الأثر الأفريقي يتزايد في المنافسة بين "القوى العظمى"

وزارة الخارجية الاميركية
وزارة الخارجية الاميركية
الجلسة الافتتاحية للقمة الافريقية الاميركية في الاول من ديسمبر 2022

الأثر الأفريقي يتزايد في المنافسة بين "القوى العظمى"

عندما نتطرّق إلى المنافسة الصينية -الاميركية على الساحة الإفريقية، فإننا نعني في المقام الأول البلدان الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، رغم أن شمال أفريقيا لا يشكل استثناءً من هذه المنافسة. فشمال أفريقيا يمثّل مجموعةً متباينةً من الفرص والتحديات لكل من الصين والولايات المتحدة لكونه جزءا من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ولقربه الجغرافي من أوروبا. أما المنطقة الأفريقية المهمة الواقعة جنوب الصحراء، فقد كانت الولايات المتحدة، على مدار القرن الماضي، تحظى بالأفضلية فيها، لأسباب اقتصادية، وسياسية، وعسكرية، لكنّ الصين آخذةٌ باللحاق بها على نحوٍ سريع في الآونة الأخيرة.

فحجم الاهتمام الدولي الذي جرى إيلاؤه لأفريقيا جنوب الصحراء مُذهل، وعلى وجه الخصوص منذ عام 1990. وهو يذكرنا بالفترة الواقعة بين 1884 و1910 عندما قامت القوى الاستعمارية الأوروبية بتقسيم أفريقيا بهدف استغلال مواردها الطبيعية الغنية والذي غالبا ما يشار إليه باسم "التدافع على أفريقيا".

حصل "التدافع على أفريقيا" هذا عندما قسّمت القوى الاستعمارية الأوروبية أفريقيا بهدف استغلال الموارد الطبيعية الغنية فيها. وما نشهده اليوم يمكن أن يسمى "التدافع الثاني" على أفريقيا، الذي لم يقتصر هذه المرة على استغلال الموارد الطبيعية للقارة، بل صار يشمل أيضًا الأسواق والقوى العاملة وخطوط الاتصال البحرية. يضاف إلى ذلك تغير اللاعبين الرئيسيين.

انخرطت القوى الأوروبية في التدافع الأول. في حين شمل التدافع الثاني عددا كبيرا من اللاعبين. فبالإضافة إلى القوى الأوروبية التقليدية التي ما زالت تتمتع بمصالح كبيرة، أصبحت الصين والولايات المتحدة وروسيا اللاعبين الرئيسيين في يومنا هذا. كما أظهرت دول مثل البرازيل وتركيا وحتى إيران اهتماما متزايدا في العقد الماضي لكنه أقل شأنا من الآخرين بكثير.

وفي حين أن اهتمام كل من الصين والولايات المتحدة بأفريقيا حديث الشأن إلى حد ما، تبدو الصين اللاعب الرئيسي في القارة الأفريقية في يومنا هذا وتحاول الولايات المتحدة اللحاق بها. وما زالت الدول الأوروبية مثل فرنسا والمملكة المتحدة تحتفظ بمصالح كبيرة، لكن نفوذهما آخذ في التضاؤل بالمقارنة مع الصين.

بدأت ثروات أفريقيا في التحول في عام 2000 تقريبا بعد فترةٍ من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والنمو الاقتصادي الضعيف الذي شهدته بعد عقد من حصولها على الاستقلال في الستينيات.

فمنذ ذلك الحين، نما الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا نموا ملحوظا، لا سيما الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا جنوب الصحراء والذي تضاعف بمقدار خمسة أضعاف، ويبلغ إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا الآن 3 تريليونات دولار اميركي مع وجود احتمالات واعدة بمزيد من النمو الاقتصادي الكبير.

