في الأردن اليوم، تسير الدولة بإيقاعين، إيقاع اقتصادي سريع نسبيا، وإيقاع سياسي أكثر تروياً، وبين الإيقاعين تتشكل معادلة حساسة، تطرح سؤالا لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام تصميم مدروس لتوزيع المخاطر، أم أمام واقع يفرض نفسه على صانع القرار ويعيد ترتيب أولوياته على هذا النحو؟
وخلال الأسابيع الأخيرة وحدها، كان يمكن قراءة الفارق بين الإيقاعين بوضوح أكبر، إذ تؤيد المحكمة الإدارية العليا قرار فصل النائب محمد الجراح من حزبه، فتسقط عضويته في مجلس النواب، ويحل مكانه مرشح آخر من القائمة ذاتها، فيبدو المشهد قانونيا بحتا، فهنالك نصوص تطبق، وإجراءات تنفذ، غير أن خلف هذا المشهد القانوني سؤالا سياسيا أعمق يطل برأسه، فمن يملك المقعد؟ الحزب أم الفرد؟ ومن يملك القرار النهائي في تمثيل الناس؟ التنظيم أم الشخصية؟ وهنا لا تعود القضية فردية، بل تتحول إلى اختبار مبكر لفكرة الحياة الحزبية كما صيغت في التشريعات الجديدة.
وفي التوقيت نفسه، تتحدث أحزاب أخرى عن اندماج، بينما تواجه أخرى قضايا أمام القضاء، وذلك كله يحدث في حين تراجع الهيئة المستقلة أنظمة داخلية وتدقق في الأسماء والمرجعيات، فتبدو الحياة السياسية وكأنها تتحرك بالفعل، لكنها تتحرك داخل قفاز قانوني سميك، بخطوات محسوبة وتدرج واضح، بلا مفاجآت ولا قفزات ولا انفلات، وكأن السياسة في الأردن تسير على حبل مشدود، لا يسمح بخطأ كبير، كما لا يسمح أيضا بسرعة كبيرة.
وكأن السياسة في الأردن تسير على حبل مشدود، لا يسمح بخطأ كبير، كما لا يسمح أيضا بسرعة كبيرة
وفي المقابل، فإن ورشة الاقتصاد الإصلاحية لا تنتظر، بل هي تمضي في تحديث برامج تنفيذية، وفي الحديث عن جذب استثمار، وتسريع إجراءات، وتحقيق أرقام نمو، وعقد تفاهمات خارجية، وإعلان شراكات جديدة، وهنا يشبه الاقتصاد مشروع بنية تحتية يمكن قياسه وعرضه والدفاع عنه بلغة المؤشرات، حتى لو كانت نتائجه الاجتماعية تحتاج وقتا أطول لتظهر، أو حتى لو لم يشعر بها الجميع بالقدر نفسه.
ومن هنا تتجلى المفارقة! إذ تبدو الدولة قادرة على أن تشرح اقتصادها بسهولة نسبية، بينما تجد صعوبة أكبر في شرح مشروعها الإصلاحي في السياسة، وحين يتسرب حديث عن "خلق السردية" بوصفها مهمة وزارية، يبرز سؤال ثقافي لا يمكن القفز عنه، هل السردية تُصنع بقرار إداري، أم إنها تنبت في فضاء عام حي؟ وهل يمكن للدولة أن تدير القصة كما تدير المشروع؟ أم إن القصة تحتاج إلى حواضن ونقاش واختلاف، وأحيانا إلى صدام ناعم، لا إلى خطوط إنتاج ولا مصانع تعليب.
الفرق بين الإيقاعين قد يكون حكيما في سياق إقليم مضطرب، فبلد كهذا لا يغامر سياسيا كما لو كان في بيئة مستقرة
وعلى هذا الأساس، فإن السياسة، بخلاف الاقتصاد، لا تعيش في الجداول والأرقام، بل في الثقة، وحين يشعر المواطن أن المقعد النيابي يمكن أن يسقط بقرار قضائي مرتبط بعلاقة داخل حزب، وحين يرى أحزابا تولد بالاندماج أو تموت بقرار حل، وحين يسمع أن السردية يجب أن تُخلق لا أن تتشكل، فإن السؤال لا يعود قانونيا فقط، بل يصبح وجدانيا أيضا، فأين موقعه هو من هذه المعادلة، وأين صوته من كل هذا الضبط.
ولذلك، فإن الفرق بين الإيقاعين قد يكون حكيما في سياق إقليم مضطرب، فبلد كهذا لا يغامر سياسيا كما لو كان في بيئة مستقرة، غير أن الحكمة نفسها قد تتحول إلى فجوة إذا لم تُردم بجسر من الثقة، إذ يحتاج الاقتصاد إلى قصة اجتماعية تقنع الناس بأن الأرقام تعنيهم فعلا، كما تحتاج السياسة إلى مساحة حقيقية يشعر فيها الناس بأن اللعبة ليست مغلقة بإحكام.
وفي النهاية، لا يعاني الأردن من غياب الحركة، بل من تفاوت سرعتها، ومن هنا فإن السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة ليس إن كان الإصلاح جاريا أم لا، بل إن كان الإيقاعان سيلتقيان في نقطة تناغم، أم إن المسافة بينهما ستتسع بهدوء، إلى أن تتحول من فرق سرعة إلى فرق شرعية.