قبل 21 عاما نزل مئات آلاف اللبنانيين إلى الساحة رافعين مطلب العدالة والاستقلال، طالبوا بخروج جيش نظام الأسد من لبنان، النظام الذي أمعن بقتل واضهاد اللبنانيين، طالبوا بعلاقات ندية بين البلدين، توحّد اللبنانيون على دم الرئيس رفيق الحريري الذي قتله محور الأسد-"حزب الله"، يومها لم يرفع إلا العلم اللبناني، يومها كان اللبنانيون لبنانيين أولاً قبل أن يكونوا سنة وشيعة وموارنة ودروزا.
خرج جيش الأسد من لبنان، ولكن الاغتيالات لم تتوقف، اغتيل خيرة سياسيي وصحافيي لبنان، عارضوا نظام الأسد وسلاح "حزب الله" فكانت السيارات المفخخة والرصاص بانتظارهم.
اليوم لبنان يعيش أدق مرحلة في تاريخه، يعيش حرباً لم يخترها ولم يقررها، حربا قرر "حزب الله" فتح نيرانها على لبنان لإسناد إيران، ليست الحرب الأولى التي يفتح "حزب الله" نيرانها على لبنان ولكنها الأخطر، إسرائيل تهدد باجتياح لبنان ولبنان عاجز عن فك ارتباطه الفعلي بـ"حزب الله".
على مدى 21 عاماً فشلت الدولة اللبنانية بفرض سيادتها الكاملة، كانت الكلمة الفصل في كثير من الاستحقاقات الداخلية والخارجية للسلاح، لم يتعايش لبنان فقط مع سلاح "الحزب" ولكن العالم كله كان يقبل بهذا التعايش، دخل "حزب الله" إلى سوريا وحارب مع بشار الأسد وقتل آلاف السوريين وشارك في تهجير الملايين، "الحزب" الذي قال يوماً أمينه العام إن مهمة سلاحه هي لحماية السلاح، دخل إلى سوريا وقال إنه دخل لحماية المراقد الشيعية، ثم قال لحماية لبنان، وفي واقع الأمر لم يكن "الحزب" وسلاحه إلا أداة وميليشيا لخدمة مشروع إيران في المنطقة، فتحول مقاتلوه إلى مرتزقة يقاتلون في سوريا والعراق واليمن.
اليوم لبنان يعيش أدق مرحلة في تاريخه، يعيش حرباً لم يخترها ولم يقررها، حربا قرر "حزب الله" فتح نيرانها على لبنان لإسناد إيران
بعد سقوط نظام بشار الأسد- وكانت حرب إسناد غزة قد توقفت وصار سحب سلاح "الحزب" ضرورة لبقاء لبنان وحمايته- خرج علينا "حزب الله" بذريعة جديدة، لم يعد السلاح لحماية لبنان من إسرائيل بل صار لحماية لبنان من سوريا الجديدة، وبدأ إعلامه نشر أخبار مضللة عن نية سوريا الدخول إلى لبنان، صار السلاح لحماية الطائفة الشيعية والمسيحيين من سنّة سوريا "المتطرفين".
اليوم وقد اندلعت حرب إيرانية-إسرائيلية على أرض لبنان، عادت أبواق "الحزب" لإشاعة حالة من الذعر من أن الحشود العسكرية السورية على الحدود مع لبنان هي لاستعداد النظام السوري الجديد للدخول إلى لبنان ومساندة إسرائيل في حربها على "حزب الله".
قام الرئيس السوري أحمد الشرع بسلسلة من الاتصالات، لم يكتفِ بالاتصال مع رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تفهم مخاوف اللبنانيين وهواجسهم، تواصل مع الرئيس السابق لـ"الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، ومع رئيس "حزب الكتائب" النائب سامي الجميل.
بين الشرع والجميل كان الاتصال الأول، يمثل "حزب الكتائب" في وجدان المسيحيين اللبنانيين الكثير، تحول العداء بينه وبين النظام السوري السابق إلى عداء بين سوريا ومسيحيي لبنان، أراد الشرع من خلال الاتصال فتح صفحة جديدة مع لبنان ومع مسيحييه، وأراد تطمينهم بأن الحشود العسكرية على الحدود مع لبنان كما مع العراق هي لضبط الحدود ومنع أيٍ كان من جر سوريا إلى حرب هي بغنى عنها ولا تريدها بل وتعمل على منعها، وأن صفحة التدخل السوري في لبنان قد طويت إلى غير رجعة، وأن صفحة جديدة بين البلدين مبنية على الاحترام والتعاون يجب أن تفتح وتعمق، وصف الجميل الاتصال بالإيجابي جداً.
خرج العميد حسن عبدالغني الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع على الإعلام اللبناني، وأكد مجدداً أن هذه الحشود على حدودي العراق ولبنان هي لحماية أمن سوريا، ومنع "حزب الله" وغيره من تهريب السلاح والمخدرات ومن القيام بأي عمل يضر بأمن سوريا.
قامت الحكومة السورية بتطمين لبنان واللبنانيين مراراً، من يسمع الشرع يتحدث عن لبنان يدرك تعويله على التعاون والتكامل الاقتصادي بين البلدين، ويدرك أنه يرى أن البلدين، وتحديداً لبنان أمامه فرصة ليستفيد من التغير الحاصل في سوريا.
اليوم في سوريا مشروع إعادة إعمار دولة، اليوم سوريا ترفع شعار سوريا أولاً، هي ليست مصدر تهديد لأي من جيرانها أو دول المنطقة، ينتشر جيشها على كامل الحدود لحماية سوريا وشعبها
اليوم في سوريا مشروع إعادة إعمار دولة، اليوم سوريا ترفع شعار سوريا أولاً، هي ليست مصدر تهديد لأي من جيرانها أو دول المنطقة، ينتشر جيشها على كامل الحدود لحماية سوريا وشعبها، هذه الحدود التي عبر منها سابقاً "حزب الله" والميليشيات العراقية للمشاركة بقتل السوريين وتهجيرهم تحت أعين الدولتين اللبنانية والعراقية، ومع ذلك لم تنتظر سوريا اليوم تطمينات من لبنان بأن لا يسمح بعبور ميليشيا "حزب الله" مجدداً إلى أراضيها، بل بادر الشرع وطمأن اللبنانيين أن مهمة الجيش السوري هي حماية سوريا.
تحدث الشرع سابقاً عن التعالي على جراح الماضي وقرر النظر والعمل من أجل المستقبل بين البلدين، فهل سيتلقف لبنان المبادرة ويتوقف تحريض بعضه على سوريا، ويتوقف كل ذي مصلحة من تكرار وتبني ما يقوله "حزب الله" ليبرر بقاء سلاحه؟
سوريا قالت كلمتها، وكررتها مراراً، الشرع يرغب بأفضل العلاقات مع لبنان، علاقة قائمة على الاحترام وعدم التدخل والتعاون، هذا ما أراده اللبنانيون قبل 21 عاماً، فهل يتحول شعار ساحة الشهداء في بيروت إلى فعل؟ الكرة اليوم في الملعب اللبناني، وذاكرة الشعبين مثقلة بالجراح، ولكن صفحة نظام الأسد قد طويت إلى الأبد.