نعم، إنها "يا قلب مين يشتريك". بعد كل هذه الأعوام يا عم سعيد، كنت أردد وأغني هذا المقطع أمام صديقي المغني، كعادتي حين أرغب في استفزاز الفنان داخله. ضحك وصحح لي: "يا ورد مين يشتريك". لم أقل له إنني أعرف، وإن هذا التحريف المتعمد يعني لي الكثير.
تناول العود وبدأ يقسّم عليه، ثم انساب إلى الأغنية وفي عينيه ذلك النوع اللطيف من العناد، مشددا على كلمة "ورد". ضحكنا أثناء عزفه، ثم أكمل. وعندما بلغ: "شقت جيوب الغزل وانبح صوت القبل"، بدا في حالة انسجام آسر، وهو المفتون بمحمد عبدالوهاب. غاب تماما ونسي "يا قلب مين يشتريك". كنت عازما على إخباره فور انتهائه من وصلته بأن هناك قصة عظيمة لكاتب مصري أحبه اسمه سعيد الكفراوي (1939-2020)، تضم هذا التحريف المقصود، وأنني لم أكن مخطئا. لكنني تركت الموضوع وغادرت مسرعا إلى البيت، مدفوعا برغبة ملحة في إعادة قراءة هذه القصة.
لم تكن المكتبة مرتبة كما ينبغي، ومع ذلك امتدت يدي سريعا إلى الكتاب النحيف الذي أعرف غلافه جيدا، بطبعة "كتاب اليوم" لعام 2007، وصورة الرجل ذي الرقبة الطويلة والعينين الصينيتين. ليس الغلاف من أجمل أغلفة ابنه المبدع عمرو الكفراوي، لكن ربما الكتب التي نحبها تكتسب ملامح إنسانية، فجمالها ينبع من الداخل، فإذا حركت وجداننا شعرنا بألفة تجاهها، حتى إن بدا غلافها متواضعا. ونعرف مكانها في المكتبة مهما تبدل الترتيب.
أعرف أنها آخر قصة في الكتاب. بحثت عن بدايتها في الصفحات الأخيرة، وبحركة صغيرة بإبهامي وصلت إلى العنوان في الصفحة 91، وبدأت القراءة مباشرة. في المقاطع الأولى شعرت بنوع من الغرابة، ربما لأن البداية تميل إلى النمط التقليدي غير الجاذب. تساءلت: هل كان للعنوان سطوة خاصة؟ هل توهمت جمال القصة وأهميتها؟ لكنني أعرف ما تعنيه لي، فلهذه القصة مكانة استثنائية في وجداني، وكلما ذكر ضيق النفس، وثقل الكتفين، وآلام الصدر في حديث عابر، أقول لنفسي إن الكفراوي كتب قصة عن هذه الحالة.
خشيت أن تكون من النصوص التي تترك أثرا لحظيا أثناء القراءة ثم تترسخ في الذاكرة على نحو مبالغ فيه. واصلت القراءة بشكل شبه آلي، حتى بلغت المقطع الذي يصف آلام الصدر، عندها تسارعت نبضات قلبي، وبدأت أغيب عن الواقع. اندمجت كما اندمج صديقي المغني حين بلغ المقطع الذي ظننته المفضل لديه، وأنا أعرف صديقي جيدا، متى وأين يبلغ ذروة الطرب.
ربما الكتب التي نحبها تكتسب ملامح إنسانية، فجمالها ينبع من الداخل، فإذا حركت وجداننا شعرنا بألفة تجاهها، حتى إن بدا غلافها متواضعا
مع التقدم في الصفحات، بدأت الذاكرة السردية تستعيد حضورها في ذهني، أو في وجداني، لا أدري. شيء قديم استيقظ. تذكرت صديقا قديما عرفني على تجربة الكفراوي كاملة قبل أكثر من خمسة عشر عاما، وتذكرت خلافاتنا السطحية حول هذه التجربة وعنادي آنذاك. ثم حين وقعت على "يا قلب مين يشتريك" ندمت على استعجالي في الحكم، وأخبرته بضرورة إعادة قراءة الكفراوي، فالأمر بالغ الأهمية. ولولا تأخر الوقت لاتصلت به لأستعيد معه ذكريات العناد. أتوقع أنه سيجاملني بذات المتعة السابقة، قبل أن يخبرني- كعادته- بأنني مبالغ إلى حد الجنون.
لكن ما جدوى الاتصال إذا كنت أريد أن أقول له ما يشبه الحزن العميق؟ أو لعلني غمرني انفعال صادق أثناء القراءة، تحديدا عندما بلغت المقطع الذي يقول فيه إنه ود أن يربت على كتف طبيب التخدير حين حاول طمأنته عند باب غرفة العمليات. توقفت عن القراءة، وغمرني ذلك الحزن الثقيل جدا. تذكرت والدي في مرضه الأخير، وكيف كان يربت بالفعل على كتفي وعلى شبابي. ولا أريد أن أقول إن هذه المواساة ما تزال الوحيدة التي أعرفها، لكنها كانت مواساة تمس وجودي ذاته، لا مجرد ألمي أمام وخز الإبر في ساعديه النحيلين، أو صدمات جهاز القلب، أو نظرات الطبيب التي كانت تقول بصمت: لا جدوى.
بالطبع لا يمكنني إقناع صديقي المغني بأن "يا قلب" عندي فنيا أهم من "يا ورد"، لن يفهم، ولا جدوى من المحاولة. وعوضا عن ذلك سأسأل نفسي: أين تكمن عبقرية عنوان القصة؟ فرغم أن متن النص لا يحيل إلى أغنية عبدالوهاب، ولا ينبغي له أن يفعل ذلك، وإلا فقد العنوان قيمته الفنية، فإن الذكاء هنا يكمن في اختطاف المعروف بلحنه الراسخ في الذاكرة الجمعية، ثم قلب دلالته. الكاتب زاهد في الورد والحبيبة، يحمل قلبا خربا يود لو ينادي أي راغب فيه ليأخذه مثقلا بتعبه وهمه، معبرا عن الحالة النفسية والاجتماعية والسياسية التي كانت تؤرقه خلال تجربته الصحية القاسية، والتي أعادت صياغة علاقته بالحياة.
حين أفكر في "جدارية" محمود درويش وقصة "يا قلب مين يشتريك"، وفي تقاطع التجربتين الصحيتين اللتين دفعتا إلى التعبير الأدبي، أجدني أميل بصدق إلى طريقة الكفراوي. صحيح أن "الجدارية" عمل بالغ الأهمية، وفيها مقطع عزيز أحبه كثيرا، وهو حديث درويش المباشر مع الموت:
"أيها الموت انتظرني خارج الأرض… انتظرني في بلادك… ريثما أنهي حديثا عابرا مع ما تبقى من حياتي"، وحتى قوله: "فاصنع بنا… واصنع بنفسك ما تريد".
ومع ذلك، تحمل قصة الكفراوي إحساسا واقعيا مختلفا، يجعل المجاز يبدو زائدا عن الحاجة، وكأن الكاتب يقول: ما رأيته لا يحتمل الزينة البلاغية. تسجيل التجربة كما هي، وبالطريقة السردية التي يتقنها كاتب مهم ومخلص للقصة القصيرة، كان الخيار الأصدق. ولا أستبعد أن الرؤى والأحلام والهلوسات التي مر بها أثناء الوعكة وردت في النص كما عاشها. وحتى الشجرة في نهاية القصة، كأنها خرجت من وجدانه القصصي مباشرة. وأزعم أن في النص ما يشي بذلك، حين قال: "هو إيه ده.. كدح من المهد إلى اللحد؟!". فالعبارة مكثفة، وتمزج العامية بالفصحى، وتمثل ذروة الإحساس بوطأة الواقع.
الكاتب زاهد في الورد والحبيبة، يحمل قلبا خربا يود لو ينادي أي راغب فيه ليأخذه مثقلا بتعبه وهمه، معبرا عن الحالة النفسية والاجتماعية والسياسية التي كانت تؤرقه
أود لو أعود الآن إلى صديقي المغني، وفي عيني بقايا هذا الانفعال الحزين، لأقول له إن وجداني مرتبط بهذه الحالة القصصية أكثر ألف مرة من ارتباطي بلحن عبدالوهاب وكلمات بشارة الخوري عن بائع الورد. وأحدثه عن الذكاء الكامن في اختطاف عنوان الأغنية وتبريره جماليا، وعن نجاح الكفراوي في استبدال الورد بالقلب، ذلك القلب الأحمر المعطوب والمثقل بحكايات الألم. فشتان بين من يدلل على ورد ملون، ومن يدلل على قلب مثقل بالوجع.