القدرة على البقاء... إيران بين استهلاك الماضي والمستقبل

المفارقة أن المشاريع التي تنجح في تعبئة الجماهير عبر الخطاب الأيديولوجي، قد تفشل في إدارة التعقيد الذي يفرضه العالم الحديث

القدرة على البقاء... إيران بين استهلاك الماضي والمستقبل

استمع إلى المقال دقيقة

لم تسقط كل الحضارات بفعل هزيمة خارجية، فبعضها يسقط حين يعجز عن مغادرة ماضيه أو في عدم القدرة على البقاء والتقدم عن المستوى الذي وصله. في هذا السياق، تبدو إيران وكأنها تخطف الحاضر باتجاه الوراء، إذ هي مصرة على إعادة الزمن إلى نقطة تعتقد أنها لم تُستكمل بعد. ولا تكتفي باستدعاء الذاكرة الجمعية، بل تعيد توظيفها كأداة سياسية، محاولة فرض سردية تاريخية على واقع لم يعد يعترف إلا بمن يملك القدرة على التكيّف.

بيد أن المشكلة لا تكمن في استحضار الماضي بحد ذاته، بل في تحويله إلى بديل عن الحاضر، وإلى أداة لمواجهة عالم يتحرك بسرعة لا تنتظر أحدا، عالم تُقاس فيه القوة بقدرة الدول على الابتكار لا بقدرتها على استحضار التاريخ.

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة بمنطق مختلف تماما، قائم على تسريع المستقبل لا استدعاء الماضي، وعلى إعادة تعريف القوة من خلال التكنولوجيا والاقتصاد والتحالفات، لا من خلال السرديات التاريخية القلقة. وبين هذين النموذجين، تقف إسرائيل في موقع ثالث، تدير صراعها محمّلة بثقل ديني توراتي عميق، يتسم بالانغلاق والحدّة، ويمنح المواجهة بعدا يتجاوز السياسة إلى مستويات أكثر خطورة وتعقيدا، حيث تختلط العقيدة بالقرار السياسي، ويتحول الصراع إلى ما يشبه المواجهة الوجودية التي يصعب احتواؤها.

لا تختلف المواجهة الأميركية كثيرا عن الإسرائيلية في بنيتها الصدامية. فمحيط الرئيس دونالد ترمب يعكس توجهاً متشدداً واضحاً. لكن التركيز على هذا البعد قد يشتت الانتباه عن الإشكالية الأعمق: إيران نفسها، التي أعادت صياغة العالم وفق منطق ثنائي حاد، يقسمه إلى معسكرين لا ثالث لهما. في هذا التصور، لا يوجد حياد، ولا مساحة رمادية، بل اصطفاف إجباري، يُعاد فيه تعريف السياسة كصراع صفري لا يقبل التوازن، ويُنظر فيه إلى التسويات بوصفها تنازلات لا ضرورة.

وعلى مدار سبعة وأربعين عاما من الثورة ضد نظام الشاه حليف الغرب ضد التمدد السوفياتي، لم تتعامل إيران مع نفسها كدولة تبحث عن الاستقرار، بل كمشروع أيديولوجي مفتوح يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي عبر تصدير الثورة بخطاب ماضوي ثأري. هذا المشروع لم يكن مجرد خطاب، بل تحول إلى ممارسة، رافقها تشدد داخلي، وتصفية للخصوم، وبناء منظومة فكرية ترى في ذاتها مركزا للشرعية، لا طرفا ضمن نظام دولي قائم. وهنا تكمن المفارقة الحادة: فكلما تعمّق المشروع في ذاته، ازداد ابتعادا عن منطق الدولة الحديثة، التي تقوم على التوازن، والمرونة، والقدرة على التكيف مع الحاضر السياسي.

وفي محيطها العربي، لم تكن السياسات الإيرانية انعكاسا لردود فعل مؤقتة، بل تعبير عن رؤية استراتيجية ترى في التمدد المحكوم بالعودة للماضي ضرورة، وفي النفوذ أداة مستمرة لإعادة تشكيل موازين القوة. وقد أدى ذلك إلى حالة مستمرة من التوتر، أعادت رسم خرائط النفوذ، وخلقت واقعا إقليميا أكثر هشاشة وتعقيدا. حيث لم تعد الصراعات تقليدية، بل أصبحت متعددة المستويات، تتداخل فيها السياسة بالأمن بالعقيدة، وتنتج أنماطا جديدة من الصراع يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية.

هذه المواجهة لا تكشف فقط عن صراع بين دولتين، بل تضع مشروعا كاملا تحت اختبار حاسم. مشروع قد يمتلك القدرة على الصمود، لكنه يفتقر إلى عنصر أكثر أهمية: القدرة على التحول والمراجعة

وهنا، تتحول المواجهة الإيرانية-الأميركية إلى ما هو أبعد من صراع سياسي أو عسكري؛ إنها صدام بين نموذجين متناقضين في فهم الزمن ذاته: نموذج يرى في الماضي مصدرا للشرعية، ويسعى إلى إعادة إنتاجه، ونموذج آخر يرى في المستقبل مجالا للفعل، ويعيد تعريف القوة بناء على القدرة على التكيف والسيطرة على الثروات وتعزيز مركزية أميركا كقطب أوحد. هذا التناقض لا يمكن احتواؤه بسهولة، لأنه لا يتعلق فقط بالمصالح، بل بطريقة فهم العالم وإدارة المصالح الوطنية.
المفارقة أن المشاريع التي تنجح في تعبئة الجماهير عبر الخطاب الأيديولوجي، قد تفشل في إدارة التعقيد الذي يفرضه العالم الحديث. فالقوة اليوم لم تعد تُقاس فقط بالقدرة على الحشد أو التعبئة، بل بالقدرة على الابتكار وإدارة الأزمات والتكيف مع التحولات المتسارعة، وهو ما يضع هذه المشاريع أمام اختبار حقيقي يتجاوز الشعارات إلى الواقع.
ولا يمكن فهم هذه المواجهة بمعزل عن التحولات العميقة في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد الهيمنة تُمارس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال السيطرة على المعرفة، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد العالمية. في هذا السياق، تبدو الفجوة أكثر وضوحا بين نموذج يسعى إلى إعادة إنتاج الماضي، ونموذج يعيد تشكيل أدوات السيطرة وفق معايير جديدة. فالدول التي لا تنخرط في هذه التحولات تجد نفسها تدريجيا خارج معادلة التأثير، حتى وإن امتلكت أدوات تقليدية للقوة. وهنا، لا يصبح التحدي مجرد صراع مع خصم خارجي، بل صراع مع الزمن نفسه، ومع القدرة على إعادة تعريف الذات ضمن نظام عالمي لا يعترف بالثبات. 
كما أن هذه المواجهة تعكس خللا أعمق في فهم مفهوم القوة ذاته، حيث لم يعد التفوق يقاس فقط بالقدرة على فرض الإرادة، بل بالقدرة على إعادة إنتاج أدوات التأثير بشكل مستمر، وهو ما يفرض على الدول مراجعة نماذجها التقليدية.
وعليه، فإن هذه المواجهة لا تكشف فقط عن صراع بين دولتين، بل تضع مشروعا كاملا تحت اختبار حاسم. مشروع قد يمتلك القدرة على الصمود، لكنه يفتقر إلى عنصر أكثر أهمية: القدرة على التحول والمراجعة. وفي عالم لا ينتظر المترددين، لا يكون السقوط نتيجة هزيمة مباشرة، بل نتيجة تأخر في فهم قواعد اللعبة الجديدة. فحين يتحول الماضي من مصدر قوة إلى عبء استراتيجي، يصبح السقوط- ليس للنظام بل للفكرة التي استلبت وعي الشارع، وهي مواجهة الغرب بوصفة استكبارا عالميا- مسألة وقت، وليس احتمالا.

font change