لبنان في نفق "حزب الله"

لبنان في نفق "حزب الله"

استمع إلى المقال دقيقة

أدخل "حزب الله" لبنان في نفق لن يكون الخروج منه سهلاً، أو في المدى المنظور، لبنان المنهك بسبب أزماته المالية والاجتماعية والسياسية، والخارج من حرب إسناد دمرت قرى ومدنا، وشردت مواطنين، عاد وأدخل البلاد في حرب جديدة، حرب حتى "حزب الله" نفسه مربك بتبريرها، ويظهر ذلك جلياً بالتناقض في بياناته، وتصريحات مسؤوليه.

6 صواريخ أطلقت على إسرائيل، انتقاماً لاغتيال "المرشد الأعلى" في الجمهورية الإسلامية، السبب الذي جعل حتى جمهور "حزب الله" يستشيط غضباً، ليعود "حزب الله" ويحاول الالتفاف على بيانه الأول بعد العملية، وليعلن أنه أطلق الصواريخ لأن إسرائيل لم تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار، واستمرت باعتداءاتها على لبنان في العام ونصف العام الماضيين رغم التزامه.

إسرائيل مصرة على تدمير ما بقي من "حزب الله"، إسرائيل التي انسحبت من جنوب لبنان في عام 2000 تمكنت اليوم- بفعل "المقاومة"- من تهجير مئات آلاف اللبنانيين من جنوب لبنان وبقاعه وضاحيته، "المقاومة" الوحيدة في العالم التي تتسبب في إعادة احتلال الأرض لا تحريرها.

ينازع "حزب الله" رغم عنترياته. عشرون عاماً مضت على حرب يوليو/تموز 2006 وكل شيء تغير. لم تستنكر أي دولة اليوم الحرب الإسرائيلية على لبنان. إيران التي نعرفها انتهت. المساعدات لم تتدفق للمساهمة في تخفيف الضغط عن حكومة لا تملك المال أساساً، يعرف جمهور "الحزب" أن لا أموال لإعادة الإعمار، هذا إن عادوا إلى قراهم ومدنهم، التي تم إخلاؤها بتغريدة من أفيخاي أدرعي الناطق باسم الجيش الإسرائيلي.

الدول العربية بدورها تتعرض لاعتداءات من إيران، هذا أقصى ما يمكن لإيران أن تفعله ردا على الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها بعد فشل المفاوضات. يعتذر الرئيس الإيراني عن هذه الاعتداءات، ولكنه ربما يكون غير قادر أو غير راغب في إيقافها.

أخطر ما في الحرب على لبنان أنها كشفت أن كل ما تعهدت به الدولة اللبنانية لم يتحقق، أعلنت الدولة اللبنانية مراراً انتهاء المرحلة الأولى من سحب سلاح ميليشيا "حزب الله"، وأعلنت أن جنوب الليطاني صار خالياً من السلاح، ليتأكد بعد ساعات من بدء الحرب أن السلاح ما زال موجوداً في جنوب الليطاني كما في شماله.

بعد بدء "الحزب" الحرب على إسرائيل، أعلنت الحكومة اللبنانية حظر النشاط الأمني والعسكري لـ"الحزب" الذي لم يكن يوماً إلا خنجراً في خاصرة لبنان

بعد بدء "الحزب" الحرب على إسرائيل، أعلنت الحكومة اللبنانية حظر النشاط الأمني والعسكري لـ"الحزب" الذي لم يكن يوماً إلا خنجراً في خاصرة لبنان، اغتال قيادات لبنانية، اغتال رئيس حكومة بحجم رفيق الحريري وقامات سياسية وإعلامية. تباهى بإجرامه، ومن ينسى تغريدة جواد نجل حسن نصرالله يوم قتل "الحزب" الكاتب والمفكر لقمان سليم: "خسارة البعض هي في الحقيقة ربح ولطف غير محسوب". وقفت الدولة بكل أجهزتها عاجزة حد التواطؤ عن محاسبة القاتل، احتل بيروت وتباهى باحتلالها وقتال أهلها، أطلق على يوم السابع من مايو/أيار "اليوم المجيد"، دخل سوريا وقاتل إلى جانب بشار الأسد، قتل آلاف السوريين، ولم يكتف بالقتل بل تباهى بتجويعهم والرقص على جثثهم وتدمير منازلهم، حاول العبث بأمن السعودية ودرب "ميليشيا الحوثي" لتطلق صواريخها على المملكة، تاجر بالمخدرات، وأغرق الدول العربية بالكبتاغون، كل ذلك قبل أن يحظر نشاطه الأمني والعسكري، كل ذلك وهو شريك بالحكومات المتعاقبة وحليف البعض بالانتخابات، وليست الانتخابات البلدية الأخيرة في بيروت إلا مثال فاضح على طريقة تعاطي السياسيين اللبنانيين مع "الحزب"، حتى أشد خصومه تحالفوا معه لأسبابهم الطائفية.

وبعد كل ذلك لا يزال البعض يحاول القول بإمكانية "لبننة حزب الله"، هذا "الحزب" الذي تأسس على يد "الحرس الثوري" الإيراني، ولم يخدم يوماً إلا الأجندة الإيرانية.

هذه الميليشيا التي سطت على الدولة وأجهزتها، وأرهبت كل من عارضها بكلمة دفاعاً عن المشروع الإيراني في المنطقة، لا يمكن أن تكون لبنانية ولا حتى شيعية، فمن يهتم لأمر طائفة يدعي تمثيلها لا يسمح بتهجيرها وقتلها وتدمير أرزاقها بفتح معركة إسناد لطهران.

هذه الميليشيا التي سطت على الدولة وأجهزتها، وأرهبت كل من عارضها بكلمة دفاعاً عن المشروع الإيراني في المنطقة، لا يمكن أن تكون لبنانية ولا حتى شيعية

يدفع اليوم شيعة لبنان ثمن جرائم "حزب الله" بحق اللبنانيين أولاً وبحق العرب والعالم ثانياً، لم تستنكر دولة في العالم قاطبة الحرب على لبنان اليوم، أبناء الطائفة الشيعية بلا مأوى وبلا مساعدات، القضاء على "حزب الله" مصلحة للجميع، لبنانيين وغير لبنانيين.

في المقابل ما زالت الدولة اللبنانية مترددة بل وخائفة، وما سرب عن كلام قائد الجيش خلال اجتماع مجلس الوزراء ليس إلا غيض من فيض ما يقوله بعض المسؤولين في الغرف المغلقة. يتخوفون إن اتخذوا قرار مواجهة "حزب الله" من انقسام الجيش، لا يدركون أن الزمن تبدل، وأن من مول انقسام الجيش سابقاً لم يعد موجوداً، وأن إيران لم تعد قادرة على دفع رواتب "الحزب" لتدفع للجيش إن انشق.

ما زال لبنان الرسمي غير مدرك لحجم ما تسبب به "حزب الله"، تدوير الزوايا لم يعد يقنع أحداً، "حزب الله" لا يعترف بالدولة، ولا يملك رخصة حزب، يصادر قرار الحرب والسلم، ويتعامل مع لبنان كمنصة صواريخ إيرانية، حظر "الحزب" بات لزاماً على الدولة، وليس حظر نشاطه الأمني والعسكري، رأفة بلبنان واللبنانيين ورأفة بالطائفة الشيعية.

font change