البيوت ودعتها وسكينتها مرئيون من الخارج، وربما يبعث العابرون فيهم شيئا من الأنس العابر. فعبورهم في الخارج طيفيّ، فلا يكسر صوت ناشز ذاك السكون الداخلي في البيوت.

البيوت في ضاحية أمستردام الشمالية، فردية مستقلة كلها تقريبا. فهي تتألف من طبقة علوية لغرف النوم، أرضية للمعيشة والجلوس والأكل والراحة والاسترخاء والأعمال المنزلية، خلف زجاج النوافذ الكبيرة، وأشكال ستائرها الراقصة بجمود دهري، ولا تحصى أنواع وألوان قماشها وأشياء زينتها من خزف وتماثيل صغيرة ودانتيلا... كأنما لتحيّي العابرين القليلين في الخارج، فيلتفتون إليها التفاتة سريعة عابرة، تبعث أنسا عابرا في حواسهم وسيرهم في الطريق. في التفاتاتهم العابرة يوقن العابرون أن خلف النوافذ حياة منفصلة ومستقلة تماما، ومتصلة اتصال الحياة والناس المجهولين بالظلال.

(أب)
وسط امستردام في ساعة الغروب حيث حافظت المدينة على طابعها التاريخي بمنع تشييد الابنية المرتفعة

البيوت كلها في أمستردام تشبه اللُّعب. أو هي فكرة هندسية لعبيّة عن الحياة والإقامة. ولا يندر أن تشاهد، أنت العابر في ضاحية أمستردام الشمالية، رجالا ونساء يقومون ببناء بيوتهم من الخشب وأحجار الطوب الصغيرة، مستعملين أدوات وآلات يدوية كثيرة، هي من مقتنيات بيوتهم الضرورية. كأنما تشييد البيوت من حجر وخشب ومعدن وزجاج عملٌ لعبي ومنزلي خاص، يشبه الهوايات والأمزجة. بمزاج شخصي تشيّد هذه البيوت، على قطعة أرض بين أقنية الماء والطرق الممتدة مستقيمة ومتوازية ومنحنية أو متعرّجة. كأنما كل شيء في هذه البلاد يمتزج فيه تقليد حرفي بلدي بحداثة أشدّ عراقة من التقليد الحرفي.

خلف زجاج النوافذ في أمستردام ورقصات ستائرها الشفيفة، تنصرف حواس ساكني البيوت والبنايات عن العالم الخارجي، المنظّم بدوره تنظيما فسيفسائيا راقصا بالبشر كلما أشرقت شمس البرد والصقيع الواهنة

البيوت في أمستردام نوافذ كلها. والنوافذ هي البيوت. كل نافذة عملٌ فني ينطوي على فرادة ما، تعلن ذوقا وهوى خاصّين، بلا ادعاء ولا تطفّل ولا استعراض. والحياة في أمستردام صنيعة النوافذ التي تتحول الحياة بدونها حجرية عمياء قاسية. وبدون النوافذ يفقد الناس الحواس واللغة والكلمات. نوافذ تتكلم بصمت، وبصمت تكلِّم العابرين في الشوارع.

ليلة في زودفن

زرتُ الصديق الشاعر اللبناني فادي طفيلي وزوجته الفنانة التشكيلية اللبنانية منيرة الصلح، فأمضيتُ ليلة في بيتهما بمدينة زودفن الهولندية التي يقيمان فيها منذ سنوات. تقع زودفن على مسافة ساعتين في القطار شرق أمستردام، غير بعيد من الحدود الهولندية - الألمانية. فادي يأنس الإقامة في تلك المدينة التاريخية الصغيرة (نحو 80 ألف نسمة) المتأثرة بالثقافة الألمانية، واجتاحها الجيش النازي في الحرب العالمية الثانية، فأباد سكانها اليهود.

