حرب التطرفات... حين يستيقظ التاريخ

نحن نعيش في عصر تتقاطع فيه الكراهية الموروثة مع الاحتمالات المفتوحة للصراع

حرب التطرفات... حين يستيقظ التاريخ

استمع إلى المقال دقيقة

في لحظات التحول الكبرى، لا تتحرك الحروب وحدها، بل تتحرك معها الذاكرة والتاريخ والأفكار القديمة والهواجس التي ظنّ العالم أنه تجاوزها. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد صراع عسكري عابر، بل هو انعكاس لتراكمات طويلة من التطرفات السياسية والدينية التي أعادت تشكيل المشهد الإقليمي الراهن.

إن الحرب القائمة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، تعد من أكثر الحروب خروجاً عن المألوف في طبيعتها وأبعادها. فهي حرب لا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ، كما لا يمكن قراءتها دون النظر إلى السياق السياسي الراهن الذي يحكم قطبيها الأميركي والإسرائيلي.

ففي الولايات المتحدة، وفي عهد دونالد ترمب الذي اتّسم بالاندفاع والسعي إلى تقديم نفسه بوصفه رجل سلام، شهد العالم سلسلة من العمليات العسكرية التي شملت فنزويلا والصومال واليمن والعراق وإيران، إضافة إلى تهديدات غير مسبوقة مثل طرح فكرة ضم غرينلاند. في المقابل، يقف في الجانب الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يعلن انحيازه لفكرة "إسرائيل الكبرى"، ويرى في المشروع الإسرائيلي مهمة حضارية يضطلع بها الشعب اليهودي.

وفي هذين القطبين تتجلى نظرة داخلية تعكس عمق الأزمات السياسية والفكرية التي تدفع العالم نحو مزيد من عدم الاستقرار، وتسهم في دفع الشرق الأوسط إلى حافة انفجار دائم.

الجنون الإسرائيلي يقابله جنون إيراني، وكلاهما يتحرك بدوافع قومية ودينية تجعل من الصعب تصور نقطة التقاء بينهما

يرى قادة الاحتلال وزعماء الحركة الصهيونية في الرئيس الأميركي حليفاً استثنائياً، لا مجرد صديق سياسي، حيث تراه حامياً ومدافعاً قوياً عن سياسات إسرائيل ومصالحها. وفي ظل هذا التحالف غير المسبوق، يبدو من الصعب انتظار قدر كبير من الحكمة أو التوازن في إدارة الأزمات الإقليمية عند كل الأطراف.
نحن نعيش لحظة تكررت في القرن العشرين وصفها المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم في كتابه "عصر التطرفات" بأنها أسوأ ما حمله القرن العشرون، وهو عصر تتقاطع فيه الكراهية الموروثة مع الاحتمالات المفتوحة للصراع. والحرب الحالية لا تنفصل عن هذا السياق، فهي تأتي في زمن يتصاعد فيه التطرف الإسرائيلي إلى مستويات غير مسبوقة، ويترافق مع عنف متزايد تجاه كل من يعارض سياسات إسرائيل أو يرفض الاعتراف بدورها وهيمنتها في المنطقة، في ظل رعاية أميركية واضحة.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الطرف الآخر من المعادلة. ففي المقابل يبرز التطرف الإيراني الذي لم يترك دولة عربية تقريباً إلا وحاول التأثير فيها أو اختراقها سياسيا أو عسكريا. ومنذ عام 1979 كانت الثورة الإيرانية آخر الثورات الكبرى في العصر الحديث، وهي الوحيدة التي لم تستلهم الأفكار العلمانية والتحررية الغربية. والوحيدة التي انتصرت بين حركات الإسلام والتيارات السياسية بالوصول للسلطة والهيمنة على المجتمع، لا بل الوحيدة التي طرحت فكرة عالمية باسم أحد جانبي الإسلام: السني والشيعي، وهي لم تأتِ من الواقع، بقدر ما جاءت من الماضي المثقل بفكرة الهزيمة والمظلومية واستعادة الحق الشيعي بالحكم.
في الحرب الراهنة انفلات إيراني في مواجهة عدوان خارجي، وفي هذا السياق جاء اعتذار إيران، الذي قدمه الرئيس مسعود بزشكيان عن قصف مناطق عربية، متأخراً في نظر كثيرين؛ إذ كان الأولى أن يكون اعتذارا أوسع يشمل ما ارتكبته إيران في سوريا ولبنان والعراق قبل اندلاع الحرب الحالية. أما الاعتذار عن التصرفات المتهورة لبعض قادة "الحرس الثوري" التي أدّت إلى قصف دول الخليج والأردن وتركيا، فهو اعتذار لا يغير كثيرا من الواقع الذي صنعته تلك السياسات المتهورة.
الجنون الإسرائيلي يقابله جنون إيراني، وكلاهما يتحرك بدوافع قومية ودينية تجعل من الصعب تصور نقطة التقاء بينهما. وفي الذاكرة التاريخية عداء متجذر يغذيه العنف والصراع المستمر فنحن أمام خطر مأساوي صنعه الطرفان.

فكما تُعد إسرائيل العدو الأول للعرب والمسلمين، فإن سياسات إيران خلال العقود الماضية دفعت بعض العرب إلى النظر إليها بوصفها خصما لا يقل خطورة، بعدما اختارت نهج تصدير الثورة، ودعمت حركات وميليشيات في أكثر من دولة عربية. وقد تجلى ذلك بوضوح في سوريا خلال عهد الأسد، وفي لبنان عبر التأثير في مؤسسات الدولة، وفي اليمن من خلال دعم عبد الملك الحوثي.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا جنت إيران منذ عام 1979 في علاقاتها مع العرب سوى فقدان الثقة بها كجار تاريخي؟ وماذا جنى العرب من إسرائيل بعد سلسلة الاتفاقيات التي بدأت باتفاقية كامب ديفيد، مرورا بمؤتمر مدريد واتفاق أوسلو ووادي عربة وكل مساعي السلام والتطبيع اللاحقة، سوى استمرار الشكوك في نوايا السلام، في ظل استمرار الحصار والاعتداءات على الفلسطينيين؟
قبل هذه الحرب كان لإيران عدو واحد واضح، أما اليوم فقد أصبحت تواجه شبكة أوسع من الخصوم. وهي تدخل هذه المرحلة مثقلة بإرث ثقيل من الأزمات مع العالم العربي، وبسجل من الصراعات التي ارتبطت بدعم الأذرع المسلحة والميليشيات في المنطقة.
وهكذا يتحرك طرفا الحرب في بحر من الدماء، وتاريخ طويل من العداء، حيث يمتلك كل طرف استعدادا لمزيد من العنف، بينما يعلن كل منهما تحقيق النصر. غير أن الحقيقة الأكثر قسوة هي أن هذا الصراع، مهما تغيرت شعاراته، يترك خلفه منطقة مثقلة بالخسائر والدمار والشكوك المتبادلة.
وفي النهاية، تبدو هذه الحرب وكأنها صدام بين تطرّفين، كلاهما يعتقد أنه يحمل الحقيقة المطلقة ومختار من الله أو ينوب عن الإمام، وكلاهما مستعد لدفع المنطقة إلى مزيد من المآسي من أجل إثبات تلك الحقيقة التي لا معنى لها في قاموس الأمم الحية.

font change