لم تعد الاقتباسات اليوم ترفا ثقافيا، بل أصبحت مادة يومية في الأمسيات والندوات، وعلى المنصات الرقمية، وحتى في الخطب العامة. قلما يعتلي أحد منصة أو يبدأ مقالا، دون أن يفتتح بـ: "قال المتنبي"، أو "يرى نيتشه"، أو "كتبت فرجينيا وولف". جمل قصيرة لامعة، مكتفية بذاتها، تنتقل سريعا بين النصوص كأنها مفاتيح جاهزة للمعنى، أو شهادات جودة تمنح الكلام وزنا إضافيا.
في الظاهر، يبدو هذا المشهد صحيا، فالمعرفة تنتشر، والأفكار الكبرى تعثر على قراء جدد، واللغة الجميلة تتداول خارج كتبها الأصلية، غير أن التأمل في هذه الظاهرة يفتح سؤالا أعمق: لماذا نشعر أحيانا بأن أفكارنا تحتاج دائما إلى صوت آخر ليسندها؟ ولماذا يبدو أن الجملة لا تكتسب قيمتها الكاملة إلا حين توقع باسم كبير؟
في كثير من الحالات، لا يكون الاقتباس سوى امتداد طبيعي للحوار الثقافي: قارئ تأثر بفكرة، فشاركها، لا ليتخفى خلفها، بل ليقول إن التجارب الإنسانية تتقاطع، وإن اللغة جسر بين العقول. هنا يصبح الاقتباس فعلا من أفعال الاعتراف والتواصل، ودليلا على أن الأفكار لا تولد في عزلة، بل في شبكة من التأثر المتبادل. لكن في حالات أخرى، يتحول الاقتباس إلى زينة لفظية تعلق فوق نص لم يهيأ لاستقبالها، أو إلى أداة تغلق النقاش بدلا من أن تفتحه. نقرأ منشورات تبدأ وتنتهي بعبارة من فيلسوف أو شاعر، من دون أن نعرف رأي صاحب النص نفسه، ولا موقعه من تلك الفكرة، كأن الجملة المستعارة تؤدي المهمة كاملة، وتغني عن أي جهد شخصي في التفكير أو الصياغة.
الاقتباس الحي لا يتكلم بدلا من صاحبه، بل يمهد له الطريق. يضيء الفكرة، ولا يصادرها. يشير إلى نسبها الثقافي، لكنه لا يلغي بصمتها الشخصية
هذا الاستخدام لا يدل بالضرورة على ضعف، لكنه قد يعكس شيئا من القلق الذي يرافق الكتابة في زمن السرعة والمقارنة الدائمة، فالمنصات تطلب عبارات خاطفة، قابلة للتداول، سريعة التأثير، بينما تحتاج الفكرة الخاصة إلى وقت وتجريب، وربما تردد قبل أن تستقر في صيغة نهائية. والاقتباس الجاهز، في هذه الحالة، يبدو طريقا أقصر وأضمن.
ولعلنا نلاحظ هذا في الندوات أيضا: مداخلات تبدأ بسلسلة أسماء أكثر مما تبدأ بأفكار، كأن المتحدث يقدم مراجع اعتماده الثقافي قبل أن يقدم رأيه. هنا لا يعود الاقتباس جسرا، بل يتحول إلى درع لغوي، يمنح المتكلم شعورا بالأمان، ويمنح المستمع انطباعا بالرصانة، حتى لو بقي الموقف الحقيقي غائبا أو مبهماً.
السؤال إذن: هل نحتاج إلى الاقتباسات؟ فالثقافة الإنسانية قائمة، في جوهرها، على التراكم والحوار والاستدعاء. بل السؤال: كيف نستخدمها؟ هل نجعلها بديلا عن أصواتنا، أم رفيقة لها؟ هل نستحضرها لتغلق المعنى، أم لتوسعه؟
الاقتباس الحي لا يتكلم بدلا من صاحبه، بل يمهد له الطريق. يضيء الفكرة، ولا يصادرها. يشير إلى نسبها الثقافي، لكنه لا يلغي بصمتها الشخصية. أما حين يتحول إلى قناع دائم، فإن الخسارة لا تكون لغوية فقط، بل فكرية أيضا، لأن النص يفقد فرصته في أن يكون تجربة فردية صادقة، لا مجرد إعادة ترتيب لعبارات مألوفة.
ربما أجمل ما يمكن أن يفعله الكاتب اليوم، وسط هذا الضجيج، أن يغامر بصوته: أن يخطئ ويصوب ويعيد الصياغة ويكتب جملة قد لا تكون مثالية، لكنها تشبهه. عندها فقط يصبح الاقتباس اختيارا واعيا، لا ضرورة دفاعية، إضافة إلى النص، لا بديلا منه. فالمشكلة ليست في كلمات الآخرين، بل في الطريقة التي نمنحها بها مكانها، فإما أن تكون نافذة نطل منها على معنى أوسع، أو ستارا نحجب خلفه ترددنا عن قول ما نريد حقا.