في السياسة، كما في التاريخ، لا تختفي الصور بسهولة، بل تبقى عالقة في الذاكرة زمناً طويلاً قبل أن تتراجع أو تُستبدل بصورة أخرى. ومن بين الصور التي ما تزال تلقي بظلالها على المشهد الإيراني صورة "المرشد" علي خامنئي. فالرجل وإن غاب، إلا أن الإرث السياسي والفكري الذي تشكل خلال عقود من قيادته سيظل حاضراً في بنية النظام الإيراني، وفي الطريقة التي يفكر بها هذا النظام في الداخل والخارج.
مضى "المرشد" علي خامنئي، غير أن ظله سيبقى حاضراً في المشهد الإيراني. فالصورة السياسية لا تختفي سريعاً، بل تعيش أحياناً ردحاً طويلاً من الزمن قبل أن يتم تجاوزها. وفي هذا السياق يبرز اسم ابنه مجتبى خامنئي، الذي لم يكن بالضرورة كامل الأهلية الدينية لخلافة والده، غير أن حسابات "الحرس الثوري" والفريق المتشدد داخل النظام الإيراني دفعت به– بحكم الضرورة السياسية– من لقب "حجة الإسلام" إلى لقب "آية الله"، وأدخلت إيران في باب التوريث على الطريقة البهلوية.
وعند الشيعة فإن لقب "حجة الإسلام" يشير إلى درجة علمية عالية تعرف باسم السطوح العالية في الرتب العلمية الحوزوية للبدء لاحقاً بالاجتهاد، وهي مرتبة علمية متقدمة لكنها لا تعني الوصول إلى مرتبة المرجعية العليا. وهي ليست مقابلة للقب "حجة الله" الذي يرتبط بالإمام المعصوم، الذي يعني أن الإمام هو "حجة الله" والوسيط بين البشر وبين الله، وهو المرجع الأعلى للعلوم الإلهية الذي لا يصح دين الناس إلا به.
أما لقب "آية الله"، فهو لقب ديني رفيع المستوى في الحوزة الشيعية، ويستخدم للإشارة إلى كبار المراجع والفقهاء الذين بلغوا أعلى درجات الاجتهاد في الفقه والتقوى. ويعني اللقب حرفياً "علامة الله" أو "آية الله العظمى"، ويشير إلى المكانة العلمية والدينية التي تخول صاحبها إرشاد المؤمنين وتفسير الأحكام الشرعية وفق المذهب الجعفري.
لكن السيد مجتبى خامنئي، وفق هذا التصنيف الحوزوي، لا يعد مجتهداً كاملاً. فقد درس في السنوات الأخيرة ما يعرف بـ"البحث الخارج"، وهي المرحلة المتقدمة من الدراسة الحوزوية، لكنه لم يصل إلى درجة الاجتهاد المطلق. ولذلك فإن تنصيبه أو التعامل معه بصفته مرجعاً دينياً يمثل خرقاً للأعراف العلمية الحوزوية، التي استقرت عليها المؤسسة الدينية الشيعية عبر قرون طويلة.
وفي سياق آخر من قراءة المشهد الإيراني، يطرح احتمال آخر يتم تداوله في بعض التحليلات السياسية. فغياب علي خامنئي أو قتله، صعّد ابنه مجتبى ليكون وريثاً لقيادة النظام، الذي استحدث له الأب "مجلس خبراء" يولدون من كُم عباءته. ومثل هذا الواقع المتشدد سيوفر استدامة لفكرة الشهيد في الموروث الشيعي، وهو مفهوم راسخ في الثقافة الشيعية التي حفلت عبر التاريخ بألقاب الشهداء.
يمكن فهم المشروع الإيراني في المنطقة ليس بوصفه مجرد سياسة خارجية تقليدية، بل باعتباره رؤية استراتيجية متكاملة تشكلت عبر عقود داخل بنية النظام الإيراني
في الراهن الإيراني، الذي تمأسس على فكرة قومية دينية متشددة لا مثيل لها في قاموس الدولة المعاصرة، لن يكون الأب والابن إلا نموذجين للتطرف والتشدد ومحاربة السنة، وفقاً للتنظير السياسي الذي ساد في إيران خلال العقود الأخيرة، والذي طرحه عدد من العلماء والباحثين الفاعلين في المشهد الإيراني الراهن.
ومن هنا، يمكن فهم المشروع الإيراني في المنطقة ليس بوصفه مجرد سياسة خارجية تقليدية، بل باعتباره رؤية استراتيجية متكاملة تشكلت عبر عقود داخل بنية النظام الإيراني. إذ تقدمت إيران في مشروعها الإقليمي من خلال ثلاثة مسارات رئيسة.
المسار الأول يتمثل في المهدوية الثورية، وهي فكرة تقوم على طرح تصور حكومة عالمية مرتبطة بظهور المهدي، وتسعى إيران إلى حماية هذه الفكرة وصناعة ثقافة حاضنة لها. ويُنظر إلى التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن بوصفه تطبيقاً عملياً وتمهيداً لقيام تلك الحكومة المهدوية التي يؤمن بها السيد مجتبى خامنئي.
أما المسار الثاني، فهو نظرية أم القرى التي قدمها الفيزيائي محمد جواد أردشير لاريجاني، رئيس مركز الأبحاث وأمين لجنة حقوق الإنسان ومساعد وزير الخارجية سابقاً، والمنتمي إلى أسرة لاريجاني ذات النفوذ القوي في السلطة الإيرانية. وتقوم هذه النظرية على اعتبار إيران مركزاً للأمة الإسلامية التي ينبغي أن تكون منضوية تحت ولاية الفقيه.
وبحسب هذه النظرية فإن إيران تمثل "أم القرى"، أي مركز العالم الإسلامي. ويقول لاريجاني في كتابه "مقولات في الاستراتيجية الوطنية" الصادر عام 1987 والمترجم إلى العربية عام 2008: "إذا اعتبرنا إيران اليوم مركز الإسلام، فإنه يجب أن يخضع المواطنون لإرادة الولي الفقيه وأن يبايعوه في كل ما يريد".
وقد سبقت هذه الرؤية، في بعض جوانبها، الرؤية التركية التي قدمها أحمد داود أوغلو في كتاب "العمق الاستراتيجي"، والذي اعتمد سياسة "صفر مشاكل مع الجيران" ومهّد لصعود الدور التركي في المنطقة المرتبط بإرث عميق. ومع ذلك، يبقى الفارق واضحاً؛ فتركيا بقيت منفتحة على الغرب رغم مشروعها القومي، بينما اتخذ المشروع الإيراني مساراً مختلفاً يقوم على المواجهة والصراع مع الغرب.
أما المسار الثالث فهو جيوبوليتيك الشيعة، وهو مفهوم يقوم على خلق فضاء شيعي سياسي وثقافي خارج حدود إيران ليكون حاضنة للزعامة الإيرانية. فالعراق وسوريا ولبنان أصبحت ضمن النفوذ الإيراني، ولم يبق في المنطقة- وفق هذه القراءة– إلا الأردن الذي يُنظر إليه باعتباره ساحة مستهدفة بشكل غير مباشر.
ولهذا تسعى إيران إلى خلق أرضية ثقافية تدعي وجود امتداد عقائدي قريب من الأردن عبر فكرة "تسكين الشيعة". وقد ظهر ذلك في الحديث عن حماية المراقد المقدسة في سوريا خلال فترة حكم بشار الأسد، وابتكار مصطلح الحرم الزينبي في دمشق، وهو خطاب استُخدم لحشد المقاتلين باسم الدفاع عن الشيعة وآل البيت وبحجة حماية المقدسات وهو فكر ملتحف بالماضي.
وفي المحصلة، فإن فهم المشروع الإيراني في المنطقة، لا يمكن أن يقتصر على متابعة تحولات القيادة داخل النظام أو على خيار انتقال السلطة من الأب إلى الابن. فالقضية تتعلق أيضاً بمنظومة فكرية وسياسية تشكلت داخل الدولة الإيرانية وتسعى إلى إعادة صياغة موازين القوة في الشرق الأوسط، وهي منظومة على الأرجح ستظل تلقي بظلالها على السياسة الإيرانية مستقبلاً.