التكاتف... مفتاح التقدم الصحي في شرق المتوسط

يُقدِّم التحالف الصحي الإقليمي إطارا عمليا للعمل الجماعي بشأن الصحة على نطاق منظومة الأمم المتحدة

التكاتف... مفتاح التقدم الصحي في شرق المتوسط

استمع إلى المقال دقيقة

إن النُّظُم الصحية في شتى أنحاء إقليم شرق المتوسط تعاني ضغوطا قاسية. ويزداد يوما بعد يوم تداخل وتشابك النزاعات والنزوح والصدمات المناخية وفاشيات الأمراض والقيود المالية، وكثيرا ما يحدث ذلك في البلدان نفسها وفي وقت واحد. وهذه التحديات لا تندرج بدقة ضمن الولايات المؤسسية، ولا يمكن حلها بمعزل عن غيرها.

وكثيرا ما تعمل المنظمات بحسن نية جنبا إلى جنب، ولكن بشكل متوازٍ لا تَشَارُكي. فيُسفر ذلك عن ازدواجية الجهود في بعض المجالات، وعن ثغرات في مجالات أخرى، وهو ما لا يسع النُّظُم الصحية الهشة تحمُّله.

وفي ظل الوضع الصحي الحالي، يتوقف إحراز التقدُّم على تضافر جهود المنظمات نحو هدف مشترك. ومن دون ذلك، لن تتحقق الأهداف المرجوة حتى لو بُذل قُصارَى الجهد. فالتنسيق هو السبيل الوحيد لتحويل الجهود إلى أثر ملموس في هذا الإقليم الذي يعاني ضغوطا مستمرة.

قبل عام من الآن، جمع التحالفُ الصحي الإقليمي 18 وكالة من وكالات الأمم المتحدة لإجراء حوار استراتيجي يهدف إلى تغيير طريقة عملنا– التحوُّل من المبادرات الموازية إلى العمل المُنسَّق.

وذلك الاجتماع الذي عقدته منظمة الصحة العالمية أكد من جديد الالتزام المشترك بمواءمة الأولويات والموارد والتنفيذ حسب احتياجات البلدان. وقد تحوَّل ذلك الالتزام إلى نتائج ملموسة على مدار العام الماضي.

ويُقدِّم التحالف الصحي الإقليمي إطارا عمليا للعمل الجماعي بشأن الصحة على نطاق منظومة الأمم المتحدة. وتكمن قوة التحالف في تنوعه- إذ يضم وكالات صحية وإنمائية وإنسانية تعمل جنبا إلى جنب- وفي تركيزه على النتائج. وتؤدي منظمة الصحة العالمية دور أمانة التحالف، ولكن الأهم من ذلك أنها القوة الدافعة له، إذ تتولى دعوة الشركاء إلى الاجتماع، وإرساء أُسس التعاون في مجال البيِّنات، وإبقاء الأثر القُطري في صميم عمل التحالف. وهذا النهج قد أحدث بالفعل فارقا.

الجهد المُنسَّق ساعد على إصلاح السياسات في لبنان، واستُرشد به في وضع استراتيجية وطنية في العراق، ووسَّع نطاقَ خدمات العلاج في أفغانستان ومصر وباكستان

وفيما يخص تعاطي مواد الإدمان، وهو تحدٍّ متنامٍ من تحديات الصحة العامة في شتى أنحاء الإقليم، جمعت منظمة الصحة العالمية بين مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة و"اليونسكو" و"اليونيسف" و"الأونروا" في إطار خطة عمل مشتركة لعامَي 2025 و2026. وهذا الجهد المُنسَّق ساعد على إصلاح السياسات في لبنان، واستُرشد به في وضع استراتيجية وطنية في العراق، ووسَّع نطاقَ خدمات العلاج في أفغانستان ومصر وباكستان، وأدى إلى التوصل إلى اقتراح مشترك بشأن الانتقال من التعافي إلى القدرة على الصمود في الكويت. وقد ساهمت كل وكالة بخبراتها، ولكن كان الفضل في إحراز التقدُّم يرجع إلى اﻹطار المشترك والتنسيق المستمر.
وقد استُرشِد بالنموذج نفسه في التعاون بشأن صحة الأمهات والمواليد والأطفال، وبشأن المواظبة على استئصال شلل الأطفال. ومن خلال المواءمة بين أعمال منظمة الصحة العالمية و"اليونيسيف" وصندوق الأمم المتحدة للسكان، تمكَّنت ستة بلدان تنوء بعبء ثقيل من تسريع خطط صحة الأمهات والحديثي الولادة والأطفال، وذلك بدعم من منصات عالمية مثل مبادرة "كل امرأة وكل مولود في كل مكان" وخطة العمل الخاصة ببقاء الطفل. وساعد اجتماعٌ وزاري رفيع المستوى على الارتقاء بصحة الأمهات والحديثي الولادة والأطفال بصفتها أولوية سياسية، مع تعزيز الحاجة الملحة إلى التمنيع الشامل والقضاء على شلل الأطفال.

وما يزال التعاون بين الوكالات ضروريّا أيضا في معالجة ما يوجد من ثغرات في إتاحة المنتجات الطبية. وفي شهر ديسمبر/كانون الأول، ركَّز التحالف على تعزيز الأُطُر التنظيمية، والشراء المجمّع، والإنتاج المحلي للمنتجات الطبية، وهي مجالات كثيرا ما كانت فيها النُّهُج المُجزَّأة سببا في إعاقة إتاحة المنتجات في الوقت المناسب وبأسعار معقولة وبجودة مضمونة. ومن خلال المشاركة المُنسَّقة، يعمل الشركاء على تعزيز التقارب والاعتماد التنظيميين، وتحسين التنبؤ بالطلب وكفاءة الشراء، والحد من مواطن الضعف في الإمداد، لدعم إتاحة الأدوية الأساسية والتكنولوجيات الصحية ذات الأولوية على نحو أكثر إنصافا واستدامة. ونحن نعمل مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على تعزيز الأُطُر التنظيمية في السودان وسوريا، ومع البنك الدولي على تعزيز السلطة التنظيمية الوطنية في المغرب.
وتتمثل إحدى الأولويات الأخرى في القوى العاملة الصحية. فتحديات نقص القوى العاملة وتوزيعها غير المتكافئ واستبقائها تهدِّد تقديمَ الخدمات في شتى أنحاء الإقليم. ومن خلال التعاون الذي تقوده المنظمة، تعمل البلدان- ومنها أفغانستان وجيبوتي والعراق والأردن وباكستان وسوريا وتونس والإمارات العربية المتحدة واليمن- مع الشركاء للوصول إلى فهم أفضل لأسواق العمل الصحية فيها والتخطيط الاستراتيجي للمستقبل. ويتناول الحوار مع المنظمة الدولية للهجرة وجامعة الدول العربية تنقُّل العاملين الصحيين وإشراك المغتربين، في حين أن الشراكات مع المؤسسات الأكاديمية والمجالس المهنية تعزز التعليم والتنظيم.
وبينما نتطلع إلى عام 2026، أصبحت قضية العمل معا أقوى من أي وقت مضى.
وتتطلب حالات الطوارئ المستمرة استجابات أسرع وأكثر تكاملا. ويتطلب تغيُّر المناخ، والأمراض غير السارية، وتهديدات العدوى المستمرة، حلولا تشمل مختلف القطاعات. ويجب أن تظل النساء والأطفال والمهاجرون والنازحون محور كل استراتيجية.
وستواصل المنظمة دفع هذه الخطة قُدُما، مُستعينة على ذلك بقدرتها على الحشد، وقيادتها التقنية، وحضورها القُطري لتحويل الالتزام الجماعي إلى عمل جماعي. فبعد مرور عام، اتضح الدرس المستفاد، وهو أنه عندما تتحرك المنظمات معا، تصبح النُّظُم الصحية أقوى، والاستجابات أسرع، والتقدم ممكنا، حتى في البيئات الأشد صعوبة.

font change