هوميروس و"المرشد" وحروب طروادة

قيل إن صدام حسين ظهر على خدّ القمر عام 1990 مبشرا بنهاية إسرائيل، لكنه انتهى بالعراق إلى الهلاك والتذرر والانقسام

هوميروس و"المرشد" وحروب طروادة

استمع إلى المقال دقيقة

تعيد الحرب الإيرانية-الأميركية إلى الذاكرة سيّر الحروب الكبرى ومصائرها: القادة والموت، وأسطرة الانتصارات والهزائم معاً. وغالبا ما تحتاج أي حرب لرواية مؤسسة، لكنها في الحالة الإيرانية-الأميركية-الإسرائيلية، تبدو فريدة، بلا أبطال خارقين، بلا شعر ملحمي. القتل عن بُعد، بلا مواجهات متقابلة، إنها تجري في زمن المسيّرات والذكاء الاصطناعي والصواريخ الموجهة ومن أعماق البحار وحاملات الطائرات.

قديماً عرف الفرس الهزيمة، كما عرفوا النصر، وكان من هزائمهم الساحقة يوم تخلى العرب عن خلافاتهم وهزموا في ذي قار جيش كسرى أبرويز الثاني، وآنذاك رأى قادة العرب أن الحرب أشرف من الهروب من جيش كسرى، وتعالت أصوات النساء العربيات من قبائل بني بكر وشيبان وعجل في الحضّ على البأس والبلاء وصاحت امرأة عجلية:

إن تَهزموا نُعانقُ... ونفرشُ النمارقَ

أو تهربوا نُفارقُ... فِراقَ غيرِ وامقِ

ثم أتى المسلمون وأنهوا الحكم الساساني في القادسية، فولى يزدجرد الثالث هارباً، بعد سقوط المدائن بيد المسلمين. لكن حروب الفرس ليست مع العرب وحدهم، فقد حاربوا الأحباش في اليمن وانتصروا عليهم وبقي المولودون منهم في اليمن حتى جاء الإسلام ودخلوه، إلا أن حربهم مع الإسكندر المقدوني كانت كبيرة وحاسمة، في عهد ملكهم داريوس الثالث وهو آخر ملوك الدولة الأخمينية في إيران وحكم بين عامي 336-330 قبل الميلاد، وفي معركة حاسمة هرب داريوس أمام عظمة جيش ملك مقدونيا وسيدها الإسكندر بن فيليب، إلى مدينة بلخ تاركاً أمه وزوجته وبناته الاثنتي عشرة بنتا اللواتي أخذن سبايا، وزعهن الإسكندر على قادته، وتزوج عام 324 قبل الميلاد بالكبرى منهن وهي ستاتيرا الثانية (stateira) أو بارسين، التي قتلت بعد عام واحد من زواجها على يد زوجة الإسكندر الأولى روكسانا.

عند الفرس ملاحم، وعند الإغريق الإلياذة والأوديسا، وعند العرب أخبار طوال لأيامهم، ومنها "يوم ذي قار" و"يوم البسوس" و"يوم الدار"، وغيرها من أحداث

