كثيرا ما تفهم الحرية فهما مضللا، فتختزل إما في الانفلات المطلق من كل قيد، أو في القدرة على الاختيار العشوائي من دون معيار، أو في رفض أي سلطة أو نظام بوصفه عدوانا على الذات. وفي صور أخرى أكثر تطرفا، تصور الحرية كأنها نفي للمسؤولية، أو قطيعة مع التاريخ، أو تمرد دائم لا يعترف بأي شكل من أشكال المعقولية. هذه التصورات، على اختلافها، تشترك في أمر واحد، هو أنها تفصل الحرية عن العقل، وتحولها إلى نزوة أو شعار أو حالة نفسية، لا إلى مبدأ منظم للوجود الإنساني.
والحال أن الحرية، إذا فهمت على هذا النحو، تفقد معناها وتتحول إلى ضدها. فالانفلات لا ينتج إلا فوضى، والاختيار بلا معيار لا يفضي إلا إلى العبث، ورفض كل نظام لا يؤسس إلا لسلطة خفية أشد قسوة. من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في الحرية لا بوصفها غيابا للقيود، بل بوصفها مسارا عقلانيا يتكشف في التاريخ، ويأخذ أشكالا مؤسسية وقانونية وأخلاقية، من دون أن يفقد جوهره الإنساني.
يخطئ من يفسر التاريخ بمنطق الأسباب وحدها، أي برد الأحداث إلى ما سبقها زمنيا من وقائع وصراعات. فالسبب يشرح كيف وقع الحدث، لكنه لا يفسر معناه ولا ضرورته. هنا يظهر مفهوم آخر أعمق، هو مفهوم العلة، لا بوصفها حادثة سابقة، بل بوصفها مبدأ عقليا يجعل ما حدث معقولا في سياق الكل. وهذه العلة، في هذا التصور، هي تطور الحرية.
الحرية ليست قيمة أخلاقية تضاف إلى التاريخ من الخارج، ولا مطلبا سياسيا طارئا، بل هي جوهر المسار التاريخي نفسه
الحرية ليست قيمة أخلاقية تضاف إلى التاريخ من الخارج، ولا مطلبا سياسيا طارئا، بل هي جوهر المسار التاريخي نفسه. التاريخ، في عمقه، ليس سلسلة وقائع عمياء، بل حركة وعي، يتعلم فيها الإنسان تدريجيا معنى أن يكون حرا، وكيف تجسد هذه الحرية في الواقع.
فقيام الدولة الحديثة مثلا لا يفهم فقط من خلال أسباب كالثورات أو توازنات القوة أو الحاجة إلى التنظيم، بل يفهم على نحو أعمق بوصفه تجسيدا لفكرة جديدة عن الإنسان، وهي أنه كائن حر من حيث هو إنسان، وأن حريته لا تترك للاعتباط أو الامتياز، بل تصاغ في القانون. الدستور هنا ليس مجرد تسوية سياسية، بل تعبير عن مرحلة بلغ فيها الوعي درجة يرى فيها الحرية حقا عاما لا منحة.
والأمر نفسه يصدق على إلغاء العبودية. يمكن تعداد أسباب اقتصادية أو اجتماعية لهذا التحول، لكن هذه الأسباب تظل سطحية ما لم تربط بعلة أعمق، هي أن العبودية أصبحت غير معقولة تاريخيا، لأنها تناقض ما وصل إليه الوعي الإنساني من إدراك أن الإنسان لا يمكن أن يعامل كشيء. حين تنضج فكرة الحرية، يصبح النظام الذي ينكرها فاقدا لمبرره الداخلي، حتى لو استمر بالقوة.
وفي المجال الديني، لا يكون الإصلاح مجرد صراع سلطات أو تمردا مؤسسيا، بل انتقال في بنية الوعي ذاته، من دين يقوم على الوساطة الخارجية إلى دين يعترف فيه بحرية الضمير. الحرية هنا لا تعني نفي المقدس، بل تحول العلاقة معه من الطاعة العمياء إلى الفهم الداخلي.
الحرية، إذن، ليست نتيجة التاريخ، بل علته، وليست خاتمته، بل منطقه الباطن. ومن دون هذا الفهم، يتحول التاريخ إلى فوضى
بهذا المعنى، لا يقال إن كل ما هو واقع مبرر، بل إن ما يبقى في التاريخ هو ما ينسجم، في نهاية المطاف، مع مسار الحرية. التاريخ ليس سجلا للنجاحات ولا مديحا للمنتصرين، بل مسار طويل تتعلم فيه الروح، عبر الألم والتناقض، كيف تعترف بذاتها كحرية. الحرية، إذن، ليست نتيجة التاريخ، بل علته، وليست خاتمته، بل منطقه الباطن. ومن دون هذا الفهم، يتحول التاريخ إلى فوضى أحداث، ويتحول التفكير فيه إلى سرد بلا معنى.