يوم التأسيس.. الذاكرة والتاريخ الحافز

اليوم تعود السعودية للماضي من باب القوة، والاعتزاز بالجذور والإيمان بأن الأصول مهمة للثبات

يوم التأسيس.. الذاكرة والتاريخ الحافز

استمع إلى المقال دقيقة

يبدع الإخوة في المملكة العربية السعودية في كيفية العودة إلى الماضي الذي تأسّست به، ثم توحدّت، أراضي المملكة. وهي عودات مشروعة ومثيرة في أحداثها وتواريخها وأدوار رجالها، وفي قدرة الدولة على التجديد والاستمرارية في حالة تصاعدية من الـتأثير.

وبات الاحتفاء بذكرى يوم الـتأسيس (في 22 فبراير/شباط 1727) كل عام، أكثر من مجرد مناسبة وطنية جامعة، بل أضحى جزءا من الهوية السعودية، وبملاحظة حجم المحتوى الذي تمّ بثه خلال السنوات الأخيرة والعودة المتعددة الأشكال للتاريخ السعودي المكتوب (المدون)، أو الشفاهي المحفوظ في صدور الرواة، ومن خلال مؤسسات متخصصة في مقدمتها دارة الملك عبدالعزيز التي تعتبر مرجعاً موثوقاً ومؤسسة نالت احترام كل من تعامل معها، بالإضافة لعمل الجامعات السعودية ومراكز الأبحاث.

يدرك المرء أن ثمة حركة جديدة للتاريخ في المملكة العربية السعودية. وهي عودة لم تتركز في تاريخ الدولة وحسب، بل لديها إدراك بأهمية وضع هذا التاريخ في سياق المدونة الكبرى للإرث الحضاري للأرض السعودية التي احتضنت الإسلام دعوة ودولة وحضارة.

لكنّ ليوم التأسيس تاريخا خاصا بالدولة، والكيانية الوطنية السعودية، وبالأدوار والبناء الحضاري في عهد ملوك آل سعود، ومن شاركهم رحلة العبور الحضاري بالسعوديين إلى معارج التقدم والريادة والابتكار من القادة والرواد والنخب العربية وأبناء المجتمع السعودي الواسع الأطياف.

لا تتحرك السعودية اليوم بالماضي، بل تنظر إلى عظيم إنجازات قيادتها عبر قرون ثلاثة، وبين يوم للتأسيس وآخر وطني في 23 سبتمبر/أيلول من عام 1932، وهو محل احتفاء أيضاً، نجد أن هذه المواقيت والأيام، ليست فقط مهمة من جهة التراكم الزمني، أو لسردية الخط التاريخي والاستمرارية، بل بما تحقق فيها وما تعنيه اليوم في الذات الوطنية الجامعة ولدى الأفراد.

مرّت السعودية بكل الأنواء والتحديات، وظلّت تتمتع بقدرة كبيرة على التأقلم والتكيف والحضور المكثف في حل أزمات العرب، ولها اليوم ميزة عالمية في صناعة التأثير والسمعة الدولية

لقد عُدّت الأيام التاريخية واحدة من تقاليد عربية قديمة، يؤرخ بها للأحداث الفاصلة، لكنها في الحالة السعودية الراهنة يُستدعي منها التاريخ الحافز، والتاريخ الجامع، لدولة باتت اليوم من أبرز وأهم الدول المستقرة في العالم، ومن أرسخ مشاريع الوحدة التي عرفها القرن العشرون، بعد أن انتشل الموحد عبدالعزيز آل سعود المنطقة من أطماع العقل الاستعماري الغربي والنزعات المناطقية، ووحد المنطقة وأوجد وحدة استثنائية ما زالت عنواناً للمجد السعودي.
حتى اليوم، يعود السعوديون ليوم من أيام منتصف القرن الثامن عشر، مُذكرين بأن ذلك القرن شهد بدايات تبلور الاستقلال العربي عن الحكم العثماني ونشأة الشخصية الكيانية لهوية عربية خاصة، مع الدولة السعودية الأولى التي اتخذت من الدرعية عاصمة لها، ليقرر الملك سلمان بن عبدالعزيز  في 22 يناير/كانون الثاني 2022 أن العودة للتاريخ البعيد ممكنة ودائمة وهي عودة لشرعية سياسية ودينية، ما عكس حالة من الوعي الوطني للعمق التاريخي والحضاري والثقافي للمملكة العربية السعودية التي أسسها الإمام محمد بن سعود عام 1139هـ/1727م.
ومرّت السعودية بكل الأنواء والتحديات في مواجهة مشروع الاستعادة العثماني إلى أن تمكن الملك الموحد عبدالعزيز آل سعود من استعادتها وتوحيدها، وآنذاك أقيمت بداية جديدة لدولة هي اليوم راسخة وواضحة في  مبادئها ورسالتها، وهي في تاريخ القرن العشرين الطويل وفي العقدين والنيف الأخيرين من الألفية الثالثة ظلّت تتمتع بقدرة كبيرة على التأقلم والتكيف والحضور المكثف في حل أزمات العرب، ولها اليوم ميزة عالمية في صناعة التأثير والسمعة الدولية.

والسؤال اليوم ماذا فعل السعوديون الأوائل كي يحققوا هذه السمعة والمكانة والتقدير العالمي؟ لعل الجواب يكمن في انحياز القيادة السعودية إلى الإنسان والأرض، وللحالة الأخلاقية في مفهوم عمارة الأرض والاستخلاف في المشروع الإنساني، وهذا أمر لم يقم على البهرجة والوعود الطائشة، بل نما وازدهر عبر إشاعة العدل وتكريم الإنسان ورعاية القيم السامية وتعزيز المبادرات الفردية وحماية الحقوق وكف الأذى وتأمين المسافر وخدمة الحرمين الشريفين.
هذه المقاربة التي حملها السعوديون معهم للعالم، وعبروا من خلالها عن الروح التي سكنت الدولة عبر 299 عاما من الحكم والبناء الحضاري الذي حوّل البلاد السعودية بمختلف أقاليمها إلى واحة معرفة ومقرٍ لصوت العقل والحكمة، والأفكار الكبرى للإقليم والعالم.
يحتاج الإنسان العربي اليوم أن يدافع عن الدولة الوطنية، وأن يفتخر كل منا بدولته، وأن يعتز أيضاً بدولة تعود لماضيها بكل رزانة واحترام، وهي راسخة البنيان إسلامية الروح والأخلاق، وعالمية في القيم، وسبّاقة في الريادة، كما هي المملكة العربية السعودية التي باتت قبلة الزائرين ومطمح الطامحين إلى الاستقرار والكرامة الإنسانية.
نعم تتجدد السعودية. ويحتاج المرء أن يترك التاريخ وهو يطالع معالم نهضتها الراهنة، وتقدمها وتحسن مواردها ومغادرتها الاعتماد على اقتصاد النفط، إلى التنوع في مصادر الثروة الوطنية، وإلى الاعتماد على الإنسان السعودي ليبني وطنه، وفي إعادة القيمة للأرض والزراعة وحماية مصادر التراث والفعل الحضاري.
اليوم تعود السعودية للماضي من باب القوة، والاعتزاز بالجذور والإيمان بأن الأصول مهمة للثبات والبقاء في وجه العواصف، وهي اليوم تتوحد وطنيا في يومي التـأسيس واليوم الوطني كعلامات فارقة في خط التاريخ والحضارة على أرض العرب وبلادهم. 

font change