لا شيء في حياة فادي ومنيرة وابنتهما ياسمينا يشي بحياة مهاجرين. فهو يكتب ويترجم من الإنكليزية إلى العربية، ويعمل في منظمة هولندية تعنى بشؤون المهاجرين واللاجئين، حدّثني عن تكاثر المهاجرين الإيرانيين في السنتين المنصرمتين. منيرة تدرّس الفن المعاصر في جامعة بمدينة ألمانية غير بعيدة من زودفن، وأقامت معارض لأعمالها الفنية في مدن كثيرة. وقد أذهلني منزلهما التراثي المؤلف من طبقات ثلاث في شارع المدينة الرئيسي. فادي مهندس معماري وديكور في الأصل. روى لي قصة المبنى التراثي الذي يقيم فيه. كان يملكه جزّار يبيع اللحوم في طبقته الأرضية، قبل أن يملكه حذّاء أو إسكافي.

حوّل فادي ومنيرة طبقة المبنى الأرضية صالة للندوات والعروض الفنية. عملا في أوقات متقطّعة على تجهيز الصالة، مستعينين في أعمالهما اليدوية الممتعة باستعمالهما أدوات النجارة والحدادة والبناء والطلاء... التي أطلعني فادي عليها موضّبة في قبو المبنى. فإذا به مشغل حرفيّ مجهز بالأدوات كافة. خيّل إليّ أن حياتهما وإقامتهما في هولندا زوّدتاهما ثقافة حرفية، يدوية وعملية، ربما أضافت إلى ثقافتهما الفنية والشعرية ما يعزّ تحصيله في لبنان. فثقافة الحياة الهولندية، والأوروبية أو الغربية عموما، لا تأنف الأعمال اليدوية، ولا يتوق أهلها توق أهل مجتمعاتنا المستميت إلى يدين نظيفتين، مغناجتين متعاليتين على تلك الأعمال. فأهل مجتمعاتنا لا يحلمون إلا بأعمال أو وظائف مكتبية أقرب إلى البطالة المقنّعة التي يتخيّل أصحابها أنها ترفع من مكانتهم ومرتبتهم بين الناس. وكم كان فادي مسرورا فيما هو يريني الخطّافات الحديد التي لا تزال مثبّتة في سقف الصالة العالي. وقال إنه تركها على حالها أثرا فنيا نائتا في صالة الندوات والعروض، لتذكر بملحمة الجزّار القديمة المندثرة.

حضر إلى بيت فادي في السهرة صديق له هولندي من مؤسّسي المنظمة التي يعملان فيها وتُعنى بشؤون المهاجرين واللاجئين. بدل أن نذهب في أحاديثنا إلى تقصّي أوضاعهم ومشكلاتهم ومصاعب حياتهم الجديدة، والجهود الرامية إلى تسهيل دمجهم الاجتماعي، رأيتُ أن أستعلم من الزائر عن الدوافع والميول الشخصية أو الذاتية التي تحمل شابا مثله من طبقة ميسورة، وأنهى تحصيله الجامعي العالي، على اختياره العناية بشؤون اللاجئين عملا له.

قال إنه شغوف بعمله الذي لا يصدُرُ اختياره إياه عما قد ينطوي عليه سؤالي من أن رسالة إنسانية غيريّة تنطوي على تضحية ذاتية أو شفقة باللاجئين، هي التي دفعته إلى هذا العمل. وأضاف أن شيئا من غيريّة ثقافية، ورغبة في الاحتكاك بأهل ثقافات أخرى غير هولندية وأوروبية عموما، والتعرّف إليهم وإلى ثقافاتهم، هي من أسباب اختياره عملِه. ثم تساءل: أليست قراءة الكتب والروايات ومتابعة أعمال فنية من ثقافات أخرى، وكذلك السفر إلى بلاد أخرى، لتفذية مخزوننا الثقافي والمعرفي؟ وما دام هناك أناسٌ من بلاد وثقافات وفنون أخرى يأتون للإقامة في بلادك، فلماذا لا تتعرّف إليهم وتخالطهم؟ ثم ألا نقول كل يوم إن العالم صار قرية كونية؟

