تتحول جزيرة غرينلاند، الواقعة بين الولايات المتحدة وروسيا، بوتيرة متسارعة إلى جبهة جيوسياسية واقتصادية مع انفتاح القطب الشمالي بفعل الاحتباس الحراري وتغير المناخ. وقد تجلت أهميتها الاستراتيجية المتنامية عندما طالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستحواذ واشنطن على الجزيرة من الدانمارك، حليفتها في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، سواء عبر الشراء أو باستخدام القوة.
يساهم تغير المناخ في إذابة الغطاء الجليدي في غرينلاند، والجليد البحري في القطب الشمالي، مما يكشف عن مياه كان يستحيل الوصول إليها، بالإضافة إلى موارد قيمة. ومع امتداد فترات خلو مياه القطب من الجليد، تتحول طرق الشحن التي كانت مقتصرة على كاسحات الجليد إلى ممرات تجارية.
يعد طريق بحر الشمال الأكثر تطورا من بين هذه الممرات، إذ يتداخل مع الممر الشمالي الشرقي ويمتد على طول الساحل القطبي الروسي من أوروبا إلى آسيا، ليشكل ركيزة أساسية لطموحات موسكو الاستراتيجية. وإلى الغرب، يشق الممر الشمالي الغربي طريقه عبر أرخبيل كندا القطبي، بينما يجري النظر أيضا في إنشاء طريق قطبي مركزي عبر القطب الشمالي ضمن خطط طويلة الأجل.
يعيد هذا المشروع تشكيل التجارة العالمية من خلال توفير بدائل محتملة لقناة السويس، وتقليص وقت السفر بين أوروبا الغربية وشرق آسيا إلى النصف تقريبا. في عام 2025، أصبحت سفينة الحاويات "جسر إسطنبول" أول سفينة تبحر من الصين إلى أوروبا عبر طريق بحر الشمال، حيث قطعت المسافة من نينغبو في الصين إلى فيليكسستو في المملكة المتحدة في نحو 20 يوما. ومع ذلك، لا تزال هناك أخطار تشغيلية تحد من الجدوى التجارية الكاملة.
وقد أدى التحول الاستراتيجي في القطب الشمالي إلى زيادة الاهتمام العسكري به. فالولايات المتحدة تحافظ على وجودها في غرينلاند، بينما وسعت روسيا قواعدها في القطب الشمالي وأعادت بناء البنية التحتية التي تعود إلى الحقبة السوفيتية. أما الصين، التي أعلنت نفسها "دولة شبه قطبية" في عام 2018، فقد نشرت ثلاث سفن كاسحة للجليد في المنطقة عام 2024.