"كلّ الضوء الذي لا يمكننا رؤيته": ويلات الحرب بعيدا من الجبهات

مسلسل من 4 حلقات على "نتفليكس"

مارك روفالو وأريا ميا لوبيرتي

"كلّ الضوء الذي لا يمكننا رؤيته": ويلات الحرب بعيدا من الجبهات

ينتهي مسلسل "كل الضوء الذي لا يمكننا رؤيته" بمشهد رومانسي حالم يجمع بين بطليه فرنر بفينيغ وماري لور لابلانك، وهما يتناولان قطعا من الخوخ المعلب ويرقصان بفرح ممزوج بالحزن وسط ركام الحرب في مدينة سان مالو الفرنسية، على إيقاع معزوفة "ضوء القمر" للفرنسي كلود دوبوسي.

قد يبدو المشهد مألوفا، بل وربما مكررا، غير أن الاحداث المأسوية التي سبقته تجعل من هذه النهاية شيئا أشبه بالمستحيل، وما كانت لتتحقق لولا جسارة بطليه واقتناعهما بأن "الحب أقوى من الحرب"، إذ يتغلبان، على الرغم من الأخطار، على لعنة الحرب، ويلتقيان ليحل السلام، وكأن القدر يتدخل لوضع هذه النهاية التي تجمع بين جندي ألماني نازي احتلت بلاده فرنسا هو فرنر، وفتاة فرنسية عمياء هي ماري التي عانت في ظل الاحتلال.

المسلسل المحدود، الذي تبلغ مدته ثلاث ساعات و48 دقيقة والمقسم أربع حلقات، يعود إلى أجواء الحرب العالمية الثانية التي ألهمت الكثير من المبدعين ممن تناولوا هذا الحدث التراجيدي بمعالجات شتى، وأساليب مختلفة، حتى يخال المرء أن مواضيع تلك الحرب قد استنفدت، ولم يبق شيء يمكن إضافته، غير أن هذا المسلسل، الذي أخرجه الكندي/ الأميركي شون ليفي، ويعرض على "نتفليكس"، يقدم حكاية درامية مختلفة ومؤثرة، اقتبسها من رواية للأميركي أنتوني دور بالعنوان ذاته (All theLight We Cannot See) ونالت في 2015 جائزة "بوليتزر"، وترجمت إلى لغات ضعدة بينها العربية بتوقيع أماني لازار عن "دار ممدوح عدوان".

يروي المسلسل جراح الحرب بما تخلفه في النفوس من عطب وانكسار، وكيف يمكن أن توقظ لدى البعض الوحش القابع في أعماق الروح

حب عبر موجات الأثير

أحداث وتفاصيل كثيرة تتشابك خلال هذا المسلسل، غير أن ثمة خطين دراميين أساسيين يتم التركيز عليهما، وصولا إلى النهاية المنشودة. ماري لور (تؤدّي دورها آريا ميا لوبيرتي) فتاة عمياء تعيش مع والدها دانيال (مارك روفالو) أمين الأقفال في متحف التاريخ الطبيعي في باريس. تمضي ماري يومياتها بهدوء وسلام بين صفحات الكتب التي تقرأها بطريقة "بريل"، أو تصغي الى الراديو، وسيلة التسلية الوحيدة، آنذاك، أو تزور المتحف مسحورة بالعجائب والقصص الخيالية التى تسمعها من والدها عن مقتنياته، ولا سيما الجوهرة السحرية الغامضة التي تسمى "بحر اللهب". تنقلب حياة ماري الهادئة رأسا على عقب بعد بدء الحرب واحتلال النازيين لباريس، فتضطر مع والدها الى الهرب بعيدا نحو بلدة سان مالو على ساحل النورماندي، حاملين الجوهرة السحرية التي "تمنح الخلود لمالكها، وفي الوقت نفسه تصيب باللعنة من يلمسها".

لارس إيدنغر

على الجانب الآخر الذي يمثل الخط الدرامي الثاني في المسلسل، يعيش فرنر في دار للأيتام بمدينة إيسن الألمانية، قبل نشوب الحرب. يمضي الفتى أيامه مع أخته يوتا (لونا ويدلر) مفتونين، كذلك، بسحر الراديو وقدرته على نقل أخبار وحكايات من بلاد بعيدة، وبث "حقائق" لا "آراء"، كما هي الحال بالنسبة الى إذاعات الحقبة النازية التي عولت كثيرا على هذا الجهاز إلى الدرجة التي قال فيها وزير الدعاية النازي غوبلز "ما كان ليكون ممكنا لنا تولي السلطة، أو استعمالها بالسبل التي نمتلكها، من دون الراديو".

وفي حين كانت النازية توظف الراديو أداة للقمع والتزييف والدعاية، كان الفتى فرنر يرى فيه أداة للإلهام وفسحة للسفر عبر الزمان والمكان للاصغاء إلى حكايات وقصص من "خارج الصندوق"، وهو ما خلق لديه هوسا بهذه التقنية الجديدة، آنذاك، ليس فقط بالاستماع الى ما تبثه وتغيير مؤشره إلى تلك المحطات الممنوعة، بل كان كذلك مشغوفا بالجوانب التقنية لهذا الاختراع وامتلك مهارة فائقة في تصليح أجهزة الراديو، فاختاره النازيون للدراسة في معهد برليني كي يلتحق بالجبهات، بعد التخرج، ويساعد الجيش الألماني في تحديد مواقع بث الإذاعات المعادية بغية قصفها، وفك الشفرات السرية التي تبث عبر الراديو الذي كان يستخدمه الأطراف المتحاربون وسيلة لتوجيه رسائل معينة إلى الجيوش عبر مقطوعة موسيقة او مقطع شعري او عبارة متفق عليها.    

  

ماري وفرنر كانا بعيدين، جغرافيا، فالأولى تعيش في باريس والثاني يعيش في إيسن، غير أن ثمة موجة راديو واحدة هي (13:11) كانت تجمعهما، فكانا يستمعان معا عبر تلك الموجة إلى "الأستاذ" (هيو لوري) الذي كان يبث حكايات وقصصا وتأملات تنطوي على بعد فلسفي وإنساني ووجودي. هذا الأستاذ كان يغزل بكلماته رباطا روحيا غامضا عبر الأثير بين ماري وفرنر اللذين تقودهما الأقدار وظروف الحرب إلى سان مالو، لنكتشف أن الأستاذ الذي كان يبث تلك البرامج في زمن مضى هو عم والد ماري التي تحل محله في البث عبر الموجة ذاتها، ويواصل فرنر الاستماع إلى تلك الموجة ويعلم بخبرته أن البث قريب منه من دون أن يخبر قادته بموقع الإذاعة الممنوعة، فهو كان جنديا اقتيد الى الجبهات دون رغبته، ولا يؤمن بالأيديولوجيا النازية ويرفض الحرب، تماما كالجندي الذي وصفه محمود درويش في قصيدته "جندي يحلم بالزنابق البيضاء".

خلال هذا الأحداث ثمة ضابط نازي هو فون رامبل (لارس إيدنغر)، مكلف الحصول على القطع والكنوز الفرنسية النادرة وحملها إلى الرايخ، وهو يلاحق بصورة خاصة ماري ووالدها الذي يحتفظ بالجوهرة السحرية. يخفق الضابط في مسعاه ويقتل على يد ماري بعدما اعترف لها بأنه قتل والدها الذي رفض كشف مكان الجوهرة التي كانت مخبأة ضمن مخطط خشبي لمدينة سان مالو تتلمّسها ماري كي تعرف طرق المدينة وأزقتها. تعثر ماري على الجوهرة وترميها في البحر.

صرخة إدانة

على الرغم من أن المسلسل يتناول جانبا من الحرب العالمية الثانية، غير أن المخرج لا يثقل سرده البصري بمشاهد الحرب وساحات المعارك والدماء، إذ يكتفي بإدراج بعض المواد الوثائقية الأرشيفية عن تلك الحرب ويبني كذلك بعض المشاهد عن الانفجارات والقصف والغارات الجوية، لكن كل ذلك لا يحتل سوى مساحة قليلة في المسلسل الذي يركز على تأثيرات الحرب وتداعياتها الإنسانية والمعيشية، ويروي جراح الحرب بما تخلفه في النفوس من عطب وانكسار، بعيدا من الجبهات، وكيف يمكن أن توقظ لدى البعض الوحش القابع في أعماق الروح، فيما تنمي لدى آخرين مشاعر التسامح وتسمو بضمائرهم وإنسانيتهم إلى حدّ التضحية بالنفس في سبيل إنقاذ آخرين.

فالمسلسل في معنى ما، هو صرخة إدانة ضد الحروب، من دون رفع شعارات كبرى، بل عبر حكايا صغيرة حافلة بمشاعر الفجيعة والفقد، وعلى الرغم من أن زمن المسلسل يعود إلى الحرب العالمية الثانية لكن الكثير من تفاصيله يحيلنا على الحرب الجائرة، الدائرة حاليا في غزة، وما يعانيه أهل القطاع من مآس وأهوال على مرأى من العالم، تماما كما قاسى أهالي مدينة سان مالو الفرنسية، والمفارقة هنا أن الأميركيين، آنذاك، تدخلوا عبر إنزال النورماندي الشهير الذي جرى في يونيو/حزيران 1944 وحرروا فرنسا من الاحتلال النازي، ها هم الآن يؤيدون إسرائيل في هجماتها المدمّرة ضد أهل غزة، في صورة تعكس ازدواجية المعايير لدى زعماء بلاد العم سام.

وسط ركام الحرب وفوضاها، لا يتوه مخرج العمل عن البوصلة الأخلاقية، التي يمثلها إلى جانب فرنر وماري، "الأستاذ" الذي كان قد شارك في الحرب العالمية الأولى ورأى ويلاتها، وحين قامت الحرب العالمية الثانية كان يدرك كم من المآسي ستخلّفها الحرب الجديدة، فليس هناك من شيء جيد في الحروب سوى نهايتها.

هيو لوري

العمل يبدو متكاملا سواء تعلق الأمر بالسيناريو او الموسيقى التصويرية أو الديكورات الطبيعية والاصطناعية، ناهيك بالمونتاج المشغول بعناية، الذي استطاع أن يجمع لقطات العمل المتناثرة كقطع "البازل"، ضمن سرد بصري متناغم، والانتقال برشاقة من زمن إلى آخر، دون أي إرباك لإيقاع العمل الحافل بالوقائع، وهذه أيضا نقطة تسجل لصالح المسلسل الذي لا يدع للمشاهد مجالا للملل والضجر.

كما جاء الحوار في المسلسل بدوره منضبطا ومتوازنا، فهو بعيد عن الثرثرة، وهو كذلك ليس نخبويا معقدا، بل يعبر عن روح الشخصيات ومنطقها حيال الحرب، ويعكس محنة العجز ورحابة الأمل في أكثر اللحظات اختبارا لمعدن البشر، فضلا عن أن العمل يضم استعارات واقتباسات لا لسياسيين وزعماء بل لكتاب وفلاسفة وأدباء معروفين من سوفوكليس وصولا إلى جول فيرن وفريدريك نيتشه وبول فيرلين وقصيدته "أغنية الخريف" التي كان قد أنشدها الجنرال الفرنسي شارل ديغول عشية تحرير بلاده من النازيين.

الكثير من تفاصيل المسلسل يحيلنا على الحرب الدائرة حاليا في غزة، وما يعانيه أهل القطاع من مآس وأهوال على مرأى العالم

آريا ميا لوبرتي!

لا ينبغي الإغفال عن الاكتشاف الجديد الذي يسجل لصناع العمل، والمقصود هنا هو الأداء اللافت لآريا ميا لوبرتي Aria Mia Loberti   (ولدت في 1994)، الوجه الجديد الذي برع في تجسيد دور ماري، ونجح في نقل ردود أفعالها، دون أدنى قدر من التكلف أو المبالغة، فهي ضريرة ولا تستطيع رؤية ما تخلفه الحروب من دمار وخراب، لكنها تشعر بكل ذلك عبر "الضوء الذي لا يمكننا رؤيته"، ضوء الروح الكسيرة التي تعاني الوحدة والقلق وتتحسس الخطر بالصوت والرائحة، فأجادت بملامحها الهادئة "الحزينة" في تجسيد طبيعة الشخصية عبر حضورها المحبب وعينيها الجميلتين اللتين لا تبصران، لكنهما تشعان ذكاء ونقاء وسط "تلك العتمة الباهرة". وكانت قد اختيرت لوبيرتي بعد إجراء العديد من الاختبارات وتجارب الأداء إلى أن وقع الاختيار عليها، ووفقا لسيرتها فهي بالفعل تعاني من بعض الإعاقة البصرية المتمثلة في ما يسمى بـ"عمى الألوان"، ومن المرجح أن هذا الدور الأول لها سيفتح أمامها آفاقا رحبة في عالم التمثيل.

لويس هوفمان

لمسرح الأحداث في هذا المسلسل دلالة رمزية واضحة، فمدينة سان مالو الفرنسية كانت محطّة استراتيجية أساسية للجيش الألماني، وكان يستخدم مرفأها لتزويد نفسه العتاد والمواد الأولية كما كان يستخدم ترسانته المضادة للطيران الموجودة فيها لحماية مواقعه على جزر القنال التي احتلها الألمان في سنة 1940 وكان هتلر يحرص حرصا شديدا على الاحتفاظ بهذه الجزر، إذ كان يعتبرها الأرض البريطانية الوحيدة التي استطاع الاستيلاء عليها خلال الحرب العالمية الثانية، محقّقا بذلك جزءا من حلمه الإنكليزي الأوسع الذي لم يتحقق قط بعد هزيمة المانيا في نهاية الحرب.

حصن سان مالو كان من آخر المعاقل الألمانية التي سقطت بعد الإنزال الأميركي على شواطئ النورماندي، الذي يعدّ الاجتياح البحري الأكبر في التاريخ، ودامت معركة النورماندي شهرين قبل أن يتمكّن الأميركيون من الزحف إلى مدينة سان مالو واقتحام الحصن وإجبار الجنود الألمان الموجودين فيه على الاستسلام.

font change

مقالات ذات صلة