هنا بادرني محدّثي سائلا: لماذا جئتَ أنتَ إلى هولندا، وماذا أتيت تفعل؟ وما دمتَ تحترف الكتابة، دعني أسألك: لماذا تكتب؟ ثم ختم قائلا: دعني أقول إن أزمنة التمحور الصلب على الهويات والثقافات صارت من الماضي، ولا يفضي التمحور هذا  إلا إلى انغلاق البلدان والثقافات وإفقارها، إن لم يؤدِّ إلى نزاعات وحروب تدفع أهلها إلى مغادرتها. هولندا أو سواها من البلدان تغتني بالمهاجرين إليها، وتصير الحياة فيها أكثر حيوية ونشاطا، إذا أحسنت التعامل معهم. لكن الحياة الهولندية تصير تبعث على الضيق والضجر في حال انغلاقها على ذاتها وثقافتها واكتفت بما لديها.

فجأة أيقظت عبارات محدّثي الهولندي في ذاكرتي بعض مفاهيم نسيتها تماما، وكنت سمعتها للمرة الأولى في مدينة ليون الفرنسية في ثمانينات القرن الماضي أثناء محاضرة في "بيت المشرق" التابع لجامعة ليون. حدث ذلك قبل مدة من خطف الباحث الفرنسي ميشال سورا في بيروت، وقتله أو تركه يموت جراء مرضٍ ألمّ به في مكان احتجازه. وكان سورا من المشاركين في تأسيس ذاك المركز الثقافي في ليون. أما المفاهيم التي سمعتها في المحاضرة: الثقافة الإثنية، المهن والأعمال الإثنية، والفنون الإثنية... تلك المتصلة بالهجرة والمهاجرين، فكان مصدرها باحث اجتماعي أميركي. وقد تكون استُدخلت إلى الثقافة السوسيولوجية الفرنسية. ولعل النظرة إلى المهاجرين وسياسات الهجرة في فرنسا (سياسات الدمج والصهر التي تنطوي على معايير ثقافية وقيم سلوكية واحدة وموحدة) تختلف تماما عنها في هولندا وفي بلاد الثقافات الأنكلوسكسونية عامةً، حيث ليس من معايير ثقافية وسلوكية موحدة يُطلب من المهاجرين التزامها.

جاليات وثقافات إثنيّة

بعد عودتي من زودفن إلى أمستردام رحتُ أراقب من زاوية هذه المفاهيم مشاهدَ الحياة اليومية ومظاهرها المباشرة والماثلة في أحيائها التي تتكاثر فيها إقامة الجاليات المهاجرة بكثافة لافتة. عندما وافانا إلى أمستردام صديق كردي يقيم في ألمانيا، التقينا به - أنا والصديق الهولندي وزوجته اليمنية - في محطة مترو نورد (الشمال) أمستردام، فتناولنا غداءنا في مطعم يمني يديره سوري حلبي في سوق الحي (النورد) التجاري. يمكن القول إن جو المطعم وأثاثه يبعثان شيئا من الكآبة. لكن أطباقه شهية دسمة تناسب الطقس الصقيعي في المدينة. ولعل تلك الكآبة تسلّلت إليه من السوق التجاري ذي العمران وأسلوب العمارة الوظائفيين، الباردين العاريين من أي لمسات أو ملامح بصرية تثير الانتباه أو الفضول. فالمعدن والزجاج اللذان يغلبان عليه، يبديان أنه مركّبٌ على نحو تجهيزي ووظائفي خالصين على أرض منبسطة. وفيما أنت تمشي متنقّلا في ممراته وبين ساحاته ومتاجره ومطاعمه ومقاهيه الكثيرة، تشعر كأنك في أكواريوم من الزجاج والألمنيوم، تتكرّر فيه المشاهد نفسها التي يطغى عليها اللون الرمادي البارد، وتترك لديك شعورا بأنك محاصرٌ في خلاء فسيح تنتشر فيه برودة حسية. فأنت هنا في السوق - الأكواريوم لغاية محدّدة، وعليك أن تُسرع في إنجازها وتغادر المكان. أما إذا أردت المشي أو الجلوس على مقعد في ساحة، بلا هدف ولا غاية، فلا تدري لماذا يفاجئك شعور بأنك مهمل أو كئيب وفائض عن الحاجة. وهذه هي حال العمارة الوظائفية التي تظل على حالها آنية، مهما انقضى عليها الزمن الذي يظل متجمدا كأنه لا ينقضي.

دعانا صديقنا الهولندي إلى تدخين نرجيلة في واحد من مقاهٍ كثيرة صارت تسمّى "شيشة بار" في عواصم ومدن أوروبية كثيرة. وأخبرنا أنه يقتني في منزله نرجيلة يدخّنها في أمسيات جالسا في غرفة زجاجية خارجية متصلة بمنزله الذي انتقل إليه حديثا في واحد من أحياء جنوب أمستردام الغربية التي تغلب كلٌّ من الجالية التركية والمغربية على سكانها. وأمضينا سهرتنا متنقلين في تلك الأحياء التي تكثر في شوارعها الرئيسية متاجر ومطاعم ومقاهٍ إثنية تركية ومغربية.

فيما كنا نتنقل على أرصفة تلك الشوارع، فجأة قال صديقنا الكردي القادم من ألمانيا إنه يشعر كأنه في إسطنبول أو ديار بكر في تركيا. وسرعان ما راح يكلّم بعض العاملين في المقاهي والمطاعم ومحال بيع الحلويات بلغته الأم الكردية، فيما نحن نتنقل لاختيار مقهى أو "شيشة بار" للجلوس فيه. حرارة فائضة، تلقائية وسريعة، تلابس الحركات والكلام والتواصل على تلك الأرصفة، كأنما الترك والكرد والمغاربة والسوريون في المحال وعلى أرصفتها في حال وئام بلدي - مهجري قديم في أمستردام. وسرعان ما تهيأ لي أنني غادرتها عندما جلسنا في الطبقة السفلية من مطعم تركي، هي الصالة التي تسمى "شيشة بار". وقالت زوجة صديقنا الهولندي اليمنية: انظر ماذا فعل تكاثر الجالية السورية في هذه الأحياء والشوارع. لقد درّجوا وضع شاشات تنقل صورا متحركة لاشتعال نيران في حطب وجاقات أو مدافئ افتراضية في مثل هذه المقاهي. الناظر إلى تلك الشاشات المشتعل حطبها، لا بد أن يشعر بدفء افتراضي، فيما هو ينفث من فمه دخان تبغ نرجيلته الذي اختار نكهته على صنف من الفاكهة: التفاح، الفريز، الأناناس... إلخ.

شرح صديقنا الهولندي تركيبة الأعمال الإثنية في مثل هذه المقاهي والمطاعم: مُلاّك المباني العقاريون غالبا ما يكونون هولنديين. مستثمرو أو أصحاب المقاهي والمطاعم ومحال الحلويات يغلب عليهم الأتراك في هذا الحي، وفي حيّ آخر يكونون من المغاربة. عمال خدمة الزبائن من السوريين والكرد غالبا. ولك أن تتخيّل خليط اللغات واللهجات والعادات والأذواق في هذه الأحياء السكنية وشوارعها التجارية التي يحضر فيها الهولنديون/ات، عملا وسكنا وإقامة وزبائن.

رقص مغربي

غير بعيد من أحياء الجالية التركية والمغربية، حضرنا عرض فرقة هولندية شابة للرقص المعاصر في "تياتر ويك أند" (مسرح العطلة الأسبوعية). يضم المسرح 4 صالات للعروض الفنية المتنوعة، مع قاعة رئيسية واسعة مجهّزة لجلوس روّاد الصالات وعروضها. في جانب من القاعة المشتركة التي تعلوها صالات العروض الأربع، مقهى يقدّم البيرة والقهوة والشاي. وتكثر في القاعة طاولات وأكشاك صغيرة تعرض بروشورات وصورا وإعلانات وأقراصا مدمجة للعروض الفنية الأسبوعية.

في واحدة من الصالات حفلة غنائية - موسيقية للمغنّية الفلسطينية ناي البرغوثي. أما العروض الثلاثة الأخرى فهولندية. وكان مفاجئا حضور جمهور مغربي عائلي كثيف ومن الأعمار كافة، مزدحما في القاعة الرئيسية المشتركة، منتظرا بداية حفلة المغنية الفلسطينية. وكان مفاجئا ألا يدخل مغربي واحد أو من جالية عربية أخرى صالات العروض الفنية الثلاثة الهولندية، سوانا نحن من حضرنا عرض الرقص المعاصر الذي استمر نحو ساعة وربع الساعة. ولما خرجنا من الصالة في نهاية العرض، بدأ شاب هولندي بتنظيم بث أغانٍ عربية من جهاز في القاعة السفلية المشتركة. وسرعان ما تحلّق جمهور عائلي مغربي عريض في القاعة، وشرع شبان وفتيات منه في رقص على إيقاع الأغاني العربية لجورج وسوف ونانسي عجرم وصابر الرباعي وسواهم. وتقاطر الراقصون والراقصات في القاعة إلى طلب بث أغانٍ محدّدة من منظّم البث الهولندي الشاب.

وسرعان ما بدا أن حفلة راقصة مرتجلة ومنظمة في آن واحد قد بدأت، وجمهورها مغربي في غالبيته الساحقة، من دون أن يخلو من سوريين وقلة من الهولنديين. الأرجح أن إدارة المسرح هي التي تنظّم الحفلة التلقائية المرتجلة التي استمرت من العاشرة حتى منتصف الليل. وفي الأثناء أخذت شابات بدا من أزيائهنّ أنهنّ عاملات في المسرح، يدُرن على الحاضرين في جنبات القاعة متفرجين على حلقات الرقص أو مستريحين بين وصلة رقص وأخرى، موزعات عليهم وعليهنّ مأكولات سريعة مجانية يحملنها على صوانٍ معدنية، مبتسمات ومرحّبات.

(الصورة لمحمد أبي سمرا)
وحشة العمران الوظائفي الجاهز

 

مشاهد أخيرة عابرة

كانت هذه السهرة المغربية هي الأخيرة في رحلتنا العابرة في أمستردام، قبل مغادرتنا مدينة الفردية الإرادية المزمنة وتنظيم إقامة الجاليات الوافدة إليها من بلاد الاضطرابات والاختلالات المزمنة التي ما إن تطأ قدماك أرضها، بعد أيامٍ عشرة من غيبتك عنها، حتى تلتهمك فجأة في مطار رفيق الحريري القتيل في بيروت، أو تنقضّ عليك فجأة الأصوات والحركات المتنافرة، واللغة الرحميّة الطالعة لزجة من بشر يتآكلهم التعب والخواء والقنوط والخوف.

هنا في بيروت، بلاد الاختناق والتذرّر والتنافر والفوضى... التي تجعل الأرض تميد تحت أقدامنا، والفضاء مختنقا وكئيبا، ماذا يفعل المرء غير أن يستعيد صورا من تلك البلاد "الغريبة"، حيث يؤلف البشر حياتهم ويعزفونها، وينشئون عمرانهم وأعمالهم، كالسمفونيات؟ فتأتي خطواتهم ثابتة على الأرض، خفيفة وزائلة. كلقاءات مصادقات عابرة على الأرصفة، في ساحات وحدائق عامة، في المقاهي والقطارات...

كرجل عجوز يجلس وحيدا على مقعد يتشمّس في دفء شمس خافتة في ساحة عامة، حتى في تلك الوظائفية الكئيبة المجهزة من معدن وزجاج. كفنجان فهوة في مقهى محطة.

كجلسة ليلية أخيرة خلف زجاج نافذة في غرفة معتمة دافئة، وخلف الزجاج أغصان أشجار دهرية عارية وشبحية، خلفها سماء برتقالية تنعكس عليها أضواء المدينة.

كالعشب، كالأشجار، كالمراعي، كأبقار في المراعي، كالبيوت المستقلة المتباعدة في مشهد من خلف زجاج نافذة قطار يسير إلى مطار أمستردام.

font change