ضبط الحدود... بوابة العلاقة السورية - اللبنانية

ضبط الحدود... بوابة العلاقة السورية - اللبنانية

هي الزيارة الثانية لرئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى دمشق. أما الزيارة الأولى، في العام الماضي، فكانت أهميتها تكمن في إعادة فتح قنوات التواصل الرسمية بين سوريا ولبنان بعد سنوات من التعقيدات التي حكمت العلاقة خلال الثورة السورية، ومشاركة حزب لبناني، هو "حزب الله"، في الحرب على الشعب السوري إلى جانب بشار الأسد.

وتكتسب الزيارة اليوم أهميتها من تعويل الجانبين على إحراز تقدم في الكثير من الملفات العالقة بين البلدين. وقد رافق سلام في زيارته إلى دمشق عدد من الوزراء لبحث سبل التعاون في ملفات الطاقة والاقتصاد والمعابر، نظراً إلى أهمية ذلك في ملف الصادرات اللبنانية.

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع الرئيس سلام، واجتمع الوزراء من الجانبين للتباحث في سبل التعاون، من دون توقيع أي اتفاقيات. وبين الدولتين الكثير من الملفات العالقة، ولا يبدو أن الوفد المرافق قادر على بحث جميع تلك الملفات.

عندما وصل الشرع إلى السلطة في دمشق، أرسل عدة رسائل إيجابية إلى لبنان، ليس آخرها ما قاله قبل أقل من شهر خلال حفل افتتاح "صالة الفيحاء" الرياضية لكرة السلة في دمشق، قبل انطلاق المباراة الودية بين فريقي البلدين: "إن التاريخ بين الشعبين السوري واللبناني دوماً ينطوي على علاقة جميلة وطيبة تخربها السياسات، ومن الجميل أن تكون أول فعالية بيننا هي مباراة في كرة السلة، وهناك قاعدة خاصة بين لبنان وسوريا، وهي أنه لا يوجد غالب ومغلوب".

بين سوريا ولبنان حدود غير مرسمة حتى الآن، وهي حدود متداخلة ومتشابكة في كثير من المناطق، وترسيمها وضبطها يجب أن يكون أولوية لدى الجانبين

في لبنان، المحكوم بالتوافقات، لا يزال التردد سيد الموقف عند البعض. فذاكرة البلدين والشعبين مثقلة بتجارب الماضي القريب، من دخول الجيش السوري إبان حكم حافظ الأسد إلى لبنان، إلى لحظة انسحابه في عهد بشار الأسد، وما ارتكبه النظام السوري السابق من انتهاكات وجرائم بحق اللبنانيين، إضافة إلى سيطرته على مفاصل الحكم في لبنان وتدخله السافر في شؤونه الداخلية. ثم جاء بعد ذلك دخول "حزب الله" إلى سوريا ومشاركته الأسد الابن في قتل السوريين وتهجيرهم. ويُضاف إلى ذلك الانقسام في الموقف اللبناني إزاء هذا التدخل السافر، وتأييد بعض الأحزاب اللبنانية والمسؤولين له وتبريره، فضلاً عن مشاركة بعضهم في اضطهاد اللاجئين السوريين الذين هربوا إلى لبنان. إنها ذاكرة مثقلة بالألم وغياب الثقة، لكن بناء علاقات ما بعد الأسد يحتاج إلى تعاون يخدم مصلحة البلدين والشعبين.

ترى دمشق أن استقرار لبنان يصب في مصلحة سوريا، والعكس صحيح، وأن على لبنان أن يستفيد من النهضة الاقتصادية التي بدأت ملامحها تتضح في سوريا. كما تبدي انفتاحاً على التعاون مع لبنان في شتى المجالات، من دون أن يعني ذلك أي تدخل في شؤونه الداخلية، التي يصر بعض اللبنانيين على إقحام دمشق فيها من دون موافقتها أو علمها.

وصحيح أن الملفات التي بُحثت تهم الطرفين، لكن الملف الأبرز يبقى الملف الأمني، وضبط الحدود بين البلدين. وقد لوحظ غياب أي مسؤول أمني عن الوفد اللبناني إلى دمشق.

صحيح أن الملفات التي بُحثت تهم الطرفين، لكن الملف الأبرز يبقى الملف الأمني، وضبط الحدود بين البلدين. وقد لوحظ غياب أي مسؤول أمني عن الوفد اللبناني إلى دمشق


أعلنت سوريا مراراً إلقاء القبض على خلايا تابعة لـ"حزب الله" وكشفها، كانت تخطط لعمليات إرهابية واغتيالات داخل سوريا. كما عززت دمشق انتشار الجيش على الحدود خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل و"حزب الله"، ما أثار مخاوف الكثير من اللبنانيين، وهو ما حرص الشرع على توضيحه مراراً من خلال التواصل الذي بادر إليه مع عدد من المسؤولين اللبنانيين.

بين سوريا ولبنان حدود غير مرسمة حتى الآن، وهي حدود متداخلة ومتشابكة في كثير من المناطق، وترسيمها وضبطها يجب أن يكون أولوية لدى الجانبين. فكيف سيكون التعاون الاقتصادي بين البلدين إذا كان "حزب الله" لا يزال يحاول العبث بأمن سوريا؟

وبعيداً عن الإيجابية التي يبديها الطرفان، والتعاون الذي يبديه رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وحرصه على أفضل العلاقات مع دمشق، يبقى السؤال الذي يتكرر في دمشق: أين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون من هذه العلاقة؟ لماذا لم يقم بزيارة دمشق بعد؟ في وقت يدرك فيه الجميع المخاطر الأمنية في لبنان، وهي مخاطر تمنع زيارة الكثير من الرؤساء والزعماء إلى بيروت، وليس الشرع وحده.

وماذا عن الجانب الآخر من الحدود، أي الجانب اللبناني؟ إن ضبط الحدود مصلحة لبنانية قبل أن يكون مصلحة سورية. فلبنان اليوم يدفع ثمن تغول "حزب الله" وتمدده داخله، وجزء من الذاكرة المثقلة بين البلدين هو عبور "حزب الله" بعتاده وعديده إلى سوريا تحت أعين الأجهزة الأمنية اللبنانية، بما في ذلك الجيش والأمن العام. في سوريا، سقط من كان يسهّل عبور السلاح والمقاتلين أو تهريبهم، لكن هل تم تبديل أي مسؤول قيادي في لبنان كان مسؤولاً عن تسهيل عبور "حزب الله"؟

هذه أسئلة مشروعة يجب أن تُطرح، وأسلوب تدوير الزوايا قد ينفع في السياسة، لكنه بالتأكيد لا ينفع في الأمن.

"حزب الله" عبء على لبنان قبل أن يكون عبئاً على أي دولة أخرى، ونية دمشق في بناء أفضل العلاقات مع بيروت معلومة. ولكي تنطلق العلاقة في الاتجاه الصحيح، بما يخدم مصلحة البلدين ويحترم سيادتهما، سيبقى موضوع ضبط الحدود أولوية، حتى وإن اكتفى البعض بالإشارة إليه من دون التعمق في وضع أسس لحلول عملية تمنع تكرار تجارب الماضي التي أثقلت كاهل الجميع.

font change