تستحوذ أفريقيا على قدرٍ كبيرٍ من النفط والغاز وتستحوذ على ما يقارب 30٪ من الموارد المعدنية المهمة في العالم والتي تزوّد عالمنا الحديث بالطاقة. وعلاوة على ذلك، ستصبح أفريقيا موطنًا لـ 40 في المائة من سكان العالم بحلول نهاية هذا القرن. والأهم من ذلك أنه بينما يتقدّم السكان في السن في أماكن أخرى، بما في ذلك الصين، فإن سكان البلدان الأفريقية هم في الغالب من الشباب، وسيزداد عدد الشباب بأكثر من 500 مليون شاب على مدى العقود الثلاثة المقبلة.

ونتيجة ذلك، ستكون أفريقيا موطنا لـ 42 في المائة من سكان العالم في سن العمل. كما أنه من المتوقع أن يزداد سكان المدن في أفريقيا بعددِ يصل إلى أكثر من نصف مليار شخص بحلول عام 2040، وهذا الرقم أعلى بكثير من النمو الذي شهده نمو سكان المدن في الصين في عقدي طفرة الصين في مجالي الاقتصاد والطاقة.

قصارى القول، من المتوقع أن تصبح أفريقيا مصدرا رئيسيا للعمالة والطاقة، وأن تغدو سوقا نامية أيضا. غني عن القول إن هذا يعتمد على قدرة الأنظمة السياسية على توفير الصحة والتعليم اللازمَين لاستدامة النمو. فالقوة العاملة الكبيرة في أفريقيا المزودة بالمهارات اللازمة التي تؤهلها لوظائف القرن الحادي والعشرين وما بعده ستكون نعمة ليس للمنطقة فحسب، ولكن للاقتصاد العالمي ككل أيضا. سوى أن هذا يعتمد فوق ذلك على كيفية قدرة الاقتصادات الرئيسية في العالم، في كل من الغرب والشرق، على إقامة نوع من العلاقات مع أفريقيا والتي تتيح لها الاستفادة من إمكاناتها.

كما تكتسب أفريقيا أهمية إضافية في التصدي للتهديدات العابرة للحدود الوطنية. إذ لا يمكن معالجة الأوبئة وانعدام الأمن الغذائي وتغير المناخ والإرهاب على نحوٍ فعّال من دون إشراك القارة في الجهود الدولية المكرسة لمكافحة هذه التحديات المتزايدة.

تمتلك أفريقيا إمكانات هائلة لتوفير الغذاء في ظلّ وجود أراض شاسعة صالحة للزراعة وغير مستغلة. ولا يمكن التقليل من دورها أيضا في إدارة التغير المناخي في ظل وجود 30٪ من الغابات المطيرة في العالم فيها. من ناحية أخرى، ونظرا لضعف أنظمتها الصحية وهشاشة أنظمتها السياسية، فهي عرضة لانتشار الأوبئة والإرهاب على حدٍ سواء. ومع ذلك يمكن لأفريقيا أن تقدم مساهمة حاسمة في مواجهة هذه التحديات، إذا تم ضخ الاستثمارات اللازمة لذلك، وعلى العكس من ذلك، إذا لم تتم معالجة نقاط الضعف الخاصة بها على نحوٍ كافٍ، فسوف تشكل صعوباتٍ متزايدةٍ تواجه العالم.

باختصار وبحلول عام 2050، ستكون أفريقيا موطنا لربع سكان العالم وموئلا لموارد طبيعية هائلة. ويعزّز أهميتها حقيقة أنها تقع على خطوط الاتصال والتجارة البحرية الرئيسية في المحيطين الأطلسي والهندي.

فليس من المستغرب، والحال كذلك، أن تتنافس الصين والولايات المتحدة على النفوذ في هذه القارة التي يتوقع أنها ستنعم بمستقبل واعد.

رويترز

يعود الارتباط الاميركي بأفريقيا إلى ما قبل تأسيس الولايات المتحدة. وقد كانت ليبيريا واحدة من أوائل الدول المستقلة في أفريقيا، وقد أسّسها عبيد اميركيون بعد تحريرهم عام 1820.

