"البعث الإيراني" وإسلام الوهم... التوظيف وسردية الانتصار

يجري في إيران في ظل الحرب الدائرة، الترويج لذات السياسة في الانتصار على الغرب

"البعث الإيراني" وإسلام الوهم... التوظيف وسردية الانتصار

استمع إلى المقال دقيقة

يدرس التاريخ ما يميز مختلف الزُمر والجماعات التي تعرفها البشرية بعضها من بعض، ويدرس النقد المختلف لهذه الزُمر/الشعوب التي تعرفها البشرية متمايزة عن بعضها. وتحديد المختلف يحتاج لتحديد الفرق والقصد بين الكيان "الحشد" والكيان "الجمهور". وقد أفاض في شرح ذلك عالما السياسة والاجتماع غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجيا الجماهير"، وريجيس دوبريه في كتابه "نقد العقل السياسي".

وإيران من هذه الزاوية تطرح نفسها كدولة وحضارة صافية، قائمة على صراع دائم مع الإسلام العربي، وهي فكرة شائعة في السياسة الإيرانية المعاصرة. وهنا يجب العودة إلى عام 1979 عام الثورة التي حملت الإسلام الإيراني إلى السلطة السياسية بناء على فكرة جمعت الهوية الإيرانية لصالح الدعوة الإسلامية الجامعة التي تركز على مقولة الأمة، لكي تؤسس المجتمع الإسلامي الدولي.

والانتقال بالمجتمع الإيراني لتلك الصيغة والهوية لم يكن سهلا، لكن الاستبداد والفساد البهلوي- وليس السعي نحو الملكية العلمانية الشاهانية التي ورثت السلطة القاجارية القومية الطابع (1779-1925)- شجع على ذلك الانتقال.

كان رضا شاه مؤسس السلالة البهلوية، الذي انقلب على الشاه أحمد ميرزا القاجاري، قد أقام دولته على رموز وأسس قومية بدءا من عام 1925، إذ مَجّدَ الماضي، واحتفى بالذاكرة بشكل ماضوي طوباي متخيل وآري صافٍ، وشجع المثقفين أصحاب الميول الغربية الناشطين في إيران على ذلك.

وبدا أمام النخبة الإيرانية المتغربنة نموذج أوروبي واسع للدولة القومية في إيطاليا وألمانيا وغيرهما، وهذا الأمر ساد أيضا في البلاد العربية التي تأثرت بالقومية الغربية، وكذلك الحال مع الأتراك. ومشروع مصطفى كمال أتاتورك القومي الطابع. كانت إيران تحتاج إلى "بعث قومي" يعيد لها الماضي ليحكم مصائر السياسة وهنا يحضر المستشرقون.

في عهد الأسرة البهلوية اعتبرت الحضارة الأخمينية نموذجا للهوية الإيرانية وصارت الأيديولوجيا الآرية واحدة من أكثر السمات تمييزا لإيران في عهد رضا بهلوي

وكما حضر في ألمانيا المستشرق ماكس فون أوبناهايم الذي عمل إلى جانب الأتراك ونظّر للامتداد الألماني في الشرق الأوسط أوائل القرن العشرين، نشط أيضا عالم الآثار الألماني إرنست هيرتزفلد (1879-1948) الذي اهتم بآثار إيران والعراق ووضع الكثير من المؤلفات عنها ومنها: "زاردشت وعالمه"، و"إيران في الشرق القديم"، و"النقوش البارزة على الصخور في إيران"، والأهم دراسته المعنونة بـ"الإمبراطورية الفارسية: دراسات في الجغرافيا والإثنوجرافيا في الشرق الأدنى القديم". وقد ساجل هيرتزفدر عن مفهوم إيران الإخمينية الآرية الجيوسياسي، وأنها كانت أمة إيرانية.
وانبثقت في العهد الأخميني الذي بلغ ذروته في عهد الملك قورش/كورش العظيم، وامتدت بدءاً من البلقان وأوروبا الشرقية في الغرب إلى وادي السند في الشرق، وكانت من أكبر إمبراطوريات التاريخ وأُسست على نموذج بيروقراطي مركزي ناجح. وفي عهد الأسرة البهلوية اعتبرت الحضارة الأخمينية نموذجا للهوية الإيرانية وصارت الأيديولوجيا الآرية واحدة من أكثر السمات تمييزا لإيران في عهد رضا بهلوي، وكجزء من برنامجه التحديثي اصطدم رضا شاه البهلوي مع العقيدة الإسلامية في إيران، فقد حظر طقوس عاشوراء وارتداء النساء الشادور ولاحقا فرض على النساء قانونيا الظهور علنا دون حجاب.
بدا رضا بهلوي أنه ضد الهوية الإسلامية، لكنه في السياسات الداخلية حاول تشكيل الإسلام بصبغة قومية، شارك في الزيارات الدينية ورعى الشعائر الإسلامية وكان على علاقة وثيقة برجال الدين، وهذا ما ظهر في تأييد رجال الدين له ضد رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953، حيث أيدوه تأييدا تاما، ضد أفكار الماركسية التي روج لها مصدق.
ومن أوجه التحالف بين رضا شاه ورجال الدين أنه منح العالم مرتضى مطهري عضوية الأكاديمية الإمبراطورية الإيرانية للفلسفة، وقلده جائزة كبيرة هي الجائزة الملكية لكتاب العام، وعينه محاضرا في جامعة طهران.

وهنا يمكن تتبع مظاهر التحالف الديني بين رجال الدين والشاه من خلال دراسة "شرقية وغربية معا: تاريخ فكري للحداثة الإيرانية"، لمؤلفه أمين متين أصغري. الذي كشف عن آلية استيعاب البلاط الملكي الإيراني للحملات الدينية المناهضة للماركسية.
وظهرت جهود إيرانية أخرى إضافة إلى جهود مرتضى مطهري سعت إلى بناء ثقافة وطنية إيرانية أصيلة ركزت على الإسلام الشيعي وعلى انتقاد جذري للغرب، وهذا ما ظهر في أعمال أحمد فرديد وجلال آل حمد وسيد حسين نصر وغيرهم. والأخير (سيد حسين نصر) برز كعالم إسلامي محافظ عينه الشاه في منصب السكرتير الشخصي لزوجته فرح بهلوي، وأوكل إليه مهمة إنشاء الأكاديمية الإيرانية الملكية للفلسفة.
ارتبط سيد نصر بعلاقة مباشرة مع زوجة الشاه سيدة إيران الأولى التي كانت تزرع الحداثة بقلب البيروقراطية المركزية الإيرانية بعدة أوجه، بينما كان مرتضى مطهري على علاقة مباشرة مع آية الله الخميني الذي كان يعيش بالمنفي في النجف، وقد أدت تلك الأفكار إلى صياغة النسخة القومية الإيرانية للجمهورية الإيرانية مع التركيز على ثقافة إسلامية أصيلة، والتي بدأت بالظهور قبيل الثورة عام 1979، من قبل البلاط الملكي.
استمرت إيران الثورة بتطبيق سياسات الحقبة البهلوية في التعليم باللغة الفارسية حصرا، وفي الخدمة العسكرية، وروجت الأفكار حول الماضي الإيراني المجيد، وبالتالي لم يكن مشروع الدولة في زمن الثورة حصرا على الأفكار الإسلامية، بل أدمجت به الأفكار القومية الصرفة وهذا ما أوجد وصفة جديدة هي الإسلام الإيراني مقابل الإسلام العربي. وهي سمات شكلت مكونا هاما في بناء مجالات الإمبراطورية الزاردشتيه والأجنبية في تاريخ إيران.
تقوم الاستثنائية الإيرانية على استحضار الرموز والماضي داخل الإسلام الشيعي، وهذا ما ظهر في الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، في التلفزيون الإيراني حيث صور المقاتلون باعتبارهم مبشرين بطريق جديد ينتظره العالم وهذا ما حملته سلسلة وثائقية بعنوان "سيرة انتصار". وذلك بحسب تحقيق لقناة "بي بي سي" بعنوان: "فن بلاد فارس" صدر عام 2020.

تقوم الاستثنائية الإيرانية على استحضار الرموز والماضي داخل الإسلام الشيعي، وهذا ما ظهر في الحرب العراقية-الإيرانية

والآن عام 2026 يجري في إيران في ظل الحرب الدائرة، الترويج لذات السياسة في الانتصار على الغرب، ذلك ما دعا إليه الوزير محمد جواد ظريف كبير الدبلوماسية الإيرانية في مقالته الأخيرة بمجلة "السياسة الخارجية" الأميركية، وكثير من الراغبين في إنقاذ الجمهورية الإيرانية (وليس الإسلامية) يسمعون العالم الصوت نفسه.
وفي موازاة "بعث إيران القومي"، تم في سيرة الانتصار توظيف الإسلام والصوفية الروحانية. وسابقا في رئاسة أحمدي نجاد جرى الإصرار على تفسير إيراني للإسلام، سمي "الإسلام الإيراني" أو المدرسة الإيرانية، ويشار إلى أن نجاد وحكومته نجحوا في عرض أسطوانة لملك قورش للجمهور الإيراني بعد استعارتها مدة أربعة أشهر من المتحف البريطاني، والتي تعود للقرن السادس قبل الميلاد باعتبارها أحد الرموز الأكثر شهرة في الأيديولوجيا الآرية الإيرانية، وبذلك عملت الدعاية على بث سردية دعائية بهلوية، عن حقوق الإنسان، معلنة أن العالم بحاجة للحكمة الإيرانية.
وفي أحداث 2009، طغت الأيديولوجيا الإيرانية، ورسمت صورة للحكومة بأنها وريث للمجد الإيراني القديم، وفي متحف الدفاع المقدس عن الحرب الإيرانية العراقية ظهر بشكل واضح وجلي العودة للماضي، وظهرت في الجداريات في الشوارع صور تاريخية ومنها لآرش كمانجير الذي يقال إنه حدد حدود إيران بالسهم، وهو شخصية أسطورية إلى جانب صور الخميني وخامنئي وقادة "الحرس الثوري".
 وهذا ما استخدم في تبرير حروب إيران وامتدادها في المنطقة العربية، حيث أظهرت الجداريات والدعاية الإيرانية أن فصائل إيران جاءت لتطهر المزارات والمقامات الدينية من التدنيس العربي، وهو مهمة توكل بها قاسم سليماني الذي اعتبر شخصية موقرة للكل، وشخصية موحدة استطاعت أن تعيد إيران في الشام والعراق إلى زمن قورش العظيم.
في المحصلة طورت إيران "بعثها القومي" الخاص، ما بعد الثورة بعلاقة وظيفية مع الإسلام، ومع الماضي القديم، تأثرت بتجارب غربية وفي محيطها، مثل الهند وباكستان ومقولة "الإسلام الهندي"، وفي الشمال الأتراك ومشروع أتاتورك القومي، وعلى الصعيد العربي لم يكن لها معنا إلا خصومة باعتبار أنها الأقدر على تقديم الإسلام وإلغاء العرب والسنّة منه.

font change