على مدى عقود، وتحديداً منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، عملت طهران باستراتيجية حياكة السجاد على حصار الخليج العربي، باسم القضية الفلسطينية زرعت إيران أذرعها في المنطقة، تباهت يوماً بسيطرتها على أربع عواصم عربية، "تصدير الثورة" لم يكن إلا شعاراً كما فلسطين لتمدد إيران خارج حدودها، لم تنشر أثرها بالثقافة والفن بل بالإرهاب والدم ونشر الفوضى.
لم تكن مشكلة المنطقة مع إيران محصورة بمشروعها النووي، كانت المشكلة أكبر وأكثر تعقيداً، ليس لأن العرب دعاة حروب شعروا بالخيبة والخذلان يوم أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما التوصل لاتفاق مع طهران. أوباما الذي لم يرَ العالم العربي إلا كقطعة جُبن دعا يومها لتقاسم النفوذ فيه مع النظام الإيراني. اليوم للرئيس الأميركي دونالد ترمب أسبابه ومصالحه في الحرب على إيران، لكن مصالح الدول العربية تتقاطع في كثير من النقاط مع مصالح الولايات المتحدة.
ها هو لبنان يحترق اليوم من أجل عيون إيران، وها هو العراق تسيطر عليه ميليشيات "الحشد الشعبي" إيرانية الولاء، وها هو اليمن يستعد لدخول الحرب دعماً للنظام الإيراني، وحدها سوريا استطاعت الخلاص من احتلال إيراني بالوكالة والأصالة، وإن كان ثمن هذا الخلاص مئات آلاف الضحايا وملايين المهجرين ومدنا مدمرة بالكامل.
على مدى عقود كانت التسويات في المنطقة تتم بالتغاضي عن النفوذ الإيراني، من الظلم القول إن اللبنانيين وحدهم مسؤولون عن تمدد "حزب الله"، فحتى عندما اغتال هذا "الحزب" الرئيس رفيق الحريري في عام 2005 واجتاح بيروت في عام 2008، حصلت التسوية معه برعاية عربية ودولية فكان "اتفاق الدوحة".
العراق الذي سقط نظامه البعثي بحكم حرب شنت عليه، دخلته إيران على ظهر الدبابة الأميركية.
أصوات التخوين والترهيب لن تستطيع تزوير التاريخ، فكيف إن كان هذا التاريخ قد حصل بالأمس وما زال الشهود عليه أحياء؟
ها هو لبنان يحترق اليوم من أجل عيون إيران، وها هو العراق تسيطر عليه ميليشيات "الحشد الشعبي" إيرانية الولاء، وها هو اليمن يستعد لدخول الحرب دعماً للنظام الإيراني، وحدها سوريا استطاعت الخلاص من احتلال إيراني بالوكالة والأصالة
تتعرض اليوم دول الخليج العربي والأردن إلى اعتداءات إيرانية، فيما يتعرض لبنان والعراق إلى تدمير ما بقي منهم تحت اسم دعم إيران، هذه ليست معركة تحرير فلسطين، هذه معركة نفوذ، ومعركة أمن واستقرار. يوم كانت غزة تتعرض لحرب مدمرة لم تتحرك إيران من أجل غزة وفلسطين، تحركت و"حزب الله" بما يدعم موقف إيران و"حماس" التفاوضي، و"حماس" ليست فلسطين ولن تكون.
الحرب الحاصلة اليوم ليست عبثية، وأياً تكن نتائجها داخل إيران فإن ما يعنينا كعرب هو نهاية عصر أذرع إيران في المنطقة، وتكلفة إنهاء هذه الأذرع أياً كانت كبيرة فإنها تبقى أقل من تكلفة بقاء ميليشيات إرهابية مزروعة في خاصرة العرب، لبنان نموذجاً، فكم مرة أعيد إعماره لتعود إيران من خلال "حزب الله" وتتسبب بدمار كبير وأزمات اقتصادية أوصلت لبنان إلى ما وصل إليه اليوم.
يحاول البعض بالتسلسل مجدداً وطرح معادلة إما مع إيران أو مع إسرائيل، والأمر ليس كذلك، هذا الترهيب الذي نجح سابقاً بتشويه وعينا لا يمكن أن يتم السكوت عنه اليوم، التعاطف مع إيران التي تقصف الدول العربية ليس وجهة نظر، هذا تآمر على أمن المنطقة. القول إن إيران دولة إسلامية والوقوف معها واجب شرعي لأن من يحاربها غير مسلم مردود عليه، هذه ليست معركة المسلمين ضد الآخرين، الحرب على "داعش" و"القاعدة" لم تكن حرباً على المسلمين ولم نسمع حينها بمن يدعو الشعوب العربية لدعم الإرهاب بحجة الإسلام الذي يتلطون خلفه كما تفعل طهران اليوم.
ستنتهي الحرب وستنتهي الميليشيات الطائفية، زمن الميليشيات ولّى، ولكن بعد ذلك هناك أسئلة يجب أن يتم طرحها بصوت عال، أين كانت جامعة الدول العربية من الاعتداءات الإيرانية على الأمن العربي؟ ماذا عن الإعلام العربي الذي لا زال يبرر اعتداءات إيران حتى على من يموله؟ قد يكون "بيان الرياض" 2007 مدخلاً لإعادة تعريف مصالحنا المشتركة وأمننا وعروبتنا، وإلى أن تضع الحرب غير العبثية أوزارها لا بد من أن يبقى الصوت عالياً بوجه من يحاول الترهيب والتزوير، فالمعركة حتى اللحظة هي معركة مستقبل الدولة العربية الحديثة ومصير المواطن في دولته.