وبرغم ذلك، لم تكن الولايات المتحدة تولي أفريقيا الاهتمام اللازم حتى النصف الثاني من القرن العشرين، إذ لم تكن إمكانات أفريقيا الاقتصادية موضع اهتمام. لكن بعد نهاية الحرب الباردة ومع التهديد المتزايد للإرهاب ولمواجهة النفوذ الصيني، أبدت واشنطن اهتماما ملموسا. والمجال الوحيد الذي أظهرت فيه الولايات المتحدة فعالية مقبولة كان حلّ النزاعات، سواء بالانخراط المباشر أو من خلال الأمم المتحدة.

ثمة مجالان تزايد بهما نشاط الولايات المتحدة هما مجال التدخل الإنساني كما حدث في الصومال عام 1993 ومجال مكافحة الإرهاب، وإن ذلك ترافق مع ترددّ كبير. وفي عام 2007، تمّ إنشاء منظمة AFRICOM"" (القيادة الاميركية في أفريقيا) كترتيب عسكري الغرض منه بناء قدرات الدول الأفريقية بهدف إبطال مفعول عنف المتطرفين، والاستجابة للأزمات.

ثمة مجالان تزايد بهما نشاط الولايات المتحدة هما مجال التدخل الإنساني كما حدث في الصومال عام 1993 ومجال مكافحة الإرهاب، وإن ذلك ترافق مع ترددّ كبير. وفي عام 2007،

وتم إطلاق مبادرة عموم الساحل لمساعدة دول المنطقة في عمليات مكافحة الإرهاب في عام 2004. وتلا ذلك في عام 2007 موافقة الكونغرس على منح 500 مليون دولار لمبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء (TSCTI) على مدى ست سنوات بهدف دعم البلدان المشاركة في مكافحة الإرهاب ضد تهديدات القاعدة العاملة في البلدان الأفريقية، وعلى وجه الخصوص الجزائر، وتشاد، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، والسنغال، ونيجيريا، والمغرب.

ولم تبدأ واشنطن بالنظر إلى أفريقيا على نحوٍ مغاير إلا في ظل إدارة أوباما الثانية ما بين 2009 و2013 حيث أطلق الرئيس أوباما مبادرة Power Africa"" (طاقة إفريقيا)، وهي شراكة مبتكرة لمضاعفة إمكانية الوصول إلى الكهرباء في أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. وعُقدت أول قمة لقادة الولايات المتحدة وأفريقيا في 2014.

وحين تولى الرئيس دونالد ترامب منصبه، أبدى اهتماما بكل شيء ما خلا أفريقيا. في حين اختارت إدارة الرئيس بايدن العمل من حيث توقف الرئيس أوباما. فانعقدت القمة الإفريقية الاميركية الثانية في ديسمبر/كانون الأول 2022.

وزار وزير الخارجية في إدارة بايدن أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء مرتين وشمال أفريقيا مرة واحدة. كما زارت وزيرة الخزانة يلين القارة كمتابعة للقمة في يناير/كانون الثاني 2022.

وفي أغسطس/آب 2022، أصدرت إدارة بايدن استراتيجية اميركية بخصوص أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، وفي أكتوبر/تشرين الأول نشرت استراتيجيتها الخاصة بالأمن القومي. ورأت كلا الاستراتيجيتين الصين على أنها المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في أفريقيا.

تفترض استراتيجية الأمن القومي أن تطور أفريقيا سيكون محددا رئيسيا لمستقبل العالم واميركا في هذا القرن.

تنطلق "استراتيجية أفريقيا" من افتراض أن أفريقيا تمثل أولوية أساسية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهي ترتكز على إدراك أهمية أفريقيا بالنسبة للأولويات العالمية للولايات المتحدة، كالنمو السكاني السريع للقارة، وكونها واحدة من أكبر الكتل التجارية في العالم، وكونها تتمتع بموارد طبيعية كبيرة، كما تتمتع بكتلة تصويت كبيرة في الأمم المتحدة، وثمّة مسوّغ آخر وهو أنها تحدّد موقع الولايات المتحدة في منافستها مع الصين وروسيا لكي تصبح القوة التي تحظى بتأثيرٍ أكبر في أفريقيا.

تضع هذه الاستراتيجية نصب عينها أربعة أهداف رئيسية، تتمثل في تعزيز الانفتاح والمجتمعات المنفتحة، وتأمين أرباحًا ديمقراطية وأمنية، وتقديم فرصة للتعافي من الوباء وفرصةً اقتصادية، ودعم الحفاظ على المناخ والتكيف المناخي والانتقال العادل للطاقة.

أحرزت القمة  الاميركية -الأفريقية الثانية إنجازات جديدة كبيرة مقارنةً بقمة باراك أوباما مع  القادة الأفريقيين في عام 2014 في الولايات المتحدة في ثلاثة مجالات: التعهدّ بالتزامات مالية واضحة وهامة مثل الإعلان عن تقديم 50 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات لدعم الأهداف العديدة المذكورة  في "جدول أعمال 2063" للاتحاد الأفريقي، والوعد بدعم المصالح الدبلوماسية الأفريقية في الأمم المتحدة و مجموعة العشرين، ومذكرات التفاهم الموقعة والمتعلقة بأطر التنمية الأفريقية والمشاريع الرائدة مثل منطقة التجارة الحرة في القارة الأفريقية.

وفي حين لم تحدّد القمة جدولًا زمنيا واضحًا بشأن القمم المستقبلية، ألا أن قمة 2022 تضمنت بعض خطط المتابعة. إذ أعلن الرئيس جو بايدن أن أول زيارة له لعدة دول أفريقية ستتم في عام 2023.

وعلى الرغم من أن اهتمام الصين بأفريقيا أصبح جليا منذ عام 2000، ألا أن علاقتها بالقارة تعود إلى عقود عديد سابقة.

  فخلال الحرب الباردة، دخلت الصين في كثير من الأحيان في منافسة مباشرة مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وزادت شهية الصين لموارد الطاقة في أفريقيا خلال عصر الإصلاح والانفتاح. 

بدأت بكين في الاستثمار بكثافة في بناء البنية التحتية الأفريقية منذ التسعينيات وحتى وصول الرئيس شي جين بينغ إلى السلطة في عام 2012، وهي البرهة التي ازدهرت بها الصين في ظل توفر فوائض مالية متتالية. وفي أعقاب الأزمة المالية العالمية التي حدثت في عام 2008، بدأت الصين في التفكير على نحوٍ استباقي في ضرورة تشكيل بيئة عالمية تتيح صعود الصين. وأصبحت البلدان النامية، وخاصة أفريقيا، ساحة لما بدا أنه منافسة متزايدة من الولايات المتحدة على نحوٍ خاص، والغرب على نحوٍ أعم.

ففي عهد الرئيس شي، اكتسبت أفريقيا أهمية إضافية. وفي حين أن العلاقات الاقتصادية ما زالت تتمتع بأهمية، إلا أن السياسة أصبحت مرة أخرى قوة دافعة، ثمّ تقدّمت العلاقات العسكرية الآن لتنال حظها من الاهتمام.

ترمي السياسة الصينية تجاه أفريقيا اليوم إلى تحقيق أربعة مآرب استراتيجية. أولها الوصول إلى الموارد الطبيعية، وخاصة النفط والغاز. ثانياً، قد تسهل الاستثمارات في أفريقيا، والتي تمثل سوقًا ضخمة للسلع الصينية المُصدّرة، جهود الصين لإعادة هيكلة اقتصادها بعيدا عن الصناعات التي تتطلب عمالة كثيفة، خاصة مع زيادة تكاليف العمالة في الصين. ثالثا، تنشد الصين الحصول على الشرعية السياسية، وفي ظنّ الحكومة الصينية أن تعزيز العلاقات الصينية الأفريقية سيساعد على زيادة النفوذ الدولي للصين، وهذا أمر مهم لها في سعيها لحشد الدعم الدولي لسياستها بشأن تايوان. وأخيرا، تسعى الصين إلى دورٍ أكثر إيجابية كمساهم في الاستقرار في المنطقة، للتخفيف جزئيا من التهديدات المتعلقة بالأمن والتي تهدد المصالح الاقتصادية للصين.
أنشأت بكين في عام 2000 منتدى التعاون الصيني الإفريقي FOCAC كآلية للتنسيق السياسي بين الصين وأفريقيا. يجتمع المنتدى على المستوى الوزاري مرّة كل ثلاث سنوات منذ ذلك الحين. كما تمّ عقد أربع قمم بين الصين وأفريقيا، كان آخرها في داكار، السنغال في عام 2021.

تعهدت الصين في قمة داكار بتقديم مبلغ 40 مليار دولار لبرنامج "أفريقيا 2063" واعتمدت رؤية 2035 للتعاون الصيني الأفريقي والتي تبرز بشكل خاص على أنها أول خطة تعاون متوسطة إلى طويلة الأجل تم تطويرها بشكل مشترك بين الصين وأفريقيا.

بالإضافة إلى ذلك، فهي تُشرك أفريقيا من خلال جهات رئيسية أخرى متعددة الأطراف.
كما تم تشكيل منتدى السلام والأمن الصيني الأفريقي في عام 2018، وكان آخر اجتماعاته في أغسطس/آب الماضي.

 

Getty Images

 

وفوق هذا وذاك، تتعامل الصين مع أفريقيا من خلال عمليات متعددة الأطراف، ولا سيما منذ عام 2013 كمبادرة الحزام والطريق مع تطوير البنية التحتية على نطاق واسع في القارة الأفريقية والتي تتصور دورًا مهمًا لأفريقيا، ولا سيما خطوط الاتصال البحرية.

تطمح السياسة الصينية اليوم في أفريقيا، إذن، إلى تحقيق أربع مصالح استراتيجية. أولا، الوصول إلى الموارد الطبيعية، وثانيا، الاستثمارات في أفريقيا، وهي سوق ضخم للسلع الصينية المصدرة. ثالثا، السعي للشرعية السياسية من حيث زيادة الصين لنفوذها الدولي، وخاصة في قضية تايوان. وأخيرا، أن تصبح مساهمًا في الاستقرار في المنطقة الأمر الذي يمكن أن يخفف جزئيًا من التهديدات الأمنية للمصالح الاقتصادية للصين.

وتعدّ الصين أكبر شريك تجاري ثنائي الاتجاه لأفريقيا منذ عام 2000، حيث بلغت قيمة التجارة بين أفريقيا والصين 254 مليار دولار في عام 2021، متجاوزة بذلك أربعة أضعاف حجم التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا. والصين إلى ذلك هي أكبر مزوّد للاستثمار الأجنبي المباشر إذ ارتفع من 75 مليون دولار في عام 2003 إلى 4.2 مليار دولار في عام 2020. وهذا ما يقارب ضعف مستوى الاستثمار الأجنبي المباشر للولايات المتحدة.

وشهدت العلاقات السياسية تصاعدا متناميا للتأكيد على المصالح المتزايدة لأفريقيا، فلقد زار الرئيس شي أفريقيا تسع مرات. كما قام وزير خارجية الصين الجديد مؤخراً بأول زيارة خارجية له إلى أفريقيا، الأمر الذي دأب عليه كل وزير خارجية صيني جديد على مدى السنوات الثلاثين الماضية. ومنذ عام 1990، زار الصينَ أكثرُ من 40 من رؤساء الدول ورؤساء الحكومات من مختلف البلدان الأفريقية.

حافظت الصين في ذات الحين على سياسة اليد الممدودة بخصوص الأمور السياسية في أفريقيا. وهي لم تحجم فقط عن التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأفريقية، بل أنها وت أيضًا على الحياد في أفريقيا. وفي الآونة الأخيرة فقط، أظهرت اهتمامًا بالقرن الأفريقي وعينت مبعوثًا خاصًا للمنطقة وتمّ عقد مؤتمر للسلام في إثيوبيا.

وفي كل مكان كانت الصين تريد تحسين صورتها السياسية كانت تقوم بذلك من خلال المشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. فالصين هي الدولة التاسعة الرائدة في العالم، ما يجعل دور الأعضاء الدائمين الآخرين في مجلس الأمن الدولي يبدو ضئيلا للغاية.

من ناحية أخرى، كانت العلاقات العسكرية في تصاعد. ففي عام 2017، أكملت الصين بناء أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي. وهناك أيضًا تقارير تفيد بأن الصين تتطلع إلى بناء قواعد بحرية على ساحل المحيط الأطلسي بإفريقيا، بما في ذلك في غينيا الاستوائية، حيث قامت الشركات الصينية ببناء وتحديث مرافق الموانئ.

في كل مرة كانت الصين تريد تحسين صورتها السياسية كانت تقوم بذلك من خلال المشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. فالصين هي الدولة التاسعة الرائدة في العالم، ما يجعل دور الأعضاء الدائمين الآخرين في مجلس الأمن الدولي يبدو ضئيلا للغاية

تمثل الإمدادات العسكرية الصينية 20 ٪ من واردات الأسلحة في أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى بالقيمة مقارنة بحصة اميركا 5 ٪ فقط.

على الرغم من الصعوبات التي واجهتها الصين بسبب جائحة كوفيد 19، لا توجد علامات على أن اهتمامها بأفريقيا قد تضاءل. بل على العكس من ذلك، تؤكد الزيارة الأولى لوزير الخارجية الجديد أنها تواصل أنشطتها في القارة بنشاط فعال. فكل ما يتعين على الصين فعله هو مواصلة ما كانت تفعله خلال العقدين الماضيين في أفريقيا. وسيتعين على الولايات المتحدة ببساطة اللحاق بالركب.

المزايا الصينية

والحق أن الصين لديها بعض المزايا التي لا تملكها الولايات المتحدة.

يتطلع بعض الأفريقيين بإعجاب إلى التنمية الاقتصادية السريعة للصين ويرغبون في تكرار  في بلادهم، معتقدين أن دولهم يمكن أن تستفيد من تجربة الصين الأخيرة في انتشال نفسها من براثن الفقر.  وينظر المسؤولون الأفريقيين بأغلبية ساحقة إلى دور الصين في إفريقيا على نحوٍ إيجابي، ويرحبون بتركيز الصين الشديد على العقود بين الحكومات التي ترافقها قليل من الشروط، هذا إن وجدت. ويثني العديد من القادة الأفريقيين على مساهمات الصين في البنية التحتية لدولهم، مما يسلط الضوء على التحسينات المرئية التي تساهم في توسيع النشاط الاقتصادي، وخلق فرص العمل للعمال المحليين، والتحسينات الملموسة على الطرق، والخطوط الحديدية، والجسور، وشبكات النقل الأخرى وكل الأشياء التي تفيد المواطنين العاديين، وإن كان على نحوٍ غير مباشر.

أظهرت دراسة استقصائية صدرت في يناير/كانون الثاني أجرتها مؤسسة عائلة إيتشيكوفيتش بجنوب أفريقيا أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 24 عامًا في 15 دولة أفريقية يرون أن الصين هي القوة الخارجية التي تحظى بأكبر تأثير إيجابي على حياتهم. إن هذا بمثابة تحول عما كان عليه الحال قبل عامين، عندما وضعت نفس الدراسة الولايات المتحدة في مركز الصدارة.

من ناحية أخرى، تواجه الولايات المتحدة في منافستها مع الصين في إفريقيا عددا من التحديات. يبرز في مقدمتها كيفية التوفيق بين التزامها بنشر الحكم الديمقراطي وبين الحاجة إلى "التعامل" كما دعت إليه آخر استراتيجية للأمن القومي.

ويتمثل التحدي الثاني للولايات المتحدة في كيفية محو آثار خيبة الأمل الناجمة عن القمة الأولى من خلال ضمان الوفاء بالتزاماتها الجديدة على نحوٍ سريع وملموس. وسيتضمن ذلك جهودا إضافية تبذلها الإدارة لتشجيع الشركات الخاصة على التغلب على ترددها تجاه أفريقيا.

وآخر القول إن المنافسة بين الصين والولايات المتحدة ستتواصل بشكل جدي لما تبقى من القرن. ويبقى أن نرى كيف ستتمكن البلدان الأفريقية من استغلال تلك المنافسة لمصلحتها.


 

font change