ضحك الجاحظ وبكاء الاقتصاد

ضحك الجاحظ وبكاء الاقتصاد

في زمن الأزمات المالية العالمية، نرى كيف يقود الخوف قرارات الأفراد والمؤسسات معا، وكيف يتحول الحذر إلى شلل، والتوفير إلى انكماش، والبناء إلى تجميد. وهي حالات كان الجاحظ يلتقط بذورها الأولى في سلوك الأفراد، قبل أن تتضخم وتتحول إلى ظواهر اقتصادية كبرى.. فمن يقرأ كتاب "البخلاء"، وهو من القرن التاسع الميلادي، وكتبه (حسب القصص المذكورة) في البصرة، لا يعده مجموعة طرائف أو نوادر ساخرة فحسب، بل يمكن النظر إليه بوصفه نصا مبكرا في فهم السلوك الإنساني المالي حين يشعر بتهديد موارده. بالطبع لم يكن الجاحظ معنيا بالمال في ذاته، ولا بتصنيف الناس أخلاقيا وفق مقدار ما ينفقون أو يمسكون، لكن نصوصه توضح أنه كان منشغلا بعلاقة الإنسان بما يملك، وكيف يتحول التوفير من فعل عقلاني إلى هاجس، ومن تدبير إلى انغلاق. لهذا بدا كتاب "البخلاء" نصا في الاقتصاد الإنساني قبل أن تتشكل مفاهيم الاقتصاد كعلم مستقل.

أما سخريته في الكتاب، فلم تكن هدفا جماليا وأدبيا فحسب، بل أداة تحليل تكشف ما يختبئ خلف الأفعال اليومية الصغيرة، مثل الخوف والقلق وضبط الشهوة، والرغبة في الأمان المادي. نجده مثلا يمرر مدحا ساخرا، أثناء التدبير والحذر، ويجعل البخل عين العقل، وتوأم الحكمة، وشكلا من أشكال مقاومة التبذير، بل وأحيانا يعطي البخيل حججا منطقية، متماسكة ومقنعة إذا أخذناها مجردة من سياقها الأخلاقي.. حتى يبتسم القارئ ويتورط... كيف له أن يمدح البخل؟

ويأتي الجاحظ بعدها ليعري البخيل عبر التفاصيل الاقتصادية بمفهوم اليوم، من فتات الخبز، وعدد اللقم، وحركات العين، ويكشف بشكل غير مباشر المبالغة السلوكية التي تحول التدبير إلى هوس، وإلى خوف من الآخر، ومن المشاركة، ومن الفقد. فالبخيل شخص اقتصادي أكثر من اللازم، اقتصادي بعقلية فقيرة، لأنه لا يثق بأحد، في المقابل يعيش في قلق دائم، ويحول الحياة كلها إلى حسابات لا تنتهي، حتى يصبح المال غاية لا وسيلة، وأداة سيطرة لا أداة انتظام.

يكشف "البخلاء" المبالغة السلوكية التي تحول التدبير إلى هوس، وإلى خوف من الآخر، ومن المشاركة، ومن الفقد

وهنا يقدم الجاحظ بشكل غير مباشر، نماذج لأشخاص لا يعيشون الفقر الحقيقي، لكنهم يعيشون خوفه الدائم، وخوف النفاد، أو الخسارة، والمستقبل المجهول. هذا الخوف هو ما يصوغ سلوكهم، لا الحاجة الفعلية... ليقترب الجاحظ، من دون مصطلحات علمية، مما ستسميه الدراسات الحديثة لاحقا "سلوك الندرة"، حيث يتصرف الإنسان انطلاقا من شعوره بالتهديد لا من واقعه الفعلي، كما في الاقتصاد الحديث تماما، حيث أظهرت الدراسات أن القرارات المالية تخضع لعوامل نفسية وسلوكية معقدة: القلق، التجربة السابقة، طريقة الصرف، والخوف من الخسارة، والرغبة في الأمان... كما نلاحظ أن البنوك، وأنظمة الادخار، وسياسات التوفير الحديثة، تقوم في جوهرها على فكرة واحدة: إدارة الخطر. توزيع المخاطر، تأجيل الإشباع، بناء شبكات أمان للمستقبل.

وهي مبادئ لا تختلف كثيرا عما كان الجاحظ يلمح إليه في "البخلاء"، حين ميز بين التوفير بوصفه بناء، وبين التعلق المرضي بالمال بوصفه خوفا. فالمال، في نظره، لا يدان حين يدبر، بل حين يعزل الإنسان عن غيره، وحين يفقده البهجة والكرم والمشاركة. هذا ما أدركه الجاحظ مبكرا، لا عبر النماذج الرياضية، بل عبر مراقبة البشر في تفاصيلهم اليومية.

أما الأجمل في الجاحظ، فهو أنه يحول الحجج العقلانية إلى كوميديا أخلاقية سوداء، وهذا سره الحقيقي في الكتابة الساخرة بشكل خطير وجميل، في أن يخلط بين المتعمد والعرضي، وبين العقل والبخل، حتى يسأل القارئ ضمنيا بعد قراءة "البخلاء": متى يكون الحرص حكمة؟ ومتى ينقلب إلى بخل؟ ومن الذي يملك حق تعريف الفضيلة؟

"البخلاء" كتاب عن الإنسان لا عن المال وحده، وهو ما يمنحه قدرة نادرة على العبور من زمنه إلى زمننا

ولا أحسب أن السؤال يمكن حسمه، فلدى الجاحظ شخصيات أذكياء وفصحاء لكنهم غير سعداء، وهناك شخصيات تبدو عاقلة في حساباتها، لكنها مضطربة في علاقتها بالعالم. فلماذا فعل الجاحظ هذا؟ هل لأنه معتزلي العقل؟ أم لأنه ساخر لا واعظ؟ أم لأنه لا يقدم فضائل مطلقة. فلو ذم البخيل مباشرة لفقد النص طاقته، ولو مدحه صراحة لأصبح مرفوضا، فجمع النقيضين ليترك القارئ في منطقة التوتر، وهي المنطقة الرمادية التي يصنعها كل أديب، ليصبح نص الجاحظ مفهوما اقتصاديا يمكن ربطه بثقافة الاستهلاك الحديثة. وهذا ما يجعل كتابه معاصرا، مع الأزمات الاقتصادية والذعر المالي وسلوك الأسواق في أوقات الانكماش، حيث الخسارة ليست رقما ماليا فقط، بل حالة نفسية جماعية. في هذا المعنى، فإن "البخلاء" كتاب عن الإنسان لا عن المال وحده، وهو ما يمنحه قدرة نادرة على العبور من زمنه إلى زمننا، وهذه أعلى درجات الأدب.

font change