المهم في هزيمة داريوس الثالث لم يكن مصير عائلته، بل كما تقول الروايات، حاول الإسكندر تعقبه لكي يأسره، فوجده مقتولاً، على يد ضابط داريوس، بيسيوس، تجنبا لوقوعه في الأسر، وقد غطى الإسكندر داريوس بردائه، وأمر بنقله إلى برسيبوليس لإقامة جنازة ملكية لائقة، وكان ذلك لكي يعزز الإسكندر موقعه كخليفة شرعي لبلاد فارس، وأظهر في تصرفه الأخلاق الإغريقية، وأنه تلميذ أرسطو المعلم الأول. 
في الحروب لا بد من غضب، وتدوين يستحق بقاء المعارك في ذاكرة الأمم، وقد يكتب الصلح بالدم، ويكتب النصر بالشعر، لا كي تعيش الشعوب على إرث الحروب، بل كي تتعلم من أخطائها وأحلامها غير المقنعة، وإيران طالما فكرت بالهيمنة على ما هو خارج حدودها، ومجالها الجغرافي، وللأسف ظل حقدها على العرب ماثلاً، وذي قار اليوم محافظة في جنوب العراق كان حكامها قد فرحوا بأن سيطروا عليها بعد عام 2004، وكأنهم يستعيدونها من العرب بعد أكثر من ألف وأربعمئة عام من وجع الهزيمة.
عند الفرس ملاحم، وعند الإغريق الإلياذة والأوديسا، وعند العرب أخبار طوال لأيامهم، ومنها "يوم ذي قار" و"يوم البسوس" و"يوم الدار"، وغيرها من أحداث، لكنها عند الإغريق خيال واسع، قدمه لنا هوميروس مؤرخ حروب طروادة، صحيح أن كثيرا مما كتبه يدخل في قالب الأسطورة، لكن الحروب الكبرى، تحتاج لهذا النوع من النسيج.
قيل إن صدام حسين ظهر على خدّ القمر عام 1990 مبشرا بنهاية إسرائيل، لكنه انتهى بالعراق إلى الهلاك والتذرر والانقسام، والاحتلال بفاعل أساسي هو الشطط والأحلام ودعم إيران لأميركا لكسر شوكته، ومؤخراً راجت عن مصائر "المرشد" الإيراني علي خامنئي نبوءات باستشهاده وأنه اختار الخلاص الموعود، وأن إسرائيل ستحترق  وتعاقب من الله جراء ذلك، وأن السيد الولي سيدخل الجنة ويلقى الإمام الحسين وحسن نصرالله وقاسم سليماني، ويمكن هنا النظر للوحات التي ترسم في الفضاء الرقمي الإيراني الشيعي، هكذا يغيب العقل وتؤجل الحقيقة المرة، وكثيراً ما غاب الوعي في عوالم الشرق الأوسط التي ترفض ثقافة الاعتراف بالهزيمة وتستمر بالإنكار.

سيقيم الإيرانيون مآتم طويلة، وطقوس لطم كثيرة، وسيستعيدون كل التواريخ التي تربط بين مصير "المرشد" و"الإمام" الذي واجه خصومه في كربلاء

 يروي هوميروس في الإلياذة في الفصل المعنون: "مقتل بتروكلوس"، أنه "وبعد قتل ساربيدون ملك ليسيا (وهي منطقة اليوم بتركيا وقد خلدتها الإلياذة باعتبارها أرض نهر زانثوس المتدفق) وقائد فرسانها وأشجع مقاتل في جيش طروادة بعد هكتور أمير طروادة وقائد حروبها أمام الإغريق، وقف بتروكلوس على جثته سخرية وزهواً، ناسياً أنه يهزأ بابن زيوس سيد الآلهة".
ويضيف هوميورس بأن بتروكلوس نسي بفعلته تلك مع ابن الآلهة، ما قد تجره من غضب للأم التعسة، وهي لاوداميا، التي أهابت بالإله الأكبر أبوللو (إله النور والموسيقى والشمس) أن يحمي جثة ولدها بعد أن عجزت عن حمايته حياً، وبعد أن عجز عن دفع ما قضت به رَبّات القدر.
وهنا فإن زيوس رأى بحركة بتروكلوس جاهلية وعدم تحضر؛ لأنه اعتبر أنه أمام جلال الموت تخشع القلوب، لذلك غضب زيوس وأمر ولده أبوللو العظيم بالانطلاق فورا إلى معمعة الحرب وأرسل إله النوم وإله الموت (هيبنوس وثاناتوس) ليحميا جثة القتيل ويدفعان عنه السباع التي أرادت سرقة سلاحه ودروعه، أما الجثة فحملت من قبل هيبنوس وثاناتوس الكريمين إلى ليسيا، وهناك أقيم طقس الدفن بعد لف الجثة بثوب سماوي من ثياب الرحمة، وجمعا حولها عرائس الفنون لتبكيها وتنشد لها أوجع ألحانها وأشجى موسيقاها.
ختاماً، سيقيم الإيرانيون مآتم طويلة، وطقوس لطم كثيرة، وسيستعيدون كل التواريخ التي تربط بين مصير "المرشد" و"الإمام" الذي واجه خصومه في كربلاء، سيقال إن "المرشد" رفض الاختباء وجلس في بيت ابنته منتظراً مصيره كما الحسين رضي الله عنه. لكنهم قطعاً لن يجدوا شاعرا وأديبا مثل هوميروس يجعل الآلهة تغضب مجتمعة لأجل "المرشد"، فذلك يحتاج أن نعيد أزمنة من الكذب والتضليل، ويلزمه خيال واسع، ولا وقت لذلك أمام أهداف ترمب الكبرى والصغرى